Disqus for ومضات إيمانية

الجمعة، 14 ديسمبر 2018

وصية الرسول لأهل هذا الزمان

لا يفوتك هذا الفيديو

وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل هذا العصر 
للنجاة من فتن هذا الزمان 
لقد كانت الفتن في الماضي في الشهوات 
فما هي فتن هذا العصر ؟

الأحد، 9 ديسمبر 2018

الحياة الدنيا غايات وأهداف نبيلة

الإسلام ونبى الإسلام صلى الله عليه وسلم كرّم المرأة بنتاً وأمّاً وزوجةً بما لم يكرّمها به شرعٌ آخر أو دين آخر أو حضارة أخرى من بداية الدنيا إلى نهايتها. ولذلك كان النبىّ صلى الله عليه وسلم يعقد حلقات علمٍ للنساء، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تُحَفِّزُ النساء على ذلك وتقول لهن تشجيعاً على طلب العلم فى الشؤون الخاصة: {نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاء الأنْصَارِ، لَمْ يَكُنَّ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أنْ يَسْأَلْنَ عن الدِّينِ وَأنْ يَتَفَقَّهْنَ فِيهِ}{1}
لأنهن كنّ يسألن عن كل صغيرة وكبيرة ، لأن دين الإسلام غير الأديان الأخرى، قد جمع الله فيه للمرء كل ما يحتاج إليه فى حياته منذ ميلاده إلى وفاته، ومن بداية يقظته فى أول النهار إلى نومه ... لم يترك الإسلام صغيرة ولا كبيرة للمرء يفعلها إلاّ وبين ووضّح الطريقة الأمثل التى يفعلها لينال رضاء الله، وليكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم لقاء الله ... فبين حتى كيفية النوم وكيفية الجلوس وكيفية الأكل وكيفية الشرب واللبس، وقضاء الحاجة. وبيَّن حتَّى أدَّق الأشياء التى يحتاجها المسلم! مما لا يخطر لنا على بال ولا يدركها فكر أو خيال

والمقصد أننى أبين أنَّ كلَّ أمرٍ يحتاج إليه الإنسان رجلاَ كان أو إمرأة، وكل عملٍ يحتاجه المرء فى حياته إلى ميلاده إلى مماته ذكره الإسلام وبين الطريقة المُثـلى فيه لجميع الأنام، وهذا الأمر الواضح يجب أن يكون قاعدة بينة وجلية لنا وبالذات ونحن نتناول المواضيع الشائكة الكثيرة التى يحفل بها كتابنا هذا الذى بين يديك.

ومن أوليات ومبادىء ما يجب أن نفهمه ونعيه جيداً، بل ونستوعبه أن نعلمَ أن الإسلام جعل للحياة فى هذه الدنيا غاياتٍ سامية وأهدافاً نبيلة، ذكرها الله فى كتابه، فقد ذكر سبحانه أنه خلق الجنس الإنسانى من ذكرٍ وأنثى فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 12)
شعوباً وقبائل .. هذه عائلة فلان، وهذه قبيلة فلان .. لماذا؟ من أجل التعارف، والذكر والأنثى من بقاء النسل حتى يظل الإنسان على هذه الحياة يعمّر الكون .. {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الارْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (61هود)


{1} عن صفية بنت شيبة عن عائشة سنن أبي داوود وسنن البيهقى الكبرى ورواه مسلم فى صحيحه وكثيرون بلفظ {نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ}


http://www.fawzyabuzeid.com/%D9%83%D...4%D8%A7%D9%85/


منقول من كتاب {الحب والجنس في الإسلام} لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد
اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً

الإعجاز العلمي في مص الماء

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها عن شراب النبي صلى الله عليه وسلم: {كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحُلْوَ الْبَارِدَ} {1}

فكان أحياناً يشرب العسل، وأحياناً يشرب اللبن، وأحياناً يشرب العسل مع اللبن، وأحياناً كان يشرب العسل مع الماء، وكان صلى الله عليه وسلم من دأبه كما ورد في الطب النبوي كل يوم بعد صلاة الفجر يأتي بكوب ماء ويضع فيه ملعقة عسل ويشربه، كوب من الماء ومعه ملعقة عسل نحل كبيرة على أن تكون المياه غير مثلجة، لأن المياه ستنزل للمعدة في أول اليوم فلا ينبغي أن تكون مثلجة، وتكون مياه عادية.

وكان صلى الله عليه وسلم يمصُّ الماء ويقول لأصحابه: {إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا، وَلا يَعُبُّ عَبًّا فَإِنَّ الْكِبَادَ مِنَ الْعَبِّ} {2}

فالكباد أى وجع الكبد له علاقة قوية بعبِّ المياه -أى شربه دفعة واحدة- وخاصة المثلجة، والكثير من مشاكل أهل الكبد في عصرنا قد تعود إلى أن أحدنا يعرق عرقاً غزيراً ويدخل ولا يصبر حتى يهدأ جسمه ويشرب ماءاً مثلجاً وجسمه ساخن، فيؤثر هذا الخفض المفاجىء لحرارة الجسم الباطنة على أعضاء كثيرة ومنها الكبد، هذا لأنه خالف هدى النبي المختار صلى الله عليه وسلم.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر بمصِّ الماء عند الشرب، ومصِّ الماء أى يشربه مثل المصاصة بلطف، وعلى ثلاث دفعات وكل مرة يقول عند إبتدائها: بسم الله وبعدها الحمد لله،
وكان لا يتنفس في الإناء، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاثًا، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ} {3}
وكان أحيانا إذا شرب تنفس مرتين، وربما كان يشرب بنفس واحد حتى يفرغ{4}

وكان صلى الله عليه وسلم: {إِذَا أَدْنَى الإِنَاءَ إِلَى فِيهِ سَمَّى اللَّهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ، يَفْعَلُ بِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ} {5}
وربما يقول في الثالثة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ عَذْبًا فُرَاتًا بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلُهُ مَالِحًا أُجَاجًا بِذُنُوبِنَا} {6}

{وكان صلى الله عليه وسلم يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنْ بِئْرِ السُّقْيَا} {7}
وفي رواية: {يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا} {8}

وفى زاد المعاد لابن القيم: "ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولا سيما إن كان الماء حاراً أو بارداً فإنه رديء جداً ".

و{كَانَ لَهُ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بَاللَّيْلِ} {9}

{وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مطهرة من فخار يتوضأ ويشرب منها، فكان الناس يرسلون أولادهم الصغار الذين عقلوا فيدخلون عليه صلى الله عليه وسلم فلا يدفعون فإذا وجدوا في المطهرة ماءاً شربوا منه ومسحوا على وجوههم وأجسامهم يبتغون بذلك البركة} {10}

و{كَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَهُ خَدَمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى? بِإِنَاءٍ إِلاَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ} {11}

و{كَانَ يَبْعَثُ إِلَى الْمَطَاهِرِ فَيُؤْتَى? بِالْمَاءِ فَيَشْرَبُهُ يَرْجُو بَرَكَةَ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ} {12}

{وكان احبَّ الشراب له صلى الله عليه وسلم الحلو البارد} {13}

وكان يدفع فضل سؤره {ما يبقى من شرابه} إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجلَّ رتبة قال للذي على يمينه: السُنَّة أن تُعطى فإن أحببت آثرته، روى ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخالد بن الوليد على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على يمينه وخالد على شماله، فقال صلى الله عليه وسلم: {الشَّرْبَةُ لَكَ وَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِسُؤْرِكَ عَلَيَّ أَحَدًا، ثم قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ}{14}

وكان صلى الله عليه وسلم يشرب قاعداً وكان ذلك عادته صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: {شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ} {15}

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: {شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا وَقَاعِدًا} {16}

وكان صلى الله عليه وسلم: {إِذَا أَرَادَ أَنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ سَقَاهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ} {17}
وكان صلى الله عليه وسلم يحمل ماء زمزم.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يشرب الماء إلا بعد تناول الطعام بما يعادل في زماننا ساعتين، وفى الأثر الذى يؤيده العلم الحديث:{لا تجعلوا آخر زادكم ماءاً} ، لا تجعل آخر شيء هو الماء، فالإنسان عندما ينتهي وتستعد المعدة لهضم الطعام وتفرز عصاراتها الهاضمة إن كانت منها أو من الصفراء أو البنكرياس أو غيره بحسب ما أكل الإنسان، فإذا نزل الماء بعد الأكل وقد بدأ الهضم، خفَّف الماء هذه العصارات وأصاب الإنسان بمرض سوء الهضم، وهذا يخالف هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.


{1} سنن الترمذي ومسند أحمد {2} سنن البيهقي والجامع لمعمر بن راشد {3} صحيح مسلم وسنن أبي داود {4} تنفس مرتين للحديث {كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ» (الترمذى وابن ماجه ـ) عن ابنِ عباس، وبنفس واحد للحديث {إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بَنَفَسٍ وَاحِدٍ» (الحاكم فى مستدركه) عن أَبِي قَتَادَة رضيَ اللَّهُ عنه (ز)، وبنفس واحد يحمل على عدم التنفس فى الإناء ولإباحة الشرب فىبنفس واحد أو نفسين خارج الإناء والوسعة رحمة للأمة {5} معجم الطبراني عن أبي هريرة {6} شعب الإيمان للبيهقي وحلية الأولياء لأبي نعيم {7} مسند أبي يعلي الموصلي عن عائشة رضي الله عنها {8} سنن أبي داود وصحيح ابن حبان عن عائشة رضي الله عنها {9} لأبي داود والنسائي والحاكم في مستدركه عن أُميمةَ بنت رقيقة رضَي اللَّهُ عنهَا {10} إحياء علوم الدين وطبقات الشافعية الكبرى {11} أحمد في مسنده ومسلم عن أنس {12} الطبراني في الأوسط ولأبي نعيم في الحليةعن ابنِ عُمَرَ {13} عن عائشة سنن النسائى الكبرى {14} مسند أحمد وسنن الترمذي {15} صحيح مسلم وسنن الترمذي {16} مسند أحمد والنسائي {17} حلية الأولياء لأبي نعيم

خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان صلى الله عليه وسلم يتختم، وله خاتم في أصبعه، وهذا الخاتم غير خاتم النبوه، فخاتم النبوه إنما هي شعرات كانت موجوده في ظهره في مقابل قلبه.

لكن الخاتم صُنع لِعِلَّه، فقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يكتب للملوك حوله يدعوهم الى الإسلام، إلى كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وإلى النجاشي ملك الحبشه، والي غيرهم، فقالوا يا رسول الله ان الملوك لا تقبل كتاباً غير مختوم، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يصنع له خاتم من فضة، وأن يكون له فصاً من العقيق، وهذا العقيق كانوا يأتون به من الحبشة.

وأمر صلى الله عليه وسلم أن ينقش (يُكتب أو يحفر) على هذا الخاتم محمد (سطر)، ورسول (سطر)، ثم الله لفظ الجلاله سطر فتكون (محمد رسول الله) فعن أنس رضي الله عنه: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ، وَكَانَ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} {1}

وورد أنه صلى الله عليه وسلم لبس الخاتم في يمينه وانه لبس الخاتم في يساره، فالأمر فيه سعة، فلا تضيقوا على أنفسكم واسع رحمة الله، فالتختم في اليسار ليس مكروهاً ولا خلاف الأولى، بل هو سنة لوروده في أحاديث صحيحة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: {أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ} {2}

وكان صلى الله عليه وسلم يحمل الخاتم في يده، فاذا كتب الكتاب ختمه صلى الله عليه وسلم ويقول: {الخَاتم عَلَى الكِتَاب خَيرٌ مِنَ التُهْمِة} {3}

وظل هذا الخاتم في يده حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: {اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ فِي يَدِ عُثْمَانَ، حَتَّى وَقَعَ بَعْدُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} {4}

ففي ذات يوم كان عثمان رضي الله عنه يتوضأ من بئر يسمى بئر أريس، وأريس إسم لرجل يهودي وهو الذي حفر هذه البئر، فوقع الخاتم من يده، فأمر عثمان بنزح البئر، فأخذوا ينزحونه ثلاثة أيام ولم يجدوا له أي أثر، ثم حدثت الأحداث العظام، قال الباجوري: وفي وقوعه إشارة إلى أن أمر الخلافة كان منطوياً به، فقد تواصلت الفتن وتفرقت الكلمة وحصل الهرج، ولذلك قال بعضهم: كان في خاتمه صلى الله عليه وسلم ما في خاتم سليمان من الأسرار، لأن خاتم سليمان لما فُقد ذهب ملكه، وخاتمه صلى الله عليه وسلم لما فُقد من عثمان انتقض عليه الأمر وحصلت الفتن التى أفضت إلى قتله واتصلت إلى آخر الزمان.

فكان هذا الخاتم فيه سر إلهي، أمان للأمة، وطمأنينه للحُكَّام، وسلام لجميع آل الإسلام طالما أن الحاكم أوالخليفه يحمل خاتم الحبيب صلوات الله وسلامه عليه، وعندما ضاع الخاتم جاءت الفتن التي لا تعد ولا تحد، هذا كان شأن خاتم الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وكما ذكرنا فإن هذا الخاتم كان من الفضة، لأنه صلى الله عليه وسلم حرَّم لبس الذهب على الرجال من أمته، ولا يتعلل بعض شبابنا بأن بعض المفتين قد أفتى بأن دبلة الزواج لو كانت من الذهب فلا شيء في ذلك، وهذا نقول له: الدبلة كغيرها فلا يحل الذهب بالكليه لذكور هذه الأُمَّة كما أنبأ خير البريه صلى الله عليه وسلم، حتى ولو كان عيار الذهب منخفضاً فلا نلبسه، وذلك لحكمة بالغة فقهها أهل هذا الزمان

فقد ارتبطت ميزانية الأمم بالذهب، وأصبح هو المقياس لنهضة الأمم وعلوها الإقتصادي، فأراد الله أن يوفر لهذه الأمة رصيدها من الذهب فخصَّ النساء بالذهب وحرَّمه على الرجال، وهذا كان هدي الحبيب المصطفى صلوات ربي وتسليماته عليه

وعن أنس رضي الله عنه: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ} {5}
ولعل ذلك لوجود لفظ الجلالة (الله) على الخاتم.

وجاء رَجُل إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه ةسلم وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ - وهو نوع من النحاس كانت الأصنام تُتخذ منه - فَقَالَ لَهُ: {مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَامِ، فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ - فضة - وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالا} {6}

{1} تاريخ دمشق لابن عساكر {2} سنن أبي داود والجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي {3} أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين والعراقي في المغني عن حمل الأسفار {4} الصحيحين البخاري ومسلم {5} سنن الترمذي وأبي داود {6} سنن أبي داود والترمذي عن بريدة بن الحصيب

كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم

نتحدث عن عناية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجسم البشري الذي صاغه الله وكوَّنه ، وأبرز ما نتوجه به في ذلك أن نعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وسلم كان أنظف الناس بدناً وجسماً وبيتاً وملبساً ومكاناً ، بل إنه أدار أمر الإسلام كله على النظافة التامة وقال صلى الله عليه وسلم: {تَنَظَّفُوا بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ بَنَى الإِسْلامَ عَلَى النَّظَافَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلا كُلُّ نَظِيفٍ} {1}

وكان صلى الله عليه وسلم عندما يأتيه الوفود ينظر في المرآة ، ويقول كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ قَالَ: {اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي} {2}

وكان يقول: {إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ} {3}

فكان شعاره النظافة التامة ، وأنا أقول ذلك حتى ننتبه إلى من يدَّعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمسك بهديه ونرى عليهم قذارة في أبدانهم وقذارة في ملابسهم وقذارة في بيوتهم وقذارة في حالاتهم ، لتعلم علم اليقين أن هؤلاء مُجافين بالكلية لما كان عليه حضرة النبي صلى الله عليه وسلم

أقول ذلك لأنه انتشر في البيئات الإسلامية أن الناس يتقربون إلى هؤلاء ويقولون أنهم مجاذيب وأنهم أولياء لله وأنهم مُجابوا الدعوة ، وهذا أمر يُنافي ما كان عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وما كان عليه صحبه المباركين رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين

فكان صلى الله عليه وسلم يهتم بكل أعضاء جسده ، يهتم بعينه فكان له مكحلة ، وكان هذا هو الدواء المحقق للشفاء لأمراض العين في هذا الزمان وكان يكتحل كل ليلة قبل أن ينام ولأنه صلى الله عليه وسلم هادياً مهدياً فقد علَّمنا التثليث في كل أمر ، وكان يقول: {إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ} {4}

فكان يمسك المرود ويضع في اليُمنى ثلاث ، وفي اليسرى ثلاث ، وكان هذا دأبه وكانت المكحلة لا تفارقه في سفر ولا حضر ، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: {خَمْسٌ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَعُهُنَّ فِي حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ: الْمِرْآةُ وَالْمِكْحَلَةُ وَالْمُشْطُ وَالْمِدْرَى وَالسِّوَاكُ} وفي رواية: {سَبْعٌ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتْرُكُهُنَّ فِي سَفَرٍ وَلا حَضَرٍ: الْقَارُورَةُ وَالْمِشْطُ وَالْمِرْآةُ وَالْمَكْحَلَةُ وَالسِّوَاكُ وَالْمَقَصَّانِ وَالْمِدْرَى} {5}

هذه الأشياء كان يصطحبها دوماً في كل أحواله صلوات ربي وتسليماته عليه وكان يأمر أصحابه بالكحل ويقول: {عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ} {6}

والإثمد هو أعلى أنواع الكحل في زمانه وما بعد زمانه ، وهذه إضافة أخرى إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان يستخدم أفخر الأشياء ولا يستخدم الأشياء الدون ، وقد قَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: {رَآنِي أَبُو قِلابَةَ وَقَدِ اشْتَرَيْتُ تَمْرًا رَدِيئًا ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَزَعَ مِنْ كُلِّ رَدِيءٍ بَرَكَتَهُ} {7}
أي شيء رديء ليس فيه بركة

فالطعام الرديء يُمرض الجسم والطعام الصحيح يُصحح الجسم ، البركة دائماً في الشيء الجيد ، ولذا كان يُراعي الجودة في كل شيء يستخدمه صلوات ربي وتسليماته عليه ، وهذا أيضاً أذَكِّر به إخواني لأنهم يرون من يتشدقون بأنهم يستنون بسنة الحبيب يمسكون بأردئ الأشياء ويستخدمونها ويزعمون أن هذه هي السُنَّة ، وهذا غير صحيح

مثلاً من السُنَّة استخدام السواك ، والسواك عود من شجر الأراك أومن أي شجر شبيه به ، لكن إذا دخل السواك إلى دائرة التصنيع وتم تبخيره {أى تعقيمه صناعياً} ، وتم تسويته وتم وضعه في غلاف ، أيهما أفضل هذا أم السواك الذي يُلقى على الرصيف؟ لا بد أن أستخدم الجيد ، لأن هذا سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي هذا العصر تغيرت الأحوال وتطور الطب وظهرت العلاجات الحديثة ، وليس معنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستخدم الكحل أن أستخدمه وأحرِّم ما سواه كما يفعل بعض المتشددين الجاهلين ، أنا أستخدم ما يُستحدث من دواء لأن النبي صلى الله عليه وسلم خبَّر عن ذلك فقال: {تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً} {8}

وقال في الحديث الآخر: {مَا خَلَقَ اللَّهُ دَاءً إِلا وَقَدْ خَلَقَ لَهُ دَوَاءً ، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ} {9}

فهناك أدوية عرفها أهل هذا العصر ولم تكن معروفة للسابقين ولذا علينا استخدام الأدوية الحديثة لأن المهم أن نحافظ على سلامة العينين لأنهما عضو رئيسي للإنسان أكرمه به الرحمن عز وجل ، إما بالقطرات وإما بالمراهم وإما باستخدام منظار للمشي أو منظار للقراءة ، أو واحد للمشي وآخر للقراءة كما يحدد الطبيب المعالج

وإذا جرى للعين أي أمر يعوق النظر علىَّ أن أسارع إلى الطبيب المعالج لأجلو البصر لأن هذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك


{1} التدوين للرافعي عن أبي هريرة {2} الأنوار في شمائل النبي للحسين بن مسعود {3} مسند أحمد عن عبد الله بن مسعود {4} سنن الترمذي وأبي داود عن علي بن أبي طالب {5} تاريخ بغداد للخطيب البغدادي {6} سنن ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر {7} سير أعلام النبلاء {8} سنن الترمذي ومسند أحمد عن أسامة بن شريك {9} الطبراني والحاكم عن أبي سعيد الخدري

معانقة رسول الله صلى الله عليه وسلم

كان صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم عليه رجل يرد السلام ثم يقول: لبيك - أي إجابة لك – وكان سلامه كاملاً، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولمَّا جاءه اليهود، وهم سبب كل المشاكل في الوجود، فما فيه أمريكا، وما فيه أهل الغرب الآن سببه تغلب اليهود عليهم وسيطرتهم على مؤسساتهم، فهم معدن الشر في الأرض كلها

فكانوا يأتون الرسول صلى الله عليه وسلم ويقولوا: راعناً يا محمد أي أنت أرعن، فظن المؤمنون أنهم يقولون: راعنا أي انظر إلينا، فكانوا يقولون مثلهم، فقال لهم الله في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} البقرة104
لا تكونوا مثل هؤلاء القوم أهل الدهاء وأهل المكر وأهل الكيد

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: {دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فقال: عليكم، فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْلا يَا عَائِشَةُ، عَلَيكِ بالرِفْق وإِيَاكِي والفُحْش، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أولم تسمعي ما قلت، أنا رددت عليهم فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في}{1}

وكان صلى الله عليه وسلم يُسلم على الصبيان، ويُسلم على النساء، وهناك جملة من الأحاديث في تسليمه على الصبيان، وتسليمه على النساء، منها ما رُوى عن أنس رضي الله عنه: {أنه مر على صبيان فسلَّم عليهم ثُمَّ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ}{2}

وعن أسماء بنت يزيد قالت: {مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي نِسْوَةٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا}{3}
وعنها قالت: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ – أشار – بِالتَّسْلِيمِ}{4}

وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يشير بيده لمن يبعد عنه ولا يبلغه صوته، حتى نعرف أن كل ذلك وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يترك رد السلام للعتاب، ونحن نعرف قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم التوجه إلى بلاد الشام لغزو الروم، وكان ذلك في وقت الحر الشديد، ووقت جني محصول التمر، وتخلف ثلاثة من أصحابه الصادقين، وأشهرهم كعب بن مالك الشاعر، وتخلف آخرون من المنافقين، وبعدما رجع جاءوا يعتذرون، فكذب المنافقون وتركهم صلى الله عليه وسلم ولم يعبأ بهم

أما الثلاثة الصادقين فكان يقول أحدهم: يا رسول الله لم أكن في حال أفضل مما كنت فيه في هذه الآنات، في أطيب عيش وأرغد مال وأحسن حال، فيقول صلى الله عليه وسلم: أما هؤلاء فقد صدقوا الله فأمرهم إلى الله، ثم قال لأصحابه: لا تكلموهم ولا تسلموا عليهم ولا تردوا عليهم السلام ولا تخدمهم نساءهم حتى يأتيهم أمر الله.

لماذا فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حتى يظهر فيهم الحال الذي قال فيه الله: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} التوبة118

لكنهم لو استمروا معهم على ما كانوا معهم عليه فلن يحسوا بذنبهم، ولن يندموا على ما فعلوا، وهذا السر في أن الحَبيب أمر أصحابه أن يتركوهم حتى يرجعوا إلى الصواب، لذلك أنا أهجر أخي إذا وقع في المعصية ليشعر أنه أذنب فيرجع إلى الله، ويتوب ليتوب عليه مولاه عز وجل.

والدليل على صدق هؤلاء القوم أن كعب بن مالك كان يسير يوماً في السوق فنادى عليه رجل وقال: أنا معي لك رسالة من ملك الروم، فأخذها فوجد فيها: بلغني أن نبيك قلاك، فتعال إلىَّ تجد المال الوفير، وكذا وكذا، فقال: هذا أيضاً من البلاء الذي أنا فيه، أيصل البلاء أن يطمع فيَّ ملك الروم؟ انظر إلى الصدق.

فأمر النبي أصحابه ألا يُلقوا عليهم السلام، وكان بينهم اثنين من كبار السن فاعتكفوا في بيوتهم، وكان أحدهما لا يستطيع أن يخدم نفسه فأستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخدمه زوجته، فوافق بشرط ألا يقربها، وكان أقواهم كعب بن مالك، وهو الذي كان يتعرض للناس ويلقي السلام ولا يسمع الرد، يقول: كنت آتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا؟{5} مع أن شرط رد السلام أن يسمع الرد لكن هذا تأديب وتهذيب من الحَبيب صلى الله عليه وسلم.

كذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى أمراً من شخص ولم يعجبه لم يرد عليه السلام ، فعن أبي سعيد الخدرى رضي الله عنه قال: {أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، وَكَانَ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ حَرِيرٌ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ مَحْزُونًا، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَرِهَ جُبَّتَكَ وَخَاتَمَكَ، فَأَلْقِهِمَا، فَأَلْقَاهُمَا، ثُمَّ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْتُكَ آنِفًا فَأَعْرَضْتَ عَنِّي؟ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي يَدِكَ جَمْرَةٌ مِنْ نَارٍ}{6}

وكان صلى الله عليه وسلم من شدة لطفه وأدبه إذا دخل على نائم وهناك مستيقظ يُلقي السلام على المستيقظ بحيث لا يُسمع النائم، أي بصوت خافت، وكان صلى الله عليه وسلم إذا بُلِّغ السلام عن أحد يقول فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ أَبي يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: " عَلَيْكَ وَعَلَى أَبيكَ السَّلامُ}

هذا كان هَدْى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السلام، وأنتم تعلمون أن السلام اختاره له ولنا الله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} الأحزاب44

أما غير ذلك فبعد تقديم سلام الله، لا ينبغي لأحد أن يبدأ بصباح الخير، أو مساء الخير، أو أهلا وسهلاً، أو مرحباً إلا بعد سلام الله، لأن الله قال فيمن قال ذلك من المنافقين: {وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} المجادلة8

نبدأ أولاً بالسلام ثم قل ما شئت بعد ذلك من التحيات، وهذا الأمر يكون في المواجهة أو في الهاتف أو في أي أمر من الأمور، وأحكام السلام موجودة في الكتب الشرعية لمن أراد أن يستزيد فيها.

وكان من آدابه صلى الله عليه وسلم إذا التقى بمسلم صافحه، ويقول فيها صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبُهُمَا، كَمَا تَتَحَاتُّ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ، وَإِلا غُفِرَ لَهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ}{7}

وقد ورد أن رجلاً من عنزة قال لأبي ذر رضي الله عنه حَيْثُ سُيِّرَ مِنْ الشَّامِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ أبو ذر: إِذًا أُخْبِرُكَ بِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ سِرًّا، قُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِسِرٍّ،: {هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ، أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَرْسَلَ لِي، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَالْتَزَمَنِي –اعتنقني- فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ"}{8}

أما من يأتي من سفر فكان يعانقه صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يعانقه ويُقبِّله، جاء سيدنا جعفر بن أبي طالب من بلاد الحبشة، وكان وقت مجيئه تصادف مع فتح خيبر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مسرعاً واحتضنه وقبَّله وقال صلى الله عليه وسلم: {وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ}{9}

جعل مجيء جعفر يساوي فتح خيبر، فانظر إلى وقع هذه الكلمة في القلب، حُسن الكلام هو سر هَدْي الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

وكان صلى الله عليه وسلم حتى مع ابنته السيدة فاطمة إذا أتته في منزله يقوم ويحتضنها ويُقبلها ويُجلسها بجواره، وإذا ذهب إليها يزورها تقوم إليه وتحتضنه وتُقبله وتُجلسه بجوارها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: {كَانَتْ فاطمة إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَيْهَا، فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا}{10}

الإحترام حتى مع الإبنة أو الأباء ليُعلِّمنا أن دين الإسلام هو دين الأدب التام مع الخاص والعام، هكذا كان الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.


{1} الصحيحين البخاري ومسلم {2} صحيح مسلم وسنن الترمذي {3} سنن أبي داود وابن ماجة {4} سنن الترمذي {5} الصحيحين البخاري ومسلم {6} معجم الطبراني {7} المعجم الكبير للطبراني والبيهقي عن سلمان {8} سنن أبي داود ومسند أحمد {9} الحاكم في المستدرك والمطالب العالية لابن حجر عن جابر بن عبد الله {10} الحاكم في المستدرك والبيهقي

سيروا إلى الله

قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبى – علياً رضي الله عنه – عن سيرة النبى فى جلسائه؟ فقال: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ، وَلا عَيَّابٍ وَلا مُشَاحٍ – وفى نسخة صحيحة: ولا مداح، ولا مزاح– يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي، وَلا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيهِ وَلا يُخَيَّبُ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ: الْمِرَاءِ , وَالإِكْثَارِ، وَمَا لا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلا يَعِيبُهُ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ ليستجلبونهم، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ}

سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه لأنه كان أشبه الناس بحضرة النبي ركز في حديثه مع والده عن مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف المجلس، وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل أهل المجلس الخاص؟ وكيف كان يعامل أهل المجلس العام؟ وكيف كانوا هم مؤدبين ومهذبين في هذه المجالس؟ وهذه هي البدايات الصحيحة لمن أراد طريق الله، أن يجلس في مقعد صدق: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ{54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{55} القمر

ومقعد الصدق قال فيه إمامنا أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه: "أن يصدق الإنسان في نيته وفي إرادته وفي جلسته بين يدي المرشد الدال بالله على الله" ليس مقعد صدق في السماء، ولكن في السمو ورفعة المكان، يجلس مع الذي جاء بالصدق وصدَّق به الداعي إلى الله بالله، أي يجلس معه لله، لا لعلة ولا لغرض ولا لمنفعة ولا لمصلحة عاجلة ولا لدنيا زائلة، وإنما يجلس معه لا يبغي إلا وجه الله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الكهف28
طُلاب الوجه العلي.

هؤلاء أهم ما ينبغي لهم الآداب في أنفسهم، ومع الحَبيب، ومع الأحبَاب، لا بد من جملتهم، بعض الأحبَاب يتجمل بالأدب مع المرشد، ويتخلى عن الآداب مع الأحَباب، وهذا مسكين، لكن لا بد أولاً من الأدب مع الأحباب. إذا جالست أي أحد من الأحباب فيجب أن أتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتي، فأكون دائم البشر، سهل الخُلُق، لين الجانب، أحذف من قاموس تعاملي إن كان باللسان أو بالأعضاء الفظاظة والغلظة ورفع الصوت والفُحش والعيب، وإذا مدحت أمدح المؤمن المدح الذي يُثني به على الله، ويشكر الله على فضل الله وعلى عطاء الله، كيف؟

أُذكِّره بفضل الله عليه أولاً، فأقول له: أنا أرى أن الله متفضل عليك وأعطاك كذا وكذا، وأن الله متوليك بعنايته، سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه عندما مدحوه قال لهم: "أنتم تُثنون على فضل الله الذي تفضل به علىَّ" يرى أن كل النعم التي فيه من الله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ}النحل53
إذا كان شكر أو ثناء يكون لله لأنه صاحب هذه الأفضال وصاحب هذه العطايا جل في علاه.

{كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَائِمَ الْبِشْرِ}، كان يتبسم دائماً، لا يتكلم إلا تبسم، ولا يرى أحداً إلا تبسم.

{سَهْلَ الْخُلُقِ}، لين الخلق، ليس فيه جفاء ولا غلظة، ولا حدة في الطبع، وإنما فيه سهولة وليونة ومرونة، وهذا من علامات الذوق الرفيع والأدب البديع.

{لَيِّنَ الْجَانِبِ}، يستطيع كل أحد أن يتعامل معه ويأخذ منه ما يُريد، لا بخيل ولا شديد وإنما دائماً يلين لأصحابه، ويقول لهم: {ولينُوا فِي أَيْدِي إخْوَانِكُمْ،}{1}

كان صلى الله عليه وسلم يأتيه الغلام الصغير فيأخذ بيده فلا يسأله إلى أين، فيمشي الغلام، ويمشي النبي وراءه حتى يصل إلى البيت الذي يريده، انظر إلى هذا الجمال النبوي، لا يقول له الحَبيب صلى الله عليه وسلم : إلى أين تذهب؟ أو حتى: من أنت؟ أو ابن من أنت؟

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ لُطْفًا بِالنَّاسِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْتَنِعُ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ مِنْ عَبْدٍ وَلا أَمَةٍ وَلا صَبِيٍّ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْمَاءِ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَمَا سَأَلَ سَائِلٌ قَطُّ أَذِنَهُ إِلا أَصْغَى إِلَيْهِ، وَلا يَنْصَرِفُ عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ، وَمَا تَنَاوَلَ آدَمِيٌّ يَدَهُ قَطُّ إِلا آتَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَدَعْهَا مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَدَعُهَا مِنْهُ}{2}

كأنه معنِي بقول الفرذدق في مدح الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين:

ما قال لا قط إلا في تشهُّده لولا التشهُّد كانت لاءه نعم

{لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ}، والفظاظة الخشونة والجفوة، ولا غليظ في كلامه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته.

{وَلا صَخَّابٍ}، أي لا يرفع صوته عند الحديث، بل كان صلى الله عليه وسلم هاديء الصوت حتى في خُطَبِه المنبرية، فلم يكن جهوري الصوت.

{وَلا فَحَّاشٍ}، لا يخرج من لسانه كلمة فاحشة قط، لأنه ينطق كلام الله، حفظ لسانه لكلام الله فلم ينطق به غير ما يُحبه مولاه، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، أينبغي لمن يقرأ كلام الله أن ينطق بهذا اللسان قولاً يُغضب الله؟ أو قولاً يُثير به خلق الله؟ اجعل اللسان وقفاً على الكلام الذي يُرضي الرحمن، واستحضر دائماً قول الله في مُحكم القرآن: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق18

{وَلا عَيَّابٍ}، لم يكن يعيب أحداً أياً كان، بل كان يلتمس لأصحابه الأعذار، وكان يكره أن يستمع عيباً في حق رجل أو امراة من المسلمين والمسلمات ليُدرب المؤمنين والمؤمنات على حفظ الحرمات، وأعظم الحرمات التي ينبغي أن نحفظها حرمة إخواننا المسلمين، وكما قال سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عندما التف الحواريون إلى مريم المجدولية، وأراد كل واحد منهم أن يقذفها بحجر، ويقذفها بكلام من لسانه، فقال عليه السلام: "من كان منكم بغير خطيئة فليقذفها". الذي يرتكب الأخطاء لماذا يرمي غيره بالأخطاء؟ مَن الذي ليس فيه عيب؟

الشيخ ابن الفارض رضي الله عنه كان في صحراء مكة وتاه فيها خمسة عشر عاماً، وفي ذات يوم أخذ يردد ويقول:

من ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟

قال: فسمعت هاتفاً يقول:

محمد الهادي الذي عليه جبريل قد هبط

لا يوجد غيره، لكننا كما قال الرجل الصالح الشيخ الإدريسي رضي الله عنه لأحبابه: "سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة"نحن نمشي إلى الله وكلنا عرج، وكلنا مكسورين، وكلنا ذنوب، وكلنا عيوب، ولا يوجد أحد خالٍ من هذه الأمور، فلماذا نعيب على غيرنا؟ إذاً نلتمس لهم الأعذار ما دمنا نرتكب الأوزار، ونسأل لنا ولهم الستار أن يسترنا وهم كما يستر النهار بالليل والليل بالنهار، فكان صلى الله عليه وسلم لا يعيب أحداً قط.

{وَلا مُشَاحٍ – وفى رواية - ولا مداح ولا مزاح}، أي لا يمدح أحداً بما ليس فيه، وكان ينهى عن ذلك، عندما رأى رجلاً يمدح رجلاً بما ليس فيه قال له: {أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهَرَ الرَّجُلِ}{3}
لأنك ستغره، لكن إذا أردت أن تمدحه فبالإعتدال، والمؤمن كل أحواله تدور حول الإعتدال، لا يزيد في المدح، ولا ينزلق في الذم، وإنما دائماً وأبداً إذا مدح أخيه يمدحه مدحاً يُزكيه به، وفي نفس الوقت يجعله لا يركن ويترك العمل، أو يتوقف عن السعي لتحقيق الأمل، بل يجعل هذا المدح دافعاً له للعمل للوصول إلى ما يبتغيه من كريم الأمل عند الله.


{1} عن أبى أمامة رواه أحمد بإسناد لا بأس به والطبراني، الترغيب والترهيب
{2} المطالب العالية لابن حجر وحلية الأولياء لأبي نعيم
{3} الصحيحين البخاري ومسلم عن أبي موسى

الإعجاز العلمي في قيام الليل

ذهب معظم المحققين إلى أن قيام الليل فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى له: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2}المزمل
ونافلة لأمته، لكن هناك نص آخر في سورة الإسراء يقول فيه الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}الإسراء79

هل هناك تعارض بين النصين؟ لا يوجد تعارض، لأن النوافل كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال الأمة يوم لقاء الله يوم القيامة تُستكمل بها الفرائض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عز وجل: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ}{1}

إذاً نوافلنا تعتبر فرائض لأننا سنُكمل بها الفرائض، على سبيل المثال: حدث خرق في الثوب الذي تلبسه، فجئت له برقعة منه جعلتها فيه، هذه الرقعة أصبحت جزء من الثوب، فكذلك النوافل إذا استُكملت بها الفرائض أصبحت منها.

متى تكون نافلة؟ إذا استوفيت الفرائض، ومن منا يستطيع أن يستوفي الفرائض بدون النوافل؟! لا يوجد إلا رجل واحد وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال له الله: {نَافِلَةً لَّكَ}، لأنك الوحيد الذي استكملت الفرائض، لكن غيرك يستكمل بالنوافل الفرائض: {إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي، ثُمَّ يَنْصَرِفُ مَا كُتِبَ لَهُ إِلا نِصْفُهَا، ثُلُثُهَا، رُبُعُهَا، خُمُسَهَا، سُدُسُهَا، ثُمُنُهَا، تُسْعُهَا، عُشْرِهَا}{2}
والباقي من أين يأتون به؟ من النوافل: {انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ}{3}

وعلى هذا يكون تخصيصه صلى الله عليه وسلم لكون التهجد نافلة له باعتبار أن تطوعاته صلى الله عليه وسلم هي خالصة له في رفعة درجاته وكثرة حسناته وعلو مقامه لكونه لا ذنب عليه، فالتهجد في حقه هو نافلة له خالصة بخلاف الأمة فإن لهم ذنوباً وهي تحتاج إلى كفارات، ولهم تقصيرات وهي تحتاج إلى مكملات، فتطوعاتهم الزائدة على فرائضهم يحتاجونها لتكفير ذنوبهم أو لتكميل ما انتقصوا من فرائضهم.

فصاحب مقام النفل الأكمل والفضل الأول هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه الله تعالى أعلى رتبة في النافلة ورتَّب على ذلك المقام المحمود الذي تحمده عليه الخلائق كلهم الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة العامة العظمى، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: {إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا، يَقُولُونَ: يَا فُلانُ، اشْفَعْ يَا فُلانُ، اشْفَعْ حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عله وسلم فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ}{4}

وهذا كذلك في الصيام، ولذلك يقول الإمام أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب لطالبي طريق المحبوب: "إن من الناس من يتم له صيام شهر رمضان واحد في عمره كله" لمَ؟ لأن هذا خرقه بالكذب، وهذا بالنميمة، وهذا خرقه بالغيبة، قال صلى الله عليه وسلم: {الْغِيبَةُ تَخْرِقُ الصَّوْمَ وَالاسْتِغْفَارُ يُرَقِّعُهُ}{5}

هذا امتنع عن الطعام والشراب، لكنه أكل لحم أخيه: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} الحجرات12
وقال سيدنا عمر رضي الله عنه على المنبر: " إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله صلاة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله فيها "{6}
إذاً رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل له نافلة، لكننا نحن نُكمل بها الفرائض.

كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل، وقيام الليل يمتد من بعد صلاة العشاء إلى مطلع الفجر، ولذلك نحن جميعاً نقيم الليل في رمضان بعد صلاة العشاء، وهذا حتى يختار كل مؤمن الوقت الذي يناسب قواه، ويناسب تمام يقظته وحضوره مع حضرة الله، ولا يعتقد أنه باختياره هذا الوقت هو الأفضل من سواه، فإنه لا أفضلية إلا بالتقوى، والتقوى لا يعلمها إلا الله، هو وحده المطلع على القلوب عز وجل: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}الحجرات13

فكان صلى الله عليه وسلم في غير رمضان ينام بعد العشاء مباشرة فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: {أنه كان إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ، رَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَوْتَرَ بِسَجْدَةٍ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى يُصَلِّيَ بَعْدَ صَلاتِهِ بِاللَّيْلِ}{7}

لا يتحدث مع أحد بعد صلاة العشاء إلا لضرورة، كمسألة في الدين أو أمر ضرورة يحتاجه الخلق منه. ثم ينام، وكان يُصلي صلاة الليل مع منتصف الليل، كصلاة التهجد التي نصليها في العشر الأواخر من رمضان، ومنتصف الليل ليس الساعة الثانية عشرة، ولكن الليل يبدأ من أذان المغرب حتى أذان الصبح ثم نقسم عدد الساعات على إثنين.

ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة محددة بل كان ينوع. فقد ورد أنه صلى ثمانية، وورد أنه صلى عشرة، وورد أنه صلى إثنتا عشرة، وورد أنه صلى إثنين، وورد أنه صلى أربعة ... لماذا؟ رفقاً بأمته حتى يأخذ كل إنسان ما تيسر له وما يستطيعه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن16
والمهم القبول.

فكان صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من الليل يتوضأ ثم ينظر إلى السماء ويقرأ أواخر سورة آل عمران: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} آل عمران190
إلى آخر هذه الآيات قبل بداية الصلاة.

ثم يدعو دعاء الاستفتاح، وهناك أدعية كثيرة واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: {اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَوْ لا إِلَهَ غَيْرُكَ}{8}
أدعية كثيرة، المهم أن تأخذ واحداً منها.

وبعد الدعاء كان صلى الله عليه وسلم يستفتح بركعتين خفيفتين، وانظر إلى الحَبيب صلى الله عليه وسلم في الرياضة الإلهية يعلمنا قواعد الرياضة البدنية، فيبدأ بركعتين خفيفتين، ولا يبدأ بالشدة أولاً، وهذا كان هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدوام، فهو الحكيم الأعظم لله عز وجل.

واستحسن كثير من الصالحين: أن يقرأ الإنسان في الركعة الأولى بآية الكرسي بعد الفاتحة، وفي الركعة الثانية بآخر آيتين من سورة البقرة لقوله صلى الله عليه وسلم: {الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ}{9}
قيل: كفتاه عن قيام هذه الليلة؛ فكأنه قامها. وقيل: كفتاه كل شر وكل هم وكل أمر يخشاه في هذه الليلة. المهم أنها تكفيه، ولذلك كانوا يستحسنون ذلك.


{1} سنن الترمذي والنسائي عن أبي هريرة {2} مسند أبي يعلي الموصلي والنسائي عن عمار بن ياسر {3} سنن الترمذي والنسائي عن أبي هريرة {4} صحيح البخاري {5} البيهقى فى الشعب عن أبى هريرة، وتمامه { فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَجِيءَ بِصَوْمٍ مُرَقَّعٍ فَلْيَفْعَلْ } {6} الإحياء وتعريف الأحياء بفضائل الإحياء وربيع الأبرار ونصوص الأخبار {7} مسند أحمد والطبراني عن عبد الله بن الزبير {8} الصحيحين البخاري ومسلم عن ابن عباس {9} الصحيحين البخاري ومسلم عن أبي مسعود الأنصاري

الأولياء والصالحون أطباء تجميل القلوب


لا بد أن يكون الواحد فينا صورة طيبة لحَبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم،كيف؟
جمِّل خُلُقك، ليس بتجميل الجسم، ولكن جمِّل قلبك، طهره ونظفه لله، واجعله مشغولاً بالكلية بحضرة الله، واترك الجيفة التي فيه، فكل مشاكل الأحباب من الجيفة التي وضعوها في القلب، والتفكير في طلبات الجيفة، وكل همك في الجيفة في الدنيا الدنية، مع أنك لو كنت مع الله فإنه سيكفيك كل شيء، قال الإمام علي رضي الله عنه:

أترضى بصـراف ولو كان كافراً ضميناً ولا ترضى بربك ضامناً

تطمئن أنك تأخذ كل شهر من الصراف كذا ولو كان يهودياً أو غيره، ولا تطمئن إلى وعد الله والرجل المندوب عن حضرة الله يقول: "كن أوثق بما في يد الله منه بما في يد نفسك" ربما ما في يدك يتركك ويذهب لغيرك" لكن ما عند الله مضمون ومأمون، لكن الشك موجود في القلوب

والجيفة التي وضعناها طمست كل الحواس الروحانية الموجودة في القلوب، فتجعل الإنسان لا يرى بنور الإيمان، ولا يستمع لكلام الرحمن، ولا ينتصح بكلام النبي العدنان، لكن كل همه مع أهل النيران الذين يمشي معهم.

إذا أراد الإنسان أن يتخلق بالأخلاق النبوية القرآنية الربانية: فعليه أولاً : بطهارة القلب بالكلية من الدنيا الدنية. أصحاب رسول الله كان من دعائهم: "اللهم اجعلها في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا" ونحن كأننا نقول: اللهم اجعلها في أيدينا وفي قلوبنا

لا بد من خروج الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: {قَالَ اللَّهُ عز وجل: وَعِزَّتِي لا أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنِ وَلا خَوْفَيْنِ، إِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي، وَإِنْ هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي}{1}
{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} الأحزاب4

رجل من الأكابر المشهورين الكبار هو الشيخ عبد القادر الجيلاني، يقول: "زيد لي – وُلد لي – إثنى عشر ولداً، ما زيد لي أحدهم إلا وكبرت عليه أربع تكبيرات" أي لا تشغلني به عنك يا رب، ولكن اشغلني بك، لأن الإنسان الذي يختاره الرحمن ليكون من عباد الرحمن لا يشتغل قلبه بغير مولاه طرفة عين ولا أقل.

سيدنا إبراهيم الخليل: عندما رزقه الله بالولد بعد ثمانين عاماً، وقبل أن ينشغل به أمره أن يبعده عنه، ويتركه في مكان ليس فيه ماء ولا طعام ولا بشر. وبعد أن بلغ وأصبح شاب عظيم وقبل أن ينشغل به أمره أن يذبحه، لماذا؟ لأن الله يغار أن تشتغل قلوب الأحرار بغير الواحد القهار.

نقوم لأولادنا بالواجبات، لكن القلب محل الهبات والعطاءات والتجليات والقرب والنفحات؛ خاص بخالق الأرض والسماوات وهو الله:

لا تُعلق بالقلب غير إله قد تجلى في العالمين علاه

إياك أن تُعلق في القلب غير الله طرفة عين ولا أقل: متى تكون ذكرت الله؟ ذكر فيه رفعة {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة152
إذا لم يكن في القلب سوى الله في هذه اللحظة، وإذا نسيت غيره:

اذكر الله إن نسيت سواه قل بقلب في الذكر يا الله

لكن إذا ذكرت الله وأنت مشغول بالوظيفة وبالمال وبالولد وبالمنصب وبغيره: فقد أشركت مع الله، قال عز وجل: {أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ}{2}


{1} مسند الشاميين للطبراني، وحلية الأولياء لأبي نعيم عن شداد بن أوس
{2} صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي هريرة 

صفاء المشاهدة من صفاء القلوب

الآن في العالم الذي نعرفه - حتى الآن - نرى قدرات مذهلة لله عزَّ وجلَّ، ولأنها فوق طاقات البشر، فلابد أن تكون هناك قوى عظمى لله عزَّ وجلَّ أوجدت هذه الطاقات، فعندما يأتي الإنسان الآن ويرى بالأجهزة الحديثة الكلام الذي قاله القرآن - وكان قد نزل على رجل أميّ، لم يكن عنده أجهزة ولا بحوث علمية ولا قوانين كونية - فإن ذلك يعطي مؤشراً أن هذا الكلام من الله، وأن هذا الرجل جاء به من عند الله، وأن هذا الدين هو الدين الحق.

هذه الأشياء التي يجب أن نلتفت إليها، ونبينها لإخواننا المسلمين، لأن الملحدين يشككون في هذه الأشياء، فمثلاً قصة الإسراء والمعراج: كل المستشرقين في الفترة السابقة كانوا يشككون فيها، ولما جاء عصرنا أصبح العصر نفسه شاهداً على إسراء ومعراج الرسول صلى الله عليه وسلَّم، لأن العصر نفسه اكتشف أن هناك سرعة إسمها سرعة الضوء، وهي ثلاثمائة ألف كيلومتراً في الثانية، وعندما حسبها العلماء وجدوها السرعة المذكورة في كتاب الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} 47 الحج

فالحقائق العلمية تشرح وتوضح الآيات القرآنية، وعصرنا الآن هو عصر العلم، قال صلى الله عليه وسلَّم لأصحابه:{إِنَّكمْ قَدْ أَصبَحْتُمْ في زمانٍ، كثيرٍ فقهاؤُهُ، قليلٍ خُطَباؤُهُ، كثيرٍ مُعْطُوهُ، قليلٍ سُؤَّالُهُ، العَملُ فيهِ خيرٌ مِنَ العِلْمِ، وسيأتي زمانٌ - وهو الذي نحن فيه الآن - قليلٌ فقهاؤُهُ، كثيرٌ خطباؤُهُ، وكثيرٌ سُؤَّالُهُ، قليلٌ مُعطوهُ، العلمُ فيهِ خَيرٌ مِنَ العَملِ}{1}

العلم فيه خير من العمل، لأنني عندما أرد مسلماً عن شكوكه التي في عقله نحو مسألة من مسائل الدين أو العقيدة، هل هذا أفضل للمسلمين أم صلاة النافلة التي قد أشعر فيها بنفسي فامتلأ غروراً وتكبراً؟، عندما أردُّ هذا المسلم إلى الحق، وأبيِّن له الطريق المستقيم؛ فهذا عمل أفضل، لأن نفعه تعدَّاني إلى غيري، وهذا العمل داخل في قول الله عزَّ وجلَّ:{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} 8آل عمران

فمن الذي يردُّ الناس من الزيغ ؟، العلماء العاملون والصالحون الذين كل همُّهم تثبيت اليقين في قلوب المؤمنين، وزيادة الإيمان في قلوب الموحدين، ونمو الإحسان في قلوب المحسنين، وصفاء القلوب لصفاء المشاهدة في أرواح المؤمنين. فالجهاد الأعظم في هذا العصر هو جهاد العلم، ولكن هناك ضابطان:

الضابط الأول: ألا أحضر شيئاً علمياً ثم أضعه على كتاب الله أو سنة رسوله، أي أحضر نظرية لعالم افترضها، ولم تثبت علمياً بعد، وألوى الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية لتأكيدها، وإنما القوانين العلمية التي أصبحت ثابتة ويقينية هي التي لا تتعارض إطلاقاً مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا ما يجعل كل يوم علماء - لا حصر لهم ولا عدَّ لهم - من دول الشرق والغرب يدخلون في دين الله.

لأنه بعد أن يصل إلى العلم اليقيني يذكر له شخص مسلم آية قرآنية واحدة يكون هو قد وصل إلى نتائجها بعد التجارب العلمية والأبحاث والاكتشافات والمجاهدات، وقد ذكرها الله في القرآن في آية بسيطة، أو في كلمة واحدة، وهذه الكلمة لا يستطيع أن يغيِّرها أو يبدلها أو يجئ بكلمة أخرى تحل محلها، من أين هذا الكلام؟.

يعرف عندئذ أن هذا الكلام من عند الله عزَّ وجلَّ، وأنه تنزيل من الحميد المجيد، وأن هذا هو الصدق الذي جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلَّم، وهكذا فالقوانين العلمية اليقينية هي التي قد نؤيد بها حقائقنا الدينية. فلا يجوز الآن في عصرنا أن نركزَّ في حديثنا لشخص تارك للصلاة على عذاب القبر الذي يتعرض له فقط، ونعتقد أن هذا وحده هو الذي يجعله يلتزم بالصلاة، لكن لابد أن أوضح له: ماذا تفيد الصلاة بالنسبة للمخ والجوارح؟، وكيف تفيده نفسه؟، لأنه يريد أن يعرف هذه الأشياء التي تفيده؟، والقرآن بيان لهذه الأشياء في هذا الزمان.

وهذا لا يعني أننا نلغي كلام السابقين، ولكن لكل زمان دولة ورجال، وهذا هو النهج الصحيح للعلماء الذين سبقونا، والذين كانوا على نهج الرسول صلى الله عليه وسلَّم. فالإمام الشافعي في بغداد عمل مذهباً فقهياً، ولما جاء إلى مصر وجد أن أهل مصر لهم أحوال وأعراف تختلف عن أهل بغداد، فترك مذهبه السابق وهو فقه مقنن ومقيد، وعمل مذهباً جديداً يتلاءم ويتواكب مع أهل مصر.

وغنى عن التعريف ما حدث له مع ابنة سيدي أحمد بن حنبل، عندما تركوا له الماء ووجدوا في الصباح الماء كما هو، وسألها أبوها: ما رأيك في الشافعي؟، فقالت له: فيه ثلاث خصال ليست في الصالحين؛ لم يقم الليل، وصلى الفجر بدون وضوء، وملأ بطنه من الطعام، قال لها والدها : إذا عُرف السبب بطل العجب، وعلينا أن نسأل الإمام الشافعي في ذلك، فقال لهم عندما سألوه:

في هذه الليلة أكرمني الله عزَّ وجلَّ وحللت مائة مسألة كلها- تهم المسلمين، فهل حل المائة مسألة أفضل؟ أم صلاة ألف ركعة؟، قال: والفجر صليته بدون وضوء، لأني منذ صليت العشاء وأنا متوضأ، ولم أنم. فقيامه: أن يجلس بين يدي المتفضل يطلب العلم والفضل من الله ويستمطر كنوز المعرفة من الله هذا قيامه.

وهذا كان نظام الأئمة الأعلام رضِيَ الله عنه وأرضاهم ولكل زمان دولته ورجاله. فالثوب واحد ، ولكن حُلّة هذه السنة وموديلها غير السنة السابقة أو اللاحقة ، وإن كان هو نفس القماش، ولكن على العالم أن يفصِّل القماش على قدر الزمان، ولا يصح لعالم من أهل اليقين أن يقف على المنبر ويفصِّل للناس جلباباً كان موجوداً في القرن الثاني أو الثالث


{1} عن حِزام بن حيكمٍ بن حِزام عن أَبيهِ فى مجمع الزوائد ، وفى ومسند الشاميين عن عبد الله بن سعد ، كما رواه جلال الدين الشيوطى فى جامع المسانيد و المراسيل عن عبد الله بن سعيد الأنصارى.

سوء الخلق يفسد الأعمال

ورد في الأثر أنَّ هارون الرشيد لما بنى قصره المنيع في حاضرة ملكه، وقد زخرف مجالسه وبالغ فيها وفي بنائها، صنع وليمة عظيمة لا مثيل لها، ودعى وجهاء مملكته ومنهم الشاعر أبو العتاهيّة بعد توبته، فقال له: يا أبا العتاهية صف لنا ما نحن فيه من نعيم الدنيا، فأنشأ يقول:

عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
تسعى عليك بما اشتهيت لدى الرواح إلى البكور
فاذا النفوس تقعقعت عن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور


فبكى هارون، فقال وزيره للشاعر معاتباً: طلبك الخليفة لتسرّه، فأحزنته، فنهاه هارون: أن دعه، فإنه رآنا في عمىً فكره أن يزيدنا منه.

دعونا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق الذى علَّمه مولاه ما ينفع أمته إلى يوم لقاه، ..يانبي الله: أو ليس إذا كثر المال تنصلح الأحوال؟ وتنتهي مشاكل الحياة هكذا نظنُّ، فيرد علينا الخبير صلى الله عليه وسلم: {يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِيبُ مَعَهُ اثنَتَان: الحِرْصُ وَطُولُ الأَمَلِ}{1}

أى لا، لأنه كلما يشيب ابن آدم يزيد حرصه على الدنيا، ويشيب معه أى يزيد أمله فيها وينسى الحميد المجيد عز وجل. وكلما يحصِّل يريد المزيد ولايشبع، ويزيدنا صلى الله عليه وسلم بياناً ويقول ضارباً المثل ومجلِّياً الأمر: {لَو كَانَ لابن آدَمَ وَادٍ من ذَهَبٍ- وليس جنيهات - لابتَغَى إلَيه ثَانياً، وَلَو كَانَ لَهُ ثَانٍ، لابتَغَى إليه ثالثاً، ولا يَملأُ جَوفَ ابن آدَمَ إلا التُّرابُ}{2}

أى ببساطة وبلغة الساعة لو جاءتنا مساعدات بكلُّ ما في خزانات الدول العربية والأجنبية من أموال وثروات فصار لكل واحد في بلدنا واد كامل مملوءاً ذهباً فلن يكتفى وسيطلب وادياً ثانياً لن يشبع الناس، لأنه مادام وصف الأفراد "ابن آدم" كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث فلن يشبع من المال ومن الحرص عليه والحرص على عمره وعلى الدنيا وما فيها من متاع، أما لو صار صفة الأفراد صفة "المؤمن" فشأنه شأنٌ آخر

والسؤال الثاني لمن يدعون أن كثرة الأموال تصلح الأحوال: هل رأيتم المجتمعات التي كثرت أموالها وأصاب أهلها تخمة المال قد انصلحت أحوالها؟ وعاش أهلوها في سعادة حقة لا ينغصها عليهم شيىء؟ أم أنهم أيضاً أصابتهم أمراض أخرى، ربما أشدُّ فتكاً وضراوة؟ أظنكم جميعاً تعرفون الإجابة شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، المال وحده مفسدة

ولذلك لو رسمنا سبل إصلاح الحال على معالجة نقص المال، وتوفير الرفاهية في كل مجال؟ فستجدون أنَّ كلَّ هذه الأمور شأنها مثل طبيب أتاه مريضٌ عنده دمِّلٍ في جسمه امتلأ بالقيح والصديد، فوصف له علاجاً مسكِّناً خارجياً بمرهم، فهل هذا العلاج الظاهري سينهي الداء؟ لا،

ربما يرتاح المريض وقتاً قصيراً لكن لا يلبث أن يعاوده الداء وأشدَّ مما كان فالمسكِّنات ليست حلاً لذلك فالطبيب الناجح هو من يقتلع أصل ومكمن الداء مِنْ جسدِ مَنْ به هذا الداء، لا الذى يعالج العرض الناتج عن الداء، فكثرة المال فحسب ليست إلا علاجاً ظاهرياً ومسكنا خارجياً لأعراض مرض المجتمع فإذاً ليست السعادة ولا صلاح الحال بكثرة المال

والآن فلنأتِ إلى الصوت الثاني العالي والذي يرغي ويزبد ويصيح ليفرض على الناس الإصلاح بقوة وعلم الغرب وحضارته الحديثة وإلا وصموا معارضيهم بالتخلف والرجعية والحياة في القرون الوسطى وربما جيَّشوا لهم الجيوش الباطنة حيناً والمتلوِّنة حيناً والحقيقية حيناً آخر، ولنلج معاً هذا الرواق من كتاب الحل، هل إنهاء مشاكل البشرية وإسعاد الإنسانية هو الثقافة العلمية الحديثة؟ وقوة الحياة الغربية المتحررة

هل صدقوا في زعمهم ذلك؟ هل السعادة في العلم والحياة الغربية وما أنتجته عقولهم من قوانين وضعية ومفاهيم آنيَّة أسموها الحلم الغربى؟ ذلك النموذج الذي يحاولون فرضه اليوم على العالم كله بالترغيب أو بالترهيب، بدعوى أنهم يمنحون الخلق إكسير السعادة ومفتاح جنة الدنيا؟ بل ويضحون بأبنائهم فيرسلون الجيوش والأساطيل لتدَّك حصون الطغاة، ويحرروا الخلق من الإستبداد والفساد والدين والرجعية أيضاً

فيبيدوا الفقر وينشروا الديمقراطية والإصلاح .ولا بأس لو قتل من هؤلاء الهمج بضع عشرات أو مئات الألوف أو دمرت مدن بأكملها فهذا ثمن زهيد للحرية والحياة الجديدة، وهذا الزعم أن قوة الثقافة والحياة الغربية هو الحلُّ سيأخذ منا ردَّاً أطول لتشعب الحجج وكثرة الخداع واللجج

وأنا أجيب على هؤلاء وأقول أولاً لو أن البشرية اتبعت الثقافة العلمية الحديثة بعد تقنينها بالأخلاق الدينية، ربما تؤدي إلى السعادة، لكنها إذا أطلقت بدون قيود دينية – وهذا بيت القصيد فيما يريدون فرضه– كانت كما ترى في أماكن كثيرة سبباً رئيسياً لتدمير المجتمعات الإنسانية ولو بعد حين 


{1} متفق عليه عن أنس بلفظ: ("يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَالأَمَلُ ).
{2} زاد المعاد في هدي خير العباد، روى فى الصحيحين


http://www.fawzyabuzeid.com

منقول من كتاب {إصلاح الأفراد والمجتمعات} للشيخ فوزي محمد أبوزيد
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً

تنمية المراقبة الإلهية

من أهداف الصيام العظمى هو ترقية المراقبة الإلهية ووصولها إلى الحالة المثالية ولذلك قال فيه الله للحفظة الكرام: {كُلُّ حَسَنَةٍ يَعَمِلُها ابنُ آدمَ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِ مِئةِ ضِعْفٍ، يَقُولُ اللَّهُ: إلا الصَّومَ، فَهُو لي وأنا أَجْزِي بِه، يَدَعُ الطَّعَامَ مِنْ أجلي، والشَّرَابَ مِنْ أجلي، وشَهْوَتَهُ مِنْ أجلي، وأنا أَجْزِي بهِ}{1}

يراقب الله ولا يمشي إلا لله وبذلك تكون له مكانة عظيمة عند مولاه عز وجل، فإذا رأى الإنسان نفسه يخشى من الله في أن يقع في عصيانه ولو كان بمفرده وحيداً ليس عليه شاهدٌ من الخلق، فإنه يستبشر ويعلم أن الله قد قبل عمله ورفع شأنه وجعله من عباده المقربين الذين يقول فيهم: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}النحل128

وقال صلى الله عليه وسلم: {اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ}{2}
وعندها يُعِز سبحانه من أطاعه فيجعله في مقام أعلى من الملائكة الكرام، لأن الذين أطاعوا الله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فصلت30

من علامة قبول العمل في شهر رمضان والتي يشعر بها كل مسلم أخلص لله قلباً وقالباً، أنه يشعر بحلاوة الطاعة ويتذوق حلاوة الإيمان فيدخل في حديث النبى صلى الله عليه وسلم: {ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِالله رَبّاً، وَبِالإِسْلامَ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً}{3}
يتذوق طعم حلاوة الإيمان، وينعم بحلاوة تلاوة كتاب الله، ويأنس بمناجاة مولاه جلّ في علاه. والذي يشعر بهذه الحلاوة لا يتركها بعد شهر رمضان إلى أن يأتي رمضان القادم، لأن الذى سيشعر بهذه الحلاوة لا بد أن يستزيد، يزيده الحميد المجيد من هذه الطاعة، ويحمله في قلبه من أنوار هذه البضاعة.

ولذلك سنّ لنا الحَبيب صلى الله عليه وسلم ألا نهجر الصيام بعد شهر الصيام، بل نواصل الصيام وقال لنا في ذلك مشجعاً ومرشداً: {مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتَ مِنْ شَوَّالَ فَكَأنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ}{4}
والدهر أى السنة، فمن صام رمضان وأكمل ستَّاًً في شوال كتب عند الله صائماً طوال العام وإن كان مفطراً يأكلٍ ويشربٍ .. عناية من الله وتحبيب للمؤمن على المداومة على طاعة الله، لأن النبى صلى الله عليه وسلم علم بتعليم الله له ما يحبُّه من خلقه فقد سئل: {أَىُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ}{5}

أى الذى تديم عليه ولو كان قليلاً، يعنى من يقرأ القرآن في رمضان في كل يوم مرة ويتركه في غير رمضان خيرٌ منه الذى يقرأ عشر آيات في رمضان وفى غير رمضان عند الرحمن عز وجل، لأن الله يحب المداومة على العمل الصالح، وكان على هذا النهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت السيدة عائشة رضى الله عنها واصفةً عمله لله: {كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً}{6}
أى يداوم عليه، فإذا جعل لنفسه وقتاً لذكر الله دام على هذا الوقت كل يوم، وإذا جعل لنفسه ركعات يتهجّد بها لله دام على هذا التهجد في كل ليلة، ولذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتهجد في رمضان ويترك التهجد في غير رمضان، بل كان طوال العام إذا جاء الثلث الأخير من الليل يقوم مناجياً مولاه يصلى له في جنح الظلام لأن الله قال له: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{1} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{2} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً{3} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً{4} المزمل

فالعمل الصالح الذي وفقك الله له في رمضان يجب عليك أن تحافظ عليه وعلى جزئه بعد رمضان، فإن كنت لاتستطيع أن تصلي ماكنت تصليه في رمضان فلا تحرم نفسك ولو من صلاة ركعتين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {رَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُكَفرَانِ الْخَطَايَا}{7}
ولو ركعتين فلا تحرم نفسك منهما، وإياك أن تكون قد مللت من كتاب الله وأغلقته في آخر يوم من رمضان ولم تفتحه، وستتركه للعام القادم، هذا يكون هجران للقرآن، والقرآن يشكو هاجريه، والمدّعى العام هو الذى يقدم الشكوى إلى خالقه وباريه ويقول كما قال الله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} الفرقان30
لايكون إلا في رمضان، ثم بعد رمضان ليس عندهم وقت إلا للمقت وغضب الرحمن عز وجل.

كان أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذى لا يستفتحون صباحاً بقراءة ما تيّسر من ذكر الله، يظل الرجل منهم مهموماً وحزيناً طوال اليوم لأنه لم يستفتح يومه ويبتدأه بكتاب ربه، فاجعل لنفسك ما تيسر من تلاوته، والله لم يكلفنا شططاً بل قال: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} المزمل20
وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قامَ بِمَائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتينَ، وَمَنْ قامَ بِأَلْفِ آيةٍ كُتِبَ مِن المُقَنْطِرِينَ}{8}
أى أن حسابهم بالقناطير من الثواب والأجر الكبير عند العلى الكبير عز وجل.

فالذى ذاق حلاوة الطاعة وذاق طعم هذه البضاعة الإيمانية لا يستطيع أن يتسلى عنها، أو أن يتخلى عنها مهما شغلته المسائل الكونية الدنيوية، لأنه يريد أن يستنكه دوماً طعم حلاوة الإيمان الذي جعله الله للمديم للطاعة لحضرة الرحمن عز وجل.


{1} صحيح ابن حبان عن أبي هريرة {2} سنن الترمذي عن أبي هريرة {3} عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رواه مسلم {4} رواه الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري {5} عَنْ عَائِشَةَ رواه البخاري ومسلم {6} عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ صحيح البخاري ومسلم {7} الديلمي في مسند الفردوس عن جابرٍ رضيَ، جامع المسانيد والمراسيل {8} سنن أبي داوود عن عمرو بن العاص.

محور من محاور التربية الإيمانية

إن الله الذي يأمرك بالتوبة ليغفر لك ويوفقك، ألا يجب عليك شكره؟ ونحن نحتار فيمن قدَّم لنا خدمة، كيف نشكره؟ هل نهديه؟ ونتشاور ما الهدية؟ ما المناسبة والخدمة التى أدَّاها لي؟ فمن منا يستطيع أن يحسب الخدمات التي قدمها لنا ربنا عز وجل؟ إن كانت في الدين أو في الدنيا أو في الآخرة؟ من يستطع أن يحسب هذه النعم؟ {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} إبراهيم34

انتبهوا للآية، لم يقل {وإن تعدوا نعم الله} إنها نعمة واحدة فقط .. انظر إلى نعمة البصر، أو نعمة السمع، أو نعمة الكلام، أو نعمة الإيمان، أو نعمة الهداية .. نعمٌ لا تُعد ولا تحصى، فإن لم يكن المرء شاكراً على هذه النعم، فعلى الأقلّ يكون شاكراً لمولاه، ومن يشكر مولاه ماذا يفعل معه؟ {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم7

فالشكر باب المزيد، ولذلك جعلناه محوراً هاماً في التربية الإيمانية وأسرار الإصلاحات القلبية التي عليها المعول لحل المشاكل الحياتية، فكلما شكر يزيده من هذه النعم مادام هو شاكراً لله على نعمه، فكيف نشكر على هذه النعم الإلهية؟ وانتبهوا لهذه الإجابة التالية، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لنا في حديثه المبارك: {الإسلامُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ – أى توحِّده- ولا تُشْرِكَ بهِ}{1}

واعتنوا بفهم المعنى لأنه يغيب عن الكثيرين، الإسلام أن تسلم لله ولا ترى سواه فاعلاً ولا غيره متصرفاً فتوحده ولا تشرك معه أحداً، عندها تستحق منه كل العون والعطف والزيادة التي تريد، والخير الذى تصبو إليه لتكون سعيد. ونوضح أكثر فنقول: أى ترى الأفعال في نفسك وفي مالك وفي أهلك وفي ولدك وفي حقلك وفي أى شيء في الدنيا لك ولغيرك هي من الله، وإياك أن تظن في لحظة أن هناك أحدٌ من العباد يقدر أن يضرّك بدون إذنه، أو يقدر أن ينفعك بدون إرادته، ولذا قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الجامع المانع: {وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ}{2}

قد يمرض الرجل، وأولاده به بررة، وأهله يحبوه ويريدون أن يذهبوا به لأى مكان ويدفعوا له أى مبلغ من المال، والمهم أنه يُشفى .. وهو عز وجل قدّر له أنه سيرجع إلى الله، ماذا يفعلون؟ الأطباء الذين يذهبون إليهم لا يستطيعون أن يفعلوا له شيئاً .. لماذا ؟ لأن ما يصير هنا هو أمر الله جلّ في عُلاه .

فلا بد للإنسان أن يعلم علم اليقين أن الفعال هو الله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} النحل53
فإياك أن تتباهى بنفسك وتقول: أنا رجل شاطر، أنا رجل ماهر، أنا عقلي لايوجد مثله عقل، إذاً فمن الذى صنعه وخلقه ووجهه؟ كذلك نظري ليس له مثيل .. من الذى صنعه؟ وكيف لو أن نقطة وقعت عليه ماذا يفعل أطباء الدنيا كلها؟ ماذا يفعلون؟ لايستطيعون فعل شيء، يقول: أنا أسمع دبيب النملة، من الذي خلق فيك السمع، وأصلح السمع، ويوالى السمع؟ ولو تخلى عنه لحظةً تصير أصمّاً. يقول : ليس هناك قوّةً مثل قوّتي، من الذى أعطاها لك؟ لو كان من الأكل لكان الأكل يعطي قوةً للذي يأكل، لكن القوة من الله والأكل هو سبب إذا جعل فيه الله سرّ القوّة التى تُقوّى العبد، فإذا أخذ منه سرّ القوّة ولو كان هذا الأكل كله فيتامينات فلن يؤثر في الإنسان ولا يستطيع أن يتحرّك ولو حركة واحدة لأن المُحرّك للكل هو الله: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} يونس22

فالمفروض أن الفضل تنسبه إلى الله، فماذا أنسب لنفسي؟ أنسب لنفسي الذنب، والمعصية، والغفلة، والجهل: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} النساء79
نعود كما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف؟ الرجل يقول: يا فلان زرعك هذا العام كان ماشاء الله أحسن زرع في البلد، فيقول له: طبعاً، أنا وضعت السماد وعملت بهمة عالية وينسى فضل الله وتوفيقه وهنا الخطأ، فالواجب أن تقول: هذا بتوفيق الله ومعونته، قد وفقني الله لعمل كذا وكذا، فيذكر أولاً توفيق الله ومعونة الله، لأنك قد تعمل كلَّ ذلك، ولا يصحُّ أو تهاجمه الآفات.

مثالٌ آخر .. يقول الرجل : أنت يا شيخ فلان كان صوتك في العزاء مثل الكروان، من الذي أعطاه هذا الصوت وجمّل هذا الصوت؟ ويُشرف على هذه الحنجرة ليخرج الصوت جميلاً؟ هو الله، فلو وضع في الحنجرة مرضاً خفيفاً ينتهي الصوت، فماذا يقول؟ يقول : هذا من فضل الله ومن كرم الله ومن نعم الله.

وآخر يقول : يا فلان إبنك ما شاء الله حصل على 99 %، إذا كان غافلاً سيقول: لقد أعطيته دروس فى جميع المواد وصرفت عليه كذا، وينسى فضل الله، أما إذا كان ذاكراً شاكراً من الصالحين أو الصادقين فسيقول: هذا من فضل الله، صحيح أنا عملت له كذا وكذا، لكن لولا فضل الله لما تمّ المراد، لأن المراد لايتم إلا بفضل الله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} النور21

فينسب الإنسان كل شيء لربه عز وجل، هل نستطيع أن نفعل ذلك؟ هذا أول درس أعطاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكرام وقال: {اللهم لولا الله ما اهتدَينا، ولا تَصدَّقْنا ولا صلَّينا، فأنزِلن سكينةَ علينا، وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينا}{3}

فالسبب في الهداية الهادي عز وجل، فلو ذهب الهادي وجاء المضلّ .. أنا وأنت ماذا نفعل؟ لو أن المضلّ جاء لأحد الأولاد ماذا تفعل؟ {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص56
لن تقدر أن تفعل شيئاً لا أنت ولا أنا ولا أحدٌ أبداً، من منا يستطيع أن يُهيمن على القلوب أو يدخل عليها؟ من الذي يحرك القلوب؟ إنه علام الغيوب عز وجل: {إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه كيف يشاء، ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ مصرِّف القلوب، اصرف قلوبنا إلى طاعتك}{4}

فالإنسان لكى يُوَّحد الله توحيداً حقيقياً لا بد أن يعمل بقوله عز وجل: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} النساء79
فينسب الفضل كله لله، فأنا خطبت الجمعة اليوم، وهل أنا حضّرت لها من أسبوع؟ لا والله، فأنا ليس معي شيئاً ولا أملك شيئاً، لكن الموضوع هو أن الواحد منا يقف أمام الله ويقول: أنا الفقير وأنت الغني، أنا الجهول وأنت العليم، أنا الضعيف وأنت القوي، يا غني أغنِ الفقير، يا عليم علِّم الجهول، ياقوي قوِّ الضعيف

وعندها ففى الحال يلهمك بالكلمات، وهو يمدُّك بقوة الصوت والنغمات والحركات، وهو الذى يتولَّى حفظ الإنسان من الهفوات، الإنسان كثير الهفوات وخاصة زلات اللسان، مَن الذي يحفظك منها غير حضرة الرحمن عز وجل. ولذلك سيدنا موسى نفسه قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} القصص24
فقال له: {يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك}{5}

يعني عندما تحتاج الملح أو العلف وهو في الدكان فارجع لي لكى أجعل صاحب الدكان يفتح حانوته وتجده غير مشغول بغيرك وعنده ما تريد فيعطيه لك، لكن لو لم ترجع إلىّ فتطوف على حوانيت البلد كلها والبلاد التى من حولك، وتجدهم كلهم مغلقين، أو ليس عندهم طلبك، أو تفقد المال، فماذا تفعل؟ ارجع إلىَّ في كلِّ شيء

فسيدنا موسى أخذ هذا الدرس، وعندما آلمته أسنانه قال: يا رب ماذا أفعل؟ فقال له: إذهب إلى أرض كذا فيها نبات صفته كذا وخذ منه وضعه على أضراسك فتشفى بإذني، فذهب إلى الأرض وأتى بالنبات ووضعه على أسنانه فشُفي، وبعد فترة آلمته أضراسه مرةً ثانية، فقال في نفسه: أنا عرفت الطريقة، ولم يرجع إلى الله، والله يريدك أن ترجع دائما إليه في كل صغيرة وكبيرة، تريد أن تأكل فلا بد وأن تقول بسم الله، فلو لم تقل بسم الله ممكن أن يجعل لقمة واحدة تقف في حلقك، فماذا تفعل؟ لا الماء ينزلها ولا الطبيب يستطيع أن يفعل لها شيئاً

لو وقفت الأجهزة التى فيك فهل أنت الذى تشغلها؟ هل أنت الذى سيشّغل المعدة للهضم؟ هل أنت من يشغّل اللسان لكى يتذوّق الطعام؟ هل أنت الذي تحرّك اليد لتمسك وترفع اللقمة؟ غير قوة الرحمن فهو عز وجل قائمٌ بكل شيء، ولكن عندما تُسمّى الله. فعندما أتى سيدنا موسى بالنبات ووضعه على أضراسه، زاد الألم فتذكر وقال: يارب لِمَ زاد الألم؟ فقال له: يا موسى في الأولى رجعت إلينا فجعلنا الشفاء في النبات، وفى الثانية لم ترجع إلينا فنزعنا الشفاء من النبات.

إذا مرضت تقول أنا أعرف الطبيب فلان، وأعرف مكان الصيدلية، والعلاج معروف، الطبيب والعلاج هذا سبب، وأى سبب في الوجود لا يتحرّك إلا بأمرٍ من مسبب الأسباب عز وجل، فإذا قال : إشفِ، يشفى، وإذا قال : توقف، يقف الشفاء، فلا بد قبل الرجوع إلى السبب أرجع لله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} الشعراء80
قبل الطبيب وقبل الدواء

يقول الرجل : أنت يا فلان كيف شفيت؟ يقول له: ذهبت للطبيب فلان وكتب لي الدواء فأنا شفيت بسببه ببركة الطبيب، هذا نسي مسبب الأسبابعز وجل .. لا، بل أنا أقول : بفضل الله .. وبمنّ الله علىَّ وبمعونة الله لى .. ذهبت إلى الطبيب فلان وكتب كذا وتمّ الشفاء، أرجع أولاً لله وقبل أن أتناول الدواء أقول: بسم الله الشافي المعافي لأن الشافي المعافي لو وضع سرّه في الدواء يتمّ الشفاء، لكن لو أخذ الله من الدواء سرَّ الشفاء فمن أين يأتي الشفاء؟

فالإنسان يرجع لله في كل الأحوال، فسيدنا موسى بعد ذلك يرجع لله في كل شيء، أخذ الدرس واستوعبه من أول النظر إلى وجه الله حتى رغيف العيش، ذهب لمدين وصنع جميلاً للبنات وسقى لهم وجلس ويريد أن يأكل، فلم يدر على البيوت ويقول: أريد طعاماً، ولكن ماذا قال؟ قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} القصص24

أنا أريد أن آكل يارب، فربنا على الفور قذف في قلب شعيب وقال لإحدى بناته: اذهبي إلى هذا الرجل ليأتينا لكى نعطيه أجره على العمل العظيم الذى عمله لكم: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} القصص25
مَن الذي وجَّه القلب؟ الرب عز وجل
وفوق ذلك الطعام طلب سيدنا موسى من الله متعة خاصة إلهية فقال: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} الأعراف143
وهنا مشهد عالٍ، انظر: من أول النظر إلى وجه الله إلى رغيف العيش، كله من أين؟ من الله، وأين نحن من هذا؟


{1} صحيح البخاري عن أبى هريرة من حديث طويل عن الإسلام والإيمان والإحسان {2} سنن الترمذي عن ابن عباس {3} صحيح البخاري عنِ البراءِ رضي الله عنه {4} مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما {5} تفسير الرازي والألوسى 

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

عبد الله بن الزبير سيرة بطل

عبد الله بن الزبير- أي رجل وأي شهيد
كان جنينا مباركا في بطن أمه، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة الى المدينة على طريق الهجرة العظيم.
هكذا قدّر لعبدالله بن الزبير أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج الى الدنيا بعد، ولم تشقق عنه الأرحام..!!
وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها وأرضاها، تبلغ قباء عند مشارف المدينة، حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهلجرون من أصحاب رسول الله..!!
وحمل أول مولود في الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بالمدينة مقبّله وحنّكه، وكان أول شيء دخل جوف عبدالله بن الزبير ريق النبي الكريم.
واحتشد المسلمون في المدينة، وحملوا الوليد في مهده، ثم طوّفوا به في شوارع المدينة كلها مهللين مكبّرين.
ذلك أن اليهود حين نزل الرسول وأصحابه المدينة كبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدؤا حرب الأعصاب ضد المسلمين، فأشاعوا أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلطوا عليهم العقم، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا..
فلما أهلّ عبدالله بن الزبير عليهم من عالم الغيب، كان وثيقة دمغ بها القدر افك يهود المدينة وأبطل كيدهم وما يفترون..!!
ان عبدالله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكنه تلقى من ذلك العهد، ومن الرسول نفسه بحكم اتصاله الوثيق به، كل خامات رجولته ومبادئ حياته التي سنراها فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس..
لقد راح الطفل ينمو نموّا سريعا، وكان خارقا في حيويته، وفطنته وصلابته..
وارتدى مرحلة الشباب، فكان شبابه طهرا، وعفة ونسكا، وبطولة تفوق الخيال..
ومضى مع أيامه وقدره، لا تتغيّر خلائقه ولا تنبوبه رغائبه.. انما هو رجل يعرف طريقه، ويقطعه بعزيمة جبارة، وايمان وثيق وعجيب..
وفي فتح افريقية والأندلس، والقسطنطينية. كان وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الخالدين..
وفي معركة افريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا..
ودار القتال، وغشي المسلمين خطر عظيم..
وألقى عبد الله بن الزبير نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوتهم. وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش، يصيح في جنوده ويحرضهم بطريقة تدفعهم الى الموت دفعا عجيبا..
وأدرك عبدالله أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد..

ولكن أين السبيل اليه، ودون بلوغه جيش لجب، يقاتل كالاعصار..؟؟
بيد أن جسارة ابن الزبير واقدامه لم يكونا موضع تساؤول قط..!!
هنالك نادى بعض اخوانه، وقال لهم:
" احموا ظهري، واهجموا معي"...
وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامدا نحو القائد، حتى اذا بلغه، هو عليه في كرّة واحدة فهوى، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطون بملكهم وقائدهم فصرعوهم.. ثم صاحوا الله أكبر..
ورأى المسلمون رايتهم ترتفع، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره ويحرّض جيشه، فأدركوا أنه النصر، فشدّوا شدّة رجل واحدة، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين..
وعلم قائد الجيش المسلم عبدالله بن أبي سرح بالدور العظيم الذي قام به ابن الزبير فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بشرة النصر الى المدينة والى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه..
**
على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها واعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.
فهذا الذي يمكن أن يبتعث فيه الزهو، وثني الأعطاف، أكثر من سبب، يذهلنا بمكانه الدائم والعالي بين الناسكين العابدين..
فلا حسبه، ولا شبابه، ولا مكانته ورفعته، ولا أمواله ولا قوته..
لا شيء من ذلك كله، استطاع أن يحول بين عبدالله بن الزبير وبين أن يكون العابد الذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعا يبهر الألباب.
قال عمر بن عبدالعزيز يوما لابن أبي مليكة:صف لنا عبدالله بن الزبير..فقال:
" والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه..
ولقد كات يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء اليها..
وكان يركع أو يسجد، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله،
لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده الا جدارا، أو ثوبا مطروحا..
ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحسّ بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه"..!!
ان الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادة ابن الزبير لشيء يشبه الأساطير..
فهو في صيامه، وفي صلاته، وفي حجه، وفي علوّ همّته، وشرف نفسه..
في سهره طوال العمر قانتا وعبدا..
وفي ظمأ الهواجر طوال عمره صائما مجاهدا..
وفي ايمانه الوثيق بالله، وفي خشيته الداشمة له..
هو في كل هذا نسيج وحده..!
سئل عنه ابن عباس فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف:
" كان قارئا لكتاب الله، متبعا سنة رسوله.. قانتا لله، صائما في الهواجر من مخافة الله.. ابن حواريّ رسول الله.. وأمه أسماء بنت الصديق.. وخالته عائشة زوجة رسول الله.. فلا يجهل حقه الا من أعماه الله"..!!
**
وهو في قوة خلقه وثبات سجاياه، يزري بثبات الجبال..
واضح شريف قوي، على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمنا لصراحته واستقامة نهجه..
أثناء نزاعه مع الأمويين زاره الحصين بن نمير قائد الجيش الذي أرسله يزيد لاخماد ثورة بن الزبير..
زاره اثر وصول الأنباء الى مكة بموت يزيد..
وعرض عليه أن يذهب معه الى الشام، ويستخدم الحصين نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..
فرفض عبدالله هذه الفرصة الذهبية،لأنه كان مقتنعا بضرورة القصاص من جيش الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله من خلال غزوهم الفاجر للمدينة، خدمة لأطماع الأمويين..
قد نختلف مع عبدالله في موقفه هذا، وقد نتمنى لو أنه آثر السلام والصفح، واستجاب للفرصة النادرة التي عرضها عليه الحصين قائد يزيد..
ولكنّ وقفة الرجل أي رجل، الى جانب اقتناعه واعتقاده.. ونبذه الخداع والكذب، أمر يستحق الاعجاب والاحترام..
وعندما هاجمه الحجاج بجيشه، وفرض عليه ومن معه حصارا رهيبا، كان من بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش، كانوا من أمهر الرماة والمقاتلين..
ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان رضي الله عنه، حديثا لا ورع فيه ولا انصاف، فعنّفهم وقال لهم:" والله ما أحبّ أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان"..!!
ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون، حاجة الغريق الى أمل..!!
ان وضوحه مع نفسه، وصدقه مع عقيدته ومبادئه، جعلاه لا يبالي بأن يخسر مائتين من أكفأ الرماة، لم يعد دينهم موضع ثقته واطمئنانه، مع أنه في معركة مصير طاحنة، وكان من المحتمل كثيرا أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرماة الأكفاء الى جانبه..!!
**
ولقد كان صموده في وجه معاوية وابنه يزيد بطولة خارقة حقا..
فقد كا يرى أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين، ان كان يصلح على الاطلاق.. هو محق في رأيه، فـ يزيد هذا كان فاسدا في كل شيء.. لم تكن له فضيلة واحدة تشفع لجرائمه وآثامه التي رواها النا التاريخ..
فكيف يبايعه ابن الزبير؟؟
لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حي..
وها هو ذا يقولها ليزيد بعد أن صار خليفة، وأرسل الى ابن الزبير يتوعده بشرّ مصير..
هناك قال ابن لزبر:
" لا أبايع السكّير أبدا".
ثم أنشد:
ولا الين لغير الحق أساله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
**
وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين، متخذا من مكة المكرّمةعاصمة خلافته، باسطا حكمه على الحجاز، واليمن والبصرة الكوفة وخراسان والشام كلها ما عدا دمشق بعد أن بايعه أهل الأمصار جميعا..
ولكن الأمويين لا يقرّ قرارهم، ولا يهدأ بالهم، فيشنون عليه حروبا موصولة، يبوءون في أكثرها بالهزيمة والخذلان..
حتى جاء عهد عبدالملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبدالله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم ايغالا في القسوة والاجرام..
ذلكم هو الحجاج الثقفي الذي قال عنه الامام العادل عمر بن عبدالعزيز:
" لو جاءت كل أمة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجاج وحده، لرجحناهم جميعا"..!!
**
ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزومكة عاصمة ابن الزبير، وحاصرها وأهلها قرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام، كي يحملهم على ترك عبدالله بن الزبير وحيدا، بلا جيش ولا أعوان.
وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون، ووجد عبدالله نفسه، وحيدا أو يكاد، وعلى الرغم من أن فرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مهيأة له، فقد قرر أن يحمل مسؤوليته الى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة أسطورية، وهو يومئذ في السبعين من عمره..!!
ولن نبصر صورة أمينةلذلك الموقف الفذ الا اذا اصغينا للحوار الذي دار بين عبدالله وأمه. العظيمة المجيدة أسماء بنت أبي بكر في تلك الساعات الأخيرة من حياته.
لقد ذهب اليها، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه، وللمصير الذي بدأ واضحا أنه ينتظره..
قالت له أسماء:
" يا بنيّ: أنت أعلم بنفسك، ان كنت تعلم أنك على حق، وتدعو الى حق، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة..
وان كنت تعلم أنك أردت الدنيا، فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك.
قل عبد الله:
" والله يا أمّاهىما أردت الدنيا، ولا ركنت اليها.
وما جرت في حكم الله أبدا، ولا ظلمت ولا غدرت"..
قالت أمه أسماء:
" اني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا ان سبقتني الى الله أو سبقتك.
اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر، وبرّه بأبيه وبي..
اللهم اني اسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبدالله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين.!"
وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته.
وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ، تلقى الشهيد العظيم ضربة الموت، في وقت استأثر الحجاج فيه بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم، فأبى الا أن يصلب الجثمان الهامد، تشفيا وخسّة..!!
**
وقامت أمه، وعمره يومئذ سبع وتسعون سنة، قامت لترى ولدها المصلوب.
وكالطود الشامخ وقفت تجاهه لا تريم.. واقترب الحجاج منها في هوان وذلة قائلا لها:
يا أماه، ان أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا، فهل لك من حاجة..؟
فصاحت به قائلة:
" لست لك بأم..
انما أنا أم هذا المصلوب على الثنيّة..
وما بي اليكم حاجة..
ولكني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يخرج من ثقيف كذاب ومبير"..
فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير، فلا أراه الا أنت"!!
واقدم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنه معزيا، وداعيا اياها الى الصبر، قأجابته قائلة:
" وماذا يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا الى بغيّ من بغايا بني اسرائيل"..!!
يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق..!!
أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبدالله بن الزبير عن رأسه قبل أن يصلبوه..؟؟
أجل.. ان يكن رأس ابن الزبير قد قدّم هديّة للحجاج وعبدالملك.. فان رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية لـ سالومي.. بغيّ حقيرة من بني اسرائيل!!
ما أروع التشبيه، وما أصدق الكلمات.
وبعد، فهل كان يمكن لعبدالله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى البعيد من التفوّق، والبطولة والصلاح، وقد رضع لبان أم من هذا الطراز..؟؟
سلام على عبدالله..
وسلام على أسماء..
سلام عليهما في الشهداء الخالدين..
وسلام عليهما في الأبرار المتقين.