Disqus for ومضات إيمانية

الأحد، 19 مايو 2013

تأويل الصفات


المبحث الأهم في موضوع الأسماء والصفات هو اتهام السلفية للأشاعرة أنهم يؤولون الأسماء والصفات، وأن تأويلهم هذا هو تحريف للكلم عن مواضعه، وتقوّل على الله بغير الحق، واتباع للظن في مجال العقائد..
وأما من يفوض من الأشاعرة فيتهمونه كذلك بأنه يعطل الصفات، لأنه يثبت ألفاظاً لا معاني لها..
فما الذي يريده الإخوة السلفيون؟؟              
يقولون: نريد منكم أن تثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف  ولا تمثيل

والتحريف: هو حرف الصفة عن معناها إلى معنى آخر مع عدم الموجب له
والتعطيل: هو نفي الصفات كلها أو بعضها عن الله تعالى
والتكييف: هو الإخبار عن حال الشيء وكيفيته، وصفات الله لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى
والتمثيل: هو إثبات مثل للشيء، كأن يقال: إن صفات الله تعالى مثل صفات المخلوقين.([1])

فهل ما يظنه السلفيون بالأشاعرة صحيح؟ وما حقيقة الأمر؟

أولا- ما هي الصفات محل الخلاف؟ هل الاختلاف حول جميع صفات الله عز وجل أم بعضها فقط؟؟


اسمحوا لي هنا أن أنقل لكم من كتاب شيخنا الفاضل علي الطنطاوي رحمه الله، من كتابه القيم "تعريف عام بدين الإسلام":


آيات الصفات

«لقد اجتنبت في هذا الكتاب الخوض في المسائل الكلامية، وأعرضت عن سرد اختلافات المتكلمين، ولكن مسألة (آيات الصفات) قد طال فيها المقال وكثر فيها الجدال، ولابد من بعض البسط في الكلام فيها، ولقد وصف ربنا نفسه في القرآن بألفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معان أرضية، ومقاصد بشرية، مع أن الله ليس كمثله شيء، وهو الرب الخالق، تعالى على أن يشبه المخلوقين، ولا يمكن أن تفهم هذه الألفاظ حين إطلاقها على الله، بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين إطلاقها على المخلوق.

فنحن نقول: فلان عليم، وفلان بصير، ونقول: إن الله عليم بصير، ولكن الكيفية التي يعلم بها العبد ويبصر، ليست هي التي يعلم بها ربنا ويبصر. وعلم العبد وبصره ليس كعلم الله وبصره، كذلك نقول: استوى المعلم على منبر الفصل، ونقول: استوى الله على العرش، نحن نعرف معنى الاستواء (القاموسي) ونطبقه على المعلم، ولكن هذا المعنى لا يمكن أن يكون هو بذاته المقصود حين نقرأ: {الرحمن على العرش استوى} (آية 5 طه).

هذا كله متفق عليه بين العلماء، فهم جميعا مقرّون بأن آيات الصفات هي كلام الله. فإذا قال الله: {ثم استوى على العرش} لم يستطع أحد أن يقول: ما استوى. وهم جميعا معترفون بأن المعنى (القاموسي) البشري لكلمة (استوى) ليس هو المراد من قوله استوى على العرش، ولكنهم مع ذلك اختلفوا اختلافا كبيرا في المراد المقصود بعد اتفاقهم على ترك التعطيل والتشبيه، تساءلوا: هل هذه الآيات حقيقة أم مجاز؟ ؟؟؟ وهل تؤول أم لا تؤول؟؟؟


أما الذين أوَّلوا فقالوا بأن الحقيقة هي استعمال اللفظ بالمعنى الذي وضع له، وهذا هو تعريف الحقيقة عند عامة علماء البلاغة ، ولا شك أن اللسان العربي الذي نزل به القرآن، وضعت فيه هذه الألفاظ  قبل نزول القرآن ، ووضعت لمعان أرضية مادية، حتى إنها لتعجز عن التعبير عن العواطف والمشاعر البشرية فضلا عن التعبير عن صفات الله خالق البشر، فإن مظاهر الجمال وأشكاله لا حد لها، وما عندنا لها كلها إلا كلمة (جميل)، وأين جمال المنظر الطبيعي من جمال القصيدة الشعرية، من جمال العمارة المزخرفة، من جمال الغادة الحسناء؟ وفي النساء ألف لون من ألوان الجمال، وما عندنا لها كلها إلا هذا اللفظ الواحد، فاللغات تعجز عن وصف الشعور بالجمال. وكذلك القول في الحب، في تعداد أنواعه واختلاف مشاعره، وضيق ألفاظ اللغة عن وصف هذه الأنواع، ونعت هذه المشاعر، فكيف تحيط بصفات الله وتشرح كيفياتها؟؟؟
وإذا كانت الحقيقة هي (استعمال اللفظ فيما وضع له) ، وكانت ألفاظ: ( استوى- وجاء – وخادع- ويمكر- ونسيهم) إنما وضعت للمعاني الأرضية البشرية المادية، وكان استعمالها في القرآن في قوله: {ثم استوى على العرش} ، {وجاء ربك} ، {وهو خادعهم} ، { ويمكر الله } ، وقوله: {فنسيهم} في غير هذا المعنى المادي الأرضي البشري الذي وضعت له، لم تكن إذاً: حقيقة بمقتضى تعريفهم هذا للحقيقة.


ومن ينكر أنها مجاز، ومنهم ابن تيمية، يعرف (الحقيقة) تعريفاً آخر خاصاً به، غير التعريف الذي جرى عليه البلاغيون، ويقول ما معناه: إن تأويل هذه الألفاظ، أي: تفسيرها تفسيراً مجازياً، والجزم بأنه هو المراد مردود، لأن المعاني المجازية هي أيضاً معان بشرية.

ولقد نظرت فوجدت أن هذه الآيات على ثلاثة أشكال:


1-                            آيات وردت على سبيل الإخبار من الله تعالى:

كقوله: {الرحمن على العرش استوى} فنحن لا نقول : إنه ما استوى، فنكون قد نفينا ما أثبته الله، ولا نقول إنه استوى على العرش كما يستوي القاعد على الكرسي، فنكون قد شبهنا الخالق بالمخلوق، ولكن نؤمن بأن هذا هو كلام الله، وأن لله مراداً منه لم نفهم حقيقته وتفصيله، لأنه لم يبين لنا مفصلاً، ولأن العقل البشري –كما قدمنا- يعجز عن الوصول إلى ذلك بنفسه.

2-                           آيات وردت على الأسلوب المعروف عند علماء البلاغة بالمشاكلة:

 والمشاكلة هي كقول القائل:
(قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه.................. قلت اطبخوا لي جبة وقميصا)
وقول أبي تمام في وقعة عمورية، يرد على المنجمين الذين زعموا أن النصر لا يجيء إلا عند نضج التين والعنب:
  ( تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت............. جلودهم قبل نضج التين والعنب) والآيات الواردة على هذا الأسلوب كثيرة، كقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم}. فكلمة (نسوا)  جاءت على المعنى (القاموسي) للنسيان، وهو غياب المعلومات عن الذاكرة، ولكن كلمة (فنسيهم) جاءت مشاكلة لها، ولا يراد منها ذلك المعنى، لأن الله لا ينسى{وما كان ربك نسيا}. ونقول بعبارة أخرى: إن كلمة (نسوا) استعملت بالمعنى الذي وضعت له، وكلمة (فنسيهم) استعملت بغير هذا المعنى. ومثلها قول: {وهو معكم أينما كنتم}، اتفق الجميع على أنها مَعِيَّـةُ علم، لا مَعِيَّـةُ ذات، لأن صدر الآية ينص على أن الله استوى على العرش. ومثلها قوله: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} ، وقوله: {ومكروا ومكر الله} ، وقوله: {يخادعون الله وهو خادعهم}. كل هذه الآيات لا يجوز فهمها بالمعنى القاموسي، المادي، بل بمعنى يليق به جل وعلا.


3-                           آيات دلت على المراد منها آيات أخرى، كقوله تعالى:

{ وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} ، تدل على المراد منها آية: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} .  ويُفهم أن بسط اليد يراد به الكرم والجود، ولا يستلزم ذلك (بل يستحيل) أن يكون لله تعالى  يدان كأيدي الناس والحيوان، تعالى الله عن ذلك.  وقد جاء في القرآن قوله: {بين يدي رحمته} ، و {بين يدي عذاب شديد} ، والقرآن {لا يأتيه الباطل من بين يديه} . وليس للرحمة ولا للعذاب ولا للقرآن يدان حقيقيتان.

المحكم والمتشابه:

بين الله في القرآن، أن فيه آيات محكمات، واضحة المعنى، صريحة اللفظ، وآيات وردت متشابهات، وهي التي لايَضِحُ (أي يتضح) المعنى المراد منها تماما، بل تكثر أفهام الناس لها، وتتشابه تفسيراتها حتى يتعسر معرفة المراد منها، وآيات الصفات منها، وأن على المؤمن ألا يطيل الغوص في معناها، ولا يتتبعها فيجمعها، ليفتن الناس بالبحث فيها.

موقف المسلمين منها وكيف فهموها:

المسلمون الأولون، وهم سلف هذه الأمة، وخيرها وأفضلها، لم يتكلموا فيها، ولم يقولوا إنها حقيقيقة، ولم يقولوا إنها مجاز، ولم يخوضوا في شرحها، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله. فلما انتشر علم الكلام، وأوردت الشبه على عقائد الإسلام، وظهرت طبقة جديدة من العلماء انبرت لرد هذه الشبه، تكلم هؤلاء العلماء في آيات الصفات، وفهموها على طريقة العرب، في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة -إذا لم يمكن فهمها به- إلى معنى آخر، وهذا ما يسمى: (المجاز)  أو (التأويل)  وهو موضوع نزاع بين العلماء طويل.
والحق أن هذه الآيات نزلت من عند الله، من أنكر شيئاً منها كفر، وأن من عطلها تماما، فجعلها لفظاً بلا معنى كفر، ومن فهمها بالمعنى البشري، وطبقه على الله، فجعل الخالق كالمخلوق كفر. والمسلك خطر، والمفازة مهلكة، والنجاة منها باجتناب الخوض فيها، واتباع سنن السلف، والوقوف عند حد النص، وهذا ما أدين الله به، وما أعتقده.» انتهى

وأنا كذلك هذا ما أدين به لله تعالى وما أعتقده.
ولولا كثرة الخائضين فيه، وتجرؤهم على تكفير غيرهم واتهامه بمخالفة أهل السنة والجماعة، ما كنا خضنا مع الخائضين..
ولكنها فتنة ابتلينا بها في عصرنا، فصار إخوة  لنا يجمعون أحاديث الصفات المتشابهة في نسق واحد ويمتحنوننا بها، كما امتُحن الإمام أحمد بخلق القرآن، وإلى الله المشتكى.

وقد عرفنا من كلام شيخنا الطنطاوي أن الصفات محل الخلاف بين إخوتنا السلفيين وبين سائر أهل السنة والجماعة من مفوضين ومؤولين هي صفات الله تعالى التي قد توهم التشبيه.

فربنا سبحانه وتعالى أضاف إلى نفسه في كتابه الحكيم ألفاظاً هي في لغتنا العربية جوارح وأعضاء للمخلوقات (كاليد والوجه والعين)
وربنا تبارك وتعالى منزه عن أن يكون له جارحة أو يكون له أبعاض أو أعضاء
لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
وهذا بإجماع المسلمين
وربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه أو  وصفه نبيه في أحاديث صحيحة بألفاظ تفيد عند البشر الحركة والانتقال (كالاستواء والنزول والمجيء)
والله سبحانه وتعالى منزه عن الحركة والانتقال، لأن الحركة تعني الانتقال من مكان لمكان، وربنا تبارك وتعالى منزه عن أن يحويه مكان أو يجري عليه زمان، لأنه خالق المكان والزمان، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

وهذا أيضا بإجماع المسلمين (دعكم من الجهال وأهل البدع والقائلين بحلول الله في الأماكن، سبحانه وتعالى)

وربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه ووصفه نبيه بأفعال هي عند البشر انفعالات عاطفية نفسية: كالرضا والغضب والضحك والفرح
والله تعالى منزه عن الانفعالات النفسية التي تطرأ على المخلوقين، فهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
فكيف التعامل مع هذه النصوص والصفات؟
هذا هو مربط الفرس


المفوض قال:
 أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من وجه ويد وعين واستواء ونزول وغيرها، ولكنني أنظر في معانيها اللغوية التي تواضع عليها البشر فأجدها لا تليق بجلال الله تعالى، فأنفيها عنه، وأفوض أمرها لله...

السلفي ( متبع ابن تيمية ) قال:

إن هذه الصفات تلقي في نفسك معان معينة، وأنت تفهم هذه المعاني، لذلك عليك أن تقول أنا أثبت المعنى، فهي ليست كلمات غير مفهومة وخالية من المعنى، وإنما أفوض كيفيتها لله تعالى وليس معناها، فلها كيفية تليق بجلال الله...
فيقولون: أنا سميع والله سميع، وليس سمعي كسمع الله
وأنا لي يد والله له يد، وليست يدي كيد الله

المؤولة مختلفون قليلا، فهم يثبتون لله تعالى سائر صفاته إلا الصفات التي توهم التجسيم أو التشبيه (اليد والعين والوجه، والنزول والاستواء والمجيء، والرضا والغضب والضحك والفرح) فقط هذه الصفات، لكن لا يجادلون في صفات العزيز والعليم والخبير والقدير والسميع والبصير والحكيم والقوي والعلي واللطيف ووووو وسائر الصفات المنبثقة من الأسماء الحسنى..

ولا ينكرون نصوص الكتاب والسنة بل يقولون نؤمن بها... ولكن هذه الألفاظ نراها لا معنى لها في اللغة إلا معان تجسيمية بشرية لا تجوز لله تعالى الذي ليس كمثله شيء، فلذلك نحن ننظر في المجاز فنؤولها إلى معنى مجازي يظهر لنا من سياق النص الذي وردت فيه..
فإذا قال الله تعالى: "يد الله فوق أيديهم"، فهذا يعني استيثاقاً للبيعة، كقوله: "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً"، وليس الله بحاجة لقرض منا، وإذا قال الله تعالى: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك"، فالمقصود بالوجه الذات، "ولتصنع على عيني"، أي برعايتي وعنايتي.. وهكذا


فما حجة كل فريق، وما اعتراض كل فريق على الآخر..

المؤولة قالوا: إنكم إذا أثبتم المعاني البشرية تكونون كاليهود والنصارى من المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوقين، وتنقضون القاعدة الكلية التي قررها ربنا تبارك وتعالى في الآية المحكمة الفيصل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}
وإن فوضتم المعنى، وقلتم لا ندري ما هو، جعلتم كأن الله ورسوله خاطبونا بما لا نفهم ولا نعي معناه... فإذا كان لا يجوز لنا أن ننفي المعاني، ولا يجوز لنا أن أن نثبت المعاني اللغوية الحقيقية لأنها تشبه الخالق بالمخلوقين، لزم لنا البحث عن معنى مجازي مناسب لسياق الآية والحديث وتأدية معناهما، كالأمثلة التي ذكرناها، والقرآن العربي نزل بلسان عربي مبين والمجاز أمر معروف في لغة العرب ( هذه حقيقة ثابتة وإن أنكرها بعضهم، لكن إنكاره لا يصمد أمام أبسط  نقاش)..

المفوضة قالوا: ليس لكم أن تؤولوا النصوص إلى معان مجازية، لأن هذا التأويل لا دليل عليه، وبالتالي لا يمكننا أن نجزم بشيء منه، ولم يردنا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا تابعيهم، فلا يجوز أن نحكم بالظن على آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم..
لذلك نحن نقول لكم نفوض معناها لله عز وجل..
وليس معنى هذا أننا ننكر هذه الصفات أو الآيات، بل نؤمن بها ونثبتها كما قالها ربنا، ولكننا لا نخوض في معانيها ونمسك عن ذلك، كما أمسك سلفنا الصالح، ولو كان في بيان معانيها خيراً لنا لبينوه..

السلفية (أتباع ابن تيمية) اعترضوا وقالوا:
لا...
ليس لكم أن تؤولوا النصوص إلى معان مجازية، لأن هذا التأويل لا دليل عليه، وبالتالي لا يمكننا أن نجزم بشيء منه، ولم يردنا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا تابعيهم، فلا يجوز أن نحكم بالظن على آيات القرآن وأحاديث النبي.. ولو سمحنا لكم بالتأويل فلربما أولتم كل صفات الله كالمعتزلة، ولربما أولتم أيضا أحكام القرآن وجعلتموها كلها لها حقيقة ومجاز، أو ظاهر وباطن، فصرفتموها عن الأحكام الظاهرة إلى تأويلات مختلفة كالفرق الباطنية، فتضيع العقيدة وتضيع الشريعة.

كذلك لا نوافق على كلامكم أيها المفوضة فإن فوضتم المعنى، وقلتم لا ندري ما هو، جعلتم كأن الله ورسوله خاطبونا بما لا نفهم ولا نعي معناه...ففيم كانت الرسالة إذن؟ وكيف قال تعالى { تبيانا لكل شيء}

وإنما نحن نقول: أثبت الصفة ومعناها، وفوض كيفيتها لله، فنقول لله يد، ومعنى اليد معروف في اللغة، لكننا لا نعرف كيف تكون يده، فنفوض كيفيتها. 

رد عليهم المفوضة وقالوا:
ما دمتم تقولون نثبت المعنى، ولا يجوز تفويضه، فقولوا لنا ما معنى يد؟ ما معنى وجه؟ ما معنى ضحك؟ ما معنى نزول؟
لأننا لا نجد لها إلا معان بشرية هي الموجودة في المعاجم اللغوية، وهذه المعاني نحن وأنتم متفقون أنها لا تجوز لله
فإذن ما هي المعاني التي تريدون أن نثبتها، هاتوها لنثبتها..

يرد السلفيون: هل عندما نقول لكم "رضي الله عنهم"، تفهمون من كلمة (رضي) أنها حروف لا معنى لها مثل (ألم  أو كهيعص؟) أم تستشعرون لها معنى في ذهنكم؟
قالوا: بل نستشعر لها معنى، لكننا لا نستطيع أن نفكر فيه ولا أن نحدده، ولا نفسره ونوضحه بألفاظ محددة.. لهذا نفوض.
يقول السلفيون: فهذا المعنى هو الذي نريد منكم أن تثبتوه
أثبتوا أن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله، وأن لله يداً تليق بجلاله، ولله نزول يليق بجلاله... إلخ...
فيقول لهم المفوضة: فأين المعاني التي أثبتموها، أنتم فسرتم الماء بالماء.. ما قلتموه ليس معان، وإنما أنتم مثلنا مفوضة ولكنكم لا تقرون بذلك..
فيرد السلفيون: لا... بل أنتم تفوضون المعاني فتعطلون دلالات النصوص
يرد المفوضة: بل نحن لا نعطل دلالات النصوص، لأن جميع هذه الصفات التي اختلفنا حولها لم ترد هكذا مسرودة مجردة كما هو الحال في أسماء الله الحسنى...
فلا تجد آية تذكر أن لله وجها ويداً وعينا ورضى وغضب هكذا فقط..
بل كل صفة من هذه الصفات جاءت ضمن نص يفيد معنى عاماً، ولو كانت مجردة من النص لما فهمنا منها إلا المعنى البشري اللغوي للمخلوقات... لذا لا يمكن اقتطاعها من سياق الآيات والأحاديث منفردة... وهي في السياق ستكتسب معنى منه، وبالتالي لن نقول أن الله تعالى أو رسوله خاطبنا بما لا نفهم... فنحن فهمنا معنى النص العام والغرض منه.
بخلاف أسماء الله الحسنى التي وردت متتالية مجردة عن الجمل، في مثل قوله تعالى:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }

قال السلفيون هل تعنون أنكم تتورعون عن أن تصفوا الله تعالى بما وصفه به نبيه؟ فهل أنتم أكثر تنزيهاً لله من نبيه صلى الله عليه وسلم..
قال الآخرون بل نحن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ولكننا نعترض على فهمكم أنتم لهذه النصوص والصفات..
-
-
-
-
-

وهكذا لا ينتهي الجدال... وسودت به آلاف المؤلفات، ثم آلاف المقالات، ثم آلاف صفحات المنتديات...

طيب ما هو الفيصل؟

قال السلفيون الفيصل بيننا وبينكم هو فهم السلف الصالح لهذه النصوص

قال الآخرون: السلف الصالح هم القرون الخيرية الثلاثة الأولى التي شهد لها رسول الله، والتي تلقت الوحي والسنة غضة طرية، من صحابة وتابعين وتابعي تابعين...
فهؤلاء الذين فهمهم حجة لنا أو لكم أو للمؤولة...


اتفقنا؟

أدلة المؤولة:

قال المؤولة: إليكم أدلتنا على أن السلف الصالح أوّلوا النصوص التي توحي بمشابهة الله لمخلوقاته، وصرفوها لمعان أخرى تجيزها اللغة العربية، لتتأكدوا أننا نحن أهل السنة والجماعة، وأننا نحن على منهج السلف الصالح: 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الله عز وجل يقول ، يوم القيامة : يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ! كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب ! وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب ! كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين . قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي (صحيح مسلم)

فهذا حديث قدسي يعلمنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه التأويل، فالله تعالى عن أن يجوع أو يعطش أو يمرض، والعبد عرف فوراً أن هذه أمور غير جائزة على الله، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، فقال مندهشا كيف أطعمك؟ كيف أسقيك؟ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فعلمه ربنا تبارك وتعالى التأويل، وصرف اللفظ عن ظاهره المستحيل على الله تعالى إلى المجاز...

وإليكم أيضا هذه النقول:

تأويل ابن عباس رضى الله عنهما:
1- أوّل ابن عباس قوله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} (سورة القلم: 42)
فقال يكشف عن شِدَّة .. فأَوَّلَ الساق وفسرها بالشدة
ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر العسقلانى في فتح الباري بشرح صحيح البخاري (13/428)
والحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره (29/38) حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية
"
قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل : "يبدو عن أمر شديد".

2- أوّل النسيان الوارد في قوله تعالى {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} (سورة الأعراف: 51) بأنه التَّرْك ..
كما قال الطبري "أي ففي هذا اليوم وذلك يوم القيامة ننساهم - يقول نتركهم في العذاب"
وهو تأويل صريح من ابن جرير للنسيان بأنه الترك.. وهو صرف لمعنى هذا اللفظ عن ظاهره إلى معنى مجازى
ونقل ابن جرير هذا التأويل الصارف عن الظاهر ورواه بأسانيده عن ابن عباس ومجاهد وغيرهم .
تفسير الطبري  (8/201)

3- أوّل قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } (سورة الذاريات : 47)
قال ابن عباس بنيناها بقوة .. كما في تفسير الطبري (27/7)
كما نقل ابن جرير أيضا في تفسيره تأويل لفظة "أيد" عن جماعة من أئمة السلف منهم: مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان

تأويل الإمام أحمد بن حنبل:
1- روى الحافظ البيهقي في كتابه مناقب أحمد وهو كتاب مخطوط  نقل عنه ابن كثير في البداية والنهاية
فقال: " روى البيهقى عن الحاكم عن أبى عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأوَّل قول الله تعالى (وجاء ربك) أنه : جاء ثوابه .. ثم قال البيهقى وهذا إسناد لا غبار عليه "
انتهى كلام ابن كثير من غير انتقاد للرواية . نقله في البداية والنهاية (10/327)
2- قال الحافظ ابن كثير أيضا في البداية والنهاية (10/327)
"
ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدَث .. وعن حنبل عن أحمد أنه قال : يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن" .
وجه التأويل هنا أن ظاهر اللفظ  يفيد أن القرآن مخلوق حيث عبر عن الذكر بأنه محدث، فصرف الإمام اللفظ عن الظاهر بقرينة عقلية هي التنزيه ونفى التشبيه .. حيث أن القرآن كلام الله وكلام الله ليس بمخلوق لأن كلامه لا يشبه كلام خلقه.
 
تأويل الإمام سفيان الثوري:

ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة سيد الحفاظ في زمانه الإمام سفيان الثوري (7/274)
أن معداناً سأله عن قوله تعالى { وهو معكم أينما كنتم} فقال : علمه معكم

تأويل الإمام عبد الله بن المبارك:
قال الإمام البخاري : حدثنا محمد عن عبد الله عن محمد بن بشار عن قتادة عن صفوان بن محرز عن ابن عمر قال : بينما أنا أمشى معه إذ جاء رجل فقال يا ابن عمر .. كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في النجوى ؟ - قال سمعته يقول : يدنو من ربه حتى يضع عليه كنفه ........ثم قال البخاري قال ابن المبارك: (كنفه يعنى ستره) (باب خلق أفعال العباد ص 61)
وأيَّد كلامه الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث


أدلة المفوضة:

قال المفوضة ، بل نحن المتبعون للسلف الصالح، فانظروا إليهم كيف كانوا يفوضون، ويقولون لا نفسر ولا نتكلم في المعاني:

جاء في شرح جوهرة التوحيد للباجوري: 
- سئل الإمام الأوزاعي عن تفسير قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}
فقال: الرحمن على العرش استوى كما قال، وإني لأراك ضالاً. وقد عقب ابن الصلاح على هذا بقوله: على هذه الطريقة مضى صدر هذه الأمة وساداتها، وإياها اختار الأئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها.
- وقد سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء، فقال: استوى كما أخبر، لا كما يخطر للبشر.
- ولما سئل الشافعي قال: آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي عن الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك.
- وقال الترمذي عند حديث (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه): وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه: يؤمن به ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟ هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. (الترمذي 3/24)
- ونقل الشهرستاني أن الأئمة: مالكاً والشافعي وأحمد لم يتعرضوا للتأويل واحترزوا عن التشبيه أيما احتراز، حتى قالوا: من حرك يده عند قراءة قوله تعالى: {لما خلقت بيدي}، أو أشار بإصبعه عند رواية: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) وجب قطع إصبعه. (الملل والنحل 1/172)
- وقد قال الإمام النووي بعد أن ذكر حديث النزول.... وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان، أحدهما: تأويله على ما يليق بصفات الله تعالى، وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين. وثانيهما: الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وهذا هو مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال: لا نعلم المراد بهذا، ولكن نؤمن به مع اعتقاد أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى. (شرح صحيح مسلم 6/29)


وفي لمع الاعتقاد لابن قدامة المقدسي:
- قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: (آمنت بالله وبما جاء عن الله ، على مراد الله ، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).

- قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم:  (إن الله ينزل الى سماء الدنيا) و (إن الله يُرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث: (نؤمن بها ، ونصدق بها ، لا كيف ، ولا معنى ، ولا نرد شيئا منها ، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق ، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه ، بلا حد ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، ونقول كما قال ، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك ، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ، ولا نتعدى القرآن والحديث ، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت القرآن).

أدلة أخرى:
- قال سيدنا علي بن أبي طالب: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان" (الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 333)

- يقول الامام الترمذي في سننه ( 4 / 692 ) : " والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الاشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ، ولا يقال كيف ، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ".



- يقول الإمام الذهبي في السير(8/163):

(قَدْ صَنَّفَ أَبُو عُبَيْدٍ -يقصد القاسم بن سلام- كِتَابَ (غَرِيْبِ الحَدِيْثِ)، وَمَا تَعرَّضَ لأَخْبَارِ الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ بِتَأْوِيلٍ أَبَداً، وَلاَ فَسَّرَ مِنْهَا شَيْئاً. وَقَدْ أَخَبَرَ بِأَنَّهُ مَا لَحِقَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا، فَلَو كَانَ -وَاللهِ- تَفْسِيْرُهَا سَائِغاً، أَوْ حَتماً، لأَوْشَكَ أَنْ يَكُوْنَ اهْتِمَامُهُم بِذَلِكَ فَوْقَ اهْتِمَامِهِم بِأَحَادِيْثِ الفُرُوْعِ وَالآدَابِ، فَلَمَّا لَمْ يَتعَرَّضُوا لَهَا بِتَأْوِيلٍ، وَأَقَرُّوهَا عَلَى مَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الحَقُّ الَّذِي لاَ حَيْدَةَ عَنْهُ).



 -وروى أبو القاسم الأصبهاني بسنده عن أشهب بن عبد العزيز قال : (سمعت مالك بن أنس يقول : إياكم والبدع . فقيل : يا أبا عبد الله ، وما البدع ؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ) الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (1/104)

 - وقال سفيان بن عيينة : " كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه".

 - جاء عن ابن رجب الحنبلي في فضل علم السلف على الخلف ص 30: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها . . ولا يصح منهم خلاف ذلك البتة خصوصا الإمام أحمد ولا خوض في معانيها .


- قال الإمام أحمد في كتاب الورع ص199:
ومن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار ازدجر واعلم أن الله تعالى بصفاته ليس كالبشر، والرؤية حق لأهل الجنة من غير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو كما قال ومعناه على ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله عليه الصلاة والسلام ورد ما اشتبه عليه إلى عالمه ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم ومن رام ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإنكار موسوسا تائها شاكا زائغا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا .أ.هـ.
أدلة السلفيين:
قال السلفيون من أتباع ابن تيمية:
بل نحن متبعو السلف الصالح، وانظروا إلى أدلتكم يا مفوضة، إن السلف يثبتون المعنى ويفوضون الكيفية، فالصفة لها معنى نعرفه، ولكن كيف تكون بالنسبة لله لا نعرف ونفوض:

قالوا أدلتنا:
وقال الترمذي عند حديث (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه): وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه: يؤمن به ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. (الترمذي 3/24)
وهكذا راجعوا نفس الأدلة السابقة، فالمفوضة يركزون على قول السلف (لا نفسر، لا معنى) ليفوضوا المعنى، والسلفية يركزون على قول السلف (بلا كيف، لا يقال كيف.. إلخ..)


وهكذا
ترون أن الجدال لفظي بحت، أو هو اختلاف في فهم النصوص الظنية، التي لم يفسرها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته،  ولولا التعصب لانتهى، ولما زاد عن الخلافات الفقهية بشيء، وقد تفطن لهذا المصلحون الأعلام البريئون من التعصب في كل زمان، المذبوحة قلوبهم على ما وصلت له أمتنا من شتات وتفريق، فانظروا إلى كلام عالم جليل من علماء السلفية المعاصرة، ينقله لنا الدكتور القرضاوي في كتابه: "الإخوان المسلمون، 70 عاما في الدعوة والتربية والجهاد"

(( نقرأ للمصلح السلفي العلامة جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) في تفسيره المعروف "محاسن التأويل"  قوله:
"قال ابن كثير في قوله تعالى في سورة الفجر {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} أي وجاء الرب تبارك وتعالى، لفصل القضاء، كما يشاء، والملائكة بين يديه صفوفاً صفوفاً.
وسبقه ابن جرير إلى ذلك، وعضده بآثار عن ابن عباس وأبي هريرة والضحاك في نزوله تعالى من السماء يومئذ في ظلل من الغمام، والملائكة بين يديه، وإشراق الأرض بنور ربها.
ومذهب الخلف في ذلك معروف من جعل الكلام على حذف مضاف، للتهويل، أي جاء أمره وقضاؤه، أو استعارة تمثيلية لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه.
قال الزمخشري: مثلت حاله في ذلك، بحال الملك إذا حضر بنفسه، ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم. "انتهى.

قال العلامة القاسمي معلقا: "وكأن الخلاف بين المذهبين لفظي، إذ مبنى مذهب الخلف على أن الظاهر غير مراد.
ويعنون بالظاهر: ما للخلق مما يستحيل على الخالق فوجب تأويله. وأما  السلف فينكرون أن معنى الظاهر منها ما للخلق. بل هو ما يتبادر إلى فهم المؤمن الذي يعلم أن ذاته تعالى، كما أنها لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، لأنها لا تكيف ولا تعلم بوجه ما، فهي حقيقية بالنسبة إليه سبحانه، على ما يليق به، كالعلم والقدرة، لا تمثيل ولا تعطيل.

قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه: "واعلم أن من المتأخرين من يقول:  إن مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا لفظ مجمل. فإن قوله (ظاهرها غير مراد) يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي، أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، و (إن الله معنا) ظاهره أنه إلى جانبنا، ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد، ومن قال إن مذهب السلف أن هذا غير مراد، فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ في إطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال، ليس هو الظاهر، على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس، فيكون القائل لذلك مصيباً بهذا الاعتبار، معذوراً في هذا الإطلاق. فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية." انتهى.

وقد بسط رحمه الله الكلام على ذلك في (الرسالة المدنية) وأوضح أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.

وقال رحمه الله في بعض فتاويه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله. وبالتأويل الجاري على نهج السبيل. ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا، أنا لا نقول بالمجاز والتأويل. والله عند لسان كل قائل. ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب، إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمحرفة أهل الكتاب. والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه: أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة. وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخزري، وأبي الفضل التيمي، وابن حامد فيما أظن، وغيرهم، إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز، وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، فقابلوا الضلال والفساد، بحسم المراد، وخيار الأمور التوسط والاقتصاد. انتهى.))

نقله الشيخ القرضاوي عن محاسن التأويل للقاسمي ج17/151، 152

وهكذا ترى
أن المعنى والعقيدة المغروسة في قلبي وقلبك وقلبه وضميري وضميرك وضميره واحدة...
فالجميع متفق على التالي:

§                               إثبات النصوص عن الله تعالى أو رسوله
§                               صرف المعاني البشرية والتي لا تليق بجلال الله
§                               التأكيد على استفادة معان من هذه النصوص
§                               الاقتداء بفهم السلف الصالح، والاستدلال بأقوالهم
§                                
والخلاف حول هذه المعاني: المفوضة يقولون: لا نخوض فيها بكلامنا ونفوضها لله، المؤولة يقولون: نبحث عن معان مجازية في اللغة يقبلها سياق النص، والسلفية يقولون: نثبت معان تليق بجلال الله.

والله العظيم لا أرى الخطب يحتمل كل هذه الخلافات والشقاقات والتكفيرات والحروب التي يشنها أتباع كل مذهب على الآخر، وما يورثه ذلك بينهم من أحقاد وضغائن، تفرقهم وتذهب ريحهم وتشمت أعداء الله بهم..
وهذا ما عناه الإمام البنا رحمه الله تعالى حينما قال: فلنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه..
أليس ذلك ممكناً؟








([1])     يلاحظ أن السلفية ينفون التمثيل عن صفات الخالق تبارك وتعالى، أما بقية أهل السنة والجماعة فينفون عنها التمثيل والتشبيه ، وأنا أرى أن السلفية أخطؤوا في هذه النقطة خطأ بينا وحادوا عن منهج السلف الصالح فيها. وهذا الاختلاف بين الطائفتين تنبني عليه أمور خلافية أخرى، ولكنني سأعرض عن ذكرها رغبة في البحث عن نقاط الاتفاق، لا نقاط الاختلاف، والتركيز عليها ، فهذا هو الأولى، والله أعلم. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق