الخميس، 18 ديسمبر، 2014

الحلول النبوية لمشاكل الإنسانية



إذا تدبرنا مَليِّاً نجد كل ما يدُور في عصرنا من مشكلات في بلادنا أو في مجتمعنا أو في بيوتنا أو في نفوسنا أو في العالم أجمع كان منتشراً وبصورة أشرّ وأضرّ قبل ظهوره صلوات الله وسلامه عليه فقد كان القوي يأكل الضعيف ويفتخر بذلك ، وكانت المرأة قطعة أثاث مهملة في المنزل ويرثها الابن الأكبر بعدوفاة أبيه ، بل كان الرجلُ هو الذي يسعى بزوجته إلى الزنا فيختار رجلاً يُعْجبه شكله ولونه ، ويقول له: يا فلان سأرسل لك زوجتي لتُضاجعها فنحصل على سُلالة ممتازة منك ويتباهى بذلك


كان الظُلمُ دَيْدنهم والغشّ طبعهم والسفاهة خُلقهم ، وفساد الأخلاق دَأْبهم ، هذا الظلم كان كثيراً ومنتشراً في كل بقاع الأرض حتى كان الرجل يدفن ابنته وهي حيّة خوفاً من السُّبَّة والعار

كيف قضى على كل هذه الأمراض رسول الله صلى الله وسلامه عليه؟ وكيف طهرَّ البشرية كلَّها منها؟ فلم يطهر منها أهل مكة وأهل المدينة وأهل الجزيرة العربية فقط ، بل طهر منها مجتمعات كان لها الصَّوْلة والصّوْلجان في العالم وقتئذ ، مجتمع الفرس والروم وما أدراك ما الفرس والروم؟ كان القرار العالمي يصدر عنهم أو بمعرفتهم في ذلك الوقت

ولكن حكمة المُصطفى والأشْفية التي أنزلها الله عليه عالجت كل هذه الأمور وقضت على كل هذه المشكلات ، فقد جعلت الإنسان يمشي وحيداً من حضر موت أو صنعاء إلى بلاد الشام ، لا يجد من يعترضه في طريقه فيسرقه أو يسلبه أو يُروْعه بل المرأة كانت تمشي بمفردها كما قال صلى الله عليه وسلم: {يا عدي بن حاتم سيبلغ بك الأمر أن ترى الظغينة (المرأة) تمشي من صنعاء إلى بلاد الشام لا تخاف إلا الله}{1}

فلا تخاف من رجل يغتصبها أو يعاكسها أو يخادعها مع أنها تمشي في صحراء جرداء ليس فيها قانون ولا شرطة ولا مخابرات

ولكن شريعة الله التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفلت الحماية لجميع عباد الله مسلمين وغير مسلمين ، حتى كان التاجر وهو واقف في متجره إذا سمع الآذان ترك ماله وتجارته على حالته ، وكل ما هنالك أن يضع ستارة تشير إلى أنه غير موجود ويذهب ليؤدي الصلاة ثم يرجع ليجد كل شئ في مكانه ، مع أنه لم تكن هناك خزن حديدية يحفظ ماله ونفائسه فيها ولم تكن ظهرت أجزة الإنذار ، لكن الجميع أنذره المنذر الأكبر صلى الله عليه وسلم من غضب الله ومقت الله وحساب الله فراقبوا الله في السر والعلانية ، وأصبحوا غير محتاجين لرقيب عليهم بعد مراقبة الله ولسان حالهم يقول:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســـاعة ولا أن ما تخفى عليـه يغيب


كان الرجل منهم لا يذهب إلى أخيه ليطالبه بحقه بل إن أخاه كان هو الذي يذهب إليه بنفسه ليعطيه ماله ويستسمحه في التأخير ، وقد روى أن رجلاً منهم ذهب إلى أخ له في الله يطلب منه قرضاً ويرده له عند الميسرة ، فبكى الرجل بكاءاً شديداً ، فسأله الطالب: ما الذي يبكيك؟ إذا كان المطلوب غير متوافر معك الآن فلا يهم ، فقال الرجل: ليس لهذا السبب أبكي ولكن الذي أبكاني أني انتظرت حتى أتيت لتطلب مني ولم أشعر بحاجتك ، وهذا معناه أن إيماني به خلل لأني لم أشعر بأخي المؤمن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الّذي يَبيتُ شَبْعاناً وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ}{2}


فكل المشكلات الإنسانية أوجد لها المُصطفى صلى الله عليه وسلم الأدوية القرآنية ، والتي ليس لها مثيل في دنيا الناس


{1} أخرجه مسند الحميدي عن عدي بن حاتم بلفظ: {كيف بك إذا أقبلت الظغينة من أقصى اليمن إلى قصور الحيرة لا تخاف إلا الله}
{2} رواه البيهقى عن ابن عباس والمستدرك للحاكم عن عائشة رضي الله عنها
آخر مواضيعي في منتديات احباب

شهادة رسول الله علينا وعلى الأمم السابقة





                                          
إذا تدبرنا كلمة واحدة من الآية التى يصف الله لنا فيها مهام النبى نحونا كأنها بلغة عصرنا خطاب التكليف لنبينا ، فإذا اختار رئيس الدولة رئيساً للوزراء يعطيه خطاب تكليف فيه مهام هذه الوزارة ، والله اختار نبيه لدعوة الخلق إلى الله وكلفه بذلك ، ما مهام هذه الدعوة؟ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً{46} وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً{47} الأحزاب

كم فضيلة وكم تكليف؟ خمسة ، لابد لكل مؤمن أن يتعرف ولو بتعريف بسيط على هذه التكاليف النبوية حتى يتعرف على نبيه ، لأن الله أمرنا أن نتعرف عليه من جهة نبوته ، ليس الشأن أن تعرفه من جهة جسده ومن جهة شكله ومن جهة لونه مع أن ذلك ثابت ، لا، لكن الشأن لنا أجمعين أن نعرفه من الجهة التى أرسله الله إلينا بها وهى جهة النبوة:

وسنتناول هنا تكليفاً واحداٌ من هذه التكليفات باختصار وهو مهمة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} يشهد على الأمم السابقة ويشهد علينا جماعة المؤمنين ، كيف يشهد علينا؟ هل هناك شاهدٌ يشهد على شئ لم تره عينه؟ لو كان كذلك فإنه سيكون شاهد زور ، لكنه قال لنا فى حديثه الصحيح:{حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْت مِنْ خَيْرٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ}{1}

مَن المحامى العام لجميع الأنام يوم الزحام؟ المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، وهل يليق بمحامى أن يترافع فى قضية لم يطلع على أوراقها ويعرف ما بها؟ فلكى يترافع عنا ويدافع عنا لابد أن يطلع على ملفاتنا ولذلك قال: {تُعرض علىَّ أعمالكم} إذا كان ربُّ البرية يقول فى بعض المؤمنين فى حديثه القدسى الذى يحدث به المصطفى صلى الله عليه وسلم:

{مَنْ عَادَى? لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ}{2}

فإذا كان ذلك فى بعض المؤمنين فما بالكم بإمام الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، إن الله يتفضل عليه فيعطيه نوراً من نوره ويكشف له أسراره ولذلك قال الله لنا أجمعين: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة105

أرسله الله لنا بالإيمان وأركان الإيمان يقول فيها الرحمن: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} البقرة3

نحن نؤمن بالله وهو غيبٌ لا تراه العيون ولكن تشعر بعظمته القلوب ، ونؤمن بالجنة ولم نرها ونؤمن بالنار ولم نطلع عليها ، ونؤمن بالملائكة ولم نسمع حديثهم مع أنهم يرافقوننا ويبيتون معنا ويتحركون معنا ، ما الذى جعلنا نؤمن بهذا الغيب؟

أن الله أرسل لنا نبياً صادقاً أطلعه على هذا الغيب ثم حدثنا عن هذا الغيب حديث من رأى ومن سمع فآمنا به وصدقنا بالنور الذى أُنزل معه ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم عندما يتحدث عن الجنة أو النار يقول: {والذي نفسي بيده لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنة والنارُ آنفاً في عرضِ هذا الحائط وأنا أُصلي ، فلم أرَ كاليوم في الخير والشرّ}{3}

أى أنه يصف الجنة وصف من يراها ، ولذلك قال يوماً: {ما دَخَلْتُ الجَنَّةَ إلا سَمِعْتُ خَشْخَشَةً ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: بِلالٌ ، ثُمَّ مَرَرْتُ بقصرٍ مشيدٍ بديعٍ ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذا؟ قالوا: لِرَجُلٍ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ ، فَقُلْتُ: أنا محمَّدٌ ، لِمَنْ هذا القَصْرُ؟ قالوا: لِرَجُلٍ منَ العربِ ، فقلتُ: أنا عربي ، لِمَنْ هذا القصرُ؟ قالوا: لِعُمَرَ بنِ الخطابِ ، فقالَ لبلال: بمَ سبَقْتَنِي إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: ما أَحْدَثْتُ إلا توضَّأْتُ ، وما توضَّأْتُ إلا صَلَّيْتُ ، وقالَ لعمرَ بن الخطابِ: لولا غَيْرَتُكَ لَدَخَلْتُ القَصْرَ ، فقالَ: يا رسولَ الله لَمْ أَكنْ لأغَار عَلَيْكَ}{4}

وعن البراء رضي الله عنه قال:{أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللّهِ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونُهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ}{5}


{1} الإمام البزار والطبرانى رضى الله عنهما {2} صحيح البخارى عن أبى هريرة رضي الله عنه {3} صحيح البخارى عن أنس رضي الله عنه {4} صحيح ابن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه {5} الصحيحين البخارى ومسلم


الأربعاء، 17 ديسمبر، 2014

الرزق والأجل




اعلموا علم اليقين أننا عما قليل من الدنيا راحلون وإلى الآخرة مسافرون ويوم القيامة بين يدي الحق واقفون وعليه معرضون ، وفي هذا الوقت المعلوم عند انتهاء الأجل المحتوم يُغْلق ملفِّ الأعمال ، فلا يستطيع أي امرئ أن يزيد فيه حسنه ولا أن يُنْقص منه سيِّئه {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}الأعراف34

واعلموا أن كل امرئ منَّا لا ينال إلا ما قدَّره له الله ، فعندما يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر قمرية يأمر الله مَلكاً ينزل فيكتب بأمر ربه عمره ورزقه وعمله وشقي أو سعيد وعلى هذا فأمر الرزق قد فُرغ منه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا سرق سارق الا حُسِبَ من رزقه}{1}
وورد فى الأثر : {ولو صبر لأخذه من حلال} 

وقِسْ على ذلك: ما أخذ الغاشَّ إلا من رزقه أو نقص من رزقه وما أخذ المُخادع إلا من رزقه ، وهكذا وإليكم المثال على ذلك:

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزيارة أحد إخوانه المسلمين لمرضه وعندما وصل إلى الشارع الذي يسكن فيه وجد سائلاً يسألُ الناس ، فطلب منه أن يُمْسك بزمام بَغْلته حتى ينتهي من عيادة المريض ونَوَى في نفسه أن يُعْطيَه ديناراً نظير هذا العمل ، ولكن السائل عندما اختلى بالبغلة سوَّلت له نفسه فأخذ السِّرْج الذي كان عليها وأسرع به إلى السوق وباعه

فلما خرج عمر وجد البغلة وقد جردت من سرجها ولم يجد السائل ، فأسرع إلى السوق فوجد السرج مع أحد الباعة فقال له: اشتريته الآن؟ قال: نعم ، قال: بكم اشتريته؟ قال: بدينار ، فقال عمر رضي الله عنه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {ولا سرق سارق الا حُسِبَ من رزقه}

فالرزق مقسوم وقد قدره الرَزَّاق عز وجل ، فإذا تعفَّفت عنه في الحرام ساقه الله إليك في الحلال ، وكذلك إذا تعرَّضت لك فاتنة فتعفَّفت عنها فإن الله يعوِّضك بخير منها في الحلال ، وهذا ما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام عندما تعرَّضت له زُليخة وتعفف عنها خوفاً من الله

ردَّ الله لها شبابها بعد أن تجعَّد وجهها وتقوَّس ظهرها وأبيضَّ شعرها عندما تولَّى يوسف المُلْك وجاءه جبريل وأخبره أن الله يأمره أن يتزوج بها بعد أن ردَّ لها شبابها ، لأنه ما زهد عبد في شهوة في الحرام إلا أعطاه الله مثلها في الحلال.

ليت شبابنا يستوعب هذا الدرس وينتبه لهذه الوصية ويجعلها نبراساً له في حياته وهادياً له في سلوكياته ، فإنه لا يتورع شاب عن شئ في الحرام: امرأة أو مال أو شقَّة أو عمارة أو أي شئ من فتن الدنيا ، رغبة فيما عند الله وخوفاً من الله إلا وأعطاه الله مثله أو خيرا منه في الحلال ، ففى الحديث الشريف: {مَا تَرَكَ عَبْدٌ لله أَمْرَاً لاَ يَتْرُكُهُ إِلاَّ لله إِلاَّ عَوَّضَهُ الله مِنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِينهِ وَدُنْيَاهُ}{2} 


يا أمة الإسلام عليكم بهدي المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، واقرأوا هذه الآية وكرروها لتروا ما فيها من جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}الأحزاب21


{1} مسند الحارث والمطالب العالية لابن حجر العسقلانى عن كعب رضي الله عنه
{2} أَخرجه ابنُ عساكر من حديث ابن عمر مرفوعاً

الاثنين، 15 ديسمبر، 2014

ما أكرمنا الله به ببركة رسول الله



إن الله أكرمنا ببركة النبى وأعطانا فوق ما أعطى النبيين والمرسلين السابقين ، وانظروا معى إلى آيات كتاب الله وهى تحكى لنا ذلك ، نبى الله إبراهيم - وكان يُسمى أبو الأنبياء – كان يدعوا الله دوماً فيقول: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ{87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89} الشعراء

والخزى أى الفضيحة ، والفضيحة يوم القيامة - حفظنا الله جميعاً من ذلك – تكون لمن يحاسب علانية أى يحاسبه الله أمام جميع الخلق فيُخزى ويفتضح ويظهر شأنه أمام الجميع ، كان سيدنا إبراهيم يطلب من الله ألا يحدث له ذلك ، ابو الأنبياء يطلب ذلك أما نحن أُمة النبى صلى الله عليه وسلم فمنَّ الله علينا ببركة النبى ورفع عنا ذلك وبشرنا وقال لنا: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم8

حفظنا الله من عذاب الخزى ، إذاً كيف يكون حسابنا؟ من خصائص الله لنا وتفضيله لنا عن سائر الأمم ما قال فيه صلى الله عليه وسلم: {نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}{1}

أى نحن الآخرون فى البعث فى الدنيا ونحن الأولون فى الحساب غداً يوم القيامة ، وقال أيضاً: {نحن آخر الأمم وأول من يحاسب ، يقال أين الأُمة المحمدية؟ فنحن الأولون الآخرون} وفى رواية: {المقضى لهم قبل الخلائق}{2}

فنحن أظهر الله لنا فى القرآن مساوئ وعيوب الأمم السابقة ولكن الله لن يأتى بأحد بعدنا حتى لا يعرف أحد مساوئنا وعيوبنا إلا الله ، والله كريم يكرمنا ببركة النبى صلى الله عليه وسلم فيجعلنا أول الأمم فى الحساب ، كيف يكون الحساب؟ يكون الحساب لهذه الأمة دون سائر الأمم كما قال صلى الله عليه وسلم :

{يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عز وجل حَتَّى? يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى? صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى? بِهِمْ عَلَى? رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى? اللّهِ}{3}

لن يفتضح فى هذا اليوم من هذه الأُمة المرحومة إلا من جاهر بالكبائر واستمر يفعلها حتى الموت ولم يتب إلى الله منها ، مع أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار حتى تطلع الشمس من مغربها ، وقد اختار الله ذلك لهذه الأمة من قبل القبل

فقد روى فى الأثر أن الله لما خلق الأمم وهى أرواح قبل الأجسام والأشباح ، وخلق القلم ليكتب أقدار الأمم ، وأملاه الله: اكتب يا قلم ، أمة آدم من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار ، فكتب القلم ، فقال الله : أكتب ياقلم أمة نوح من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار ، واستمر حتى قال أُمة محمد ، فهمَّ القلم أن يكتب ما كتبه لكل الأمم ، فناداه ربُّ العزة عز وجل: اسكت يا قلم ، فانشقَّ القلم من هيبة الله ، ثم قال له الله متفضلاً على هذه الأُمة وعلينا أجمعين: اكتب ياقلم ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم أُمةٌ مذنبةٌ وربٌّ غفور {ورد فى الأثر} 

ولذلك جعل الله لهذه الأمة المحمدية المرحومة خصوصية فى الحساب فى الآيات القرآنية التى يقول فيها ربُّ البرية: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} الأحقاف16

أكرمنا الله برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فجعلنا ببركته صلى الله عليه وسلم من أهل الشفاعة العظمى ، كيف ذلك؟ أبيِّنُ لكم : يشفع لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم وليس هذا فحسب بل ومنَّ الله علينا بأن جعل بعضنا يشفع فى بعض ياللرحمة

فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا كما يشفع فى الأمم السابقة كما وضح كتاب ربنا ، ففى الأمم السابقة يقول الله:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} النساء41

وفينا يقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143

فأوجب الله لنا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطلق الله لنا الشفاعة فى بعضنا حتى قال نبينا صلى الله عليه وسلم:{اسْتَكْثِرُوا مِنَ الإخْوَانِ فَإنَّ لِكُل مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}{4}

لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة يعطيها له الله يشفع فيها فيمن يريد فضلاً من الله وإكراماً من الله وخصوصية لهذه الأمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم


{1} صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه {2} سنن ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما {3} الصحيحين البخارى ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما {4} ابن النَّجَّارِ في تاريخِهِ عن أنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ {جامع الأحاديث والمراسيل}
آخر مواضيعي في منتديات احباب الكلتاوية

اذكروا نعمت الله



إن الله أمرنا فى قرآنه أن نتذكر النبى صلى الله عليه وسلم ونتذكر الفضل الذى ساقه الله إلينا على يده صلى الله عليه وسلم ، وقال الله لنا فى محكم الآيات القرآنية: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} أى نعمة يارب؟ هل هى نعمة الصحة أم نعمة الطعام أم نعمة الهواء أم نعمة الضياء أم نعمة الماء؟ بيَّن الله ووضح، ما هذه النعمة التى نتذكرها يارب؟ {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} آل عمران103

النعمة التى ألفت بين القلوب والتى أذهبت الضغائن والأحقاد من النفوس والتى جعلت الإيمان يشرح الصدور ويملأ القلوب بالنور والتى أذهبت الجفاء فى العلاقات والنعمة التى وطدت العلاقات فى جميع الجهات بين المؤمنين والمؤمنات حتى صار الأخ المؤمن الذى ليس قريب ولا نسيب ولا حسيب له فى القلب أكبر نصيب ، أخوه المؤمن يفديه بنفسه ويرتضى أن يعطيه نصف ماله ونصف بيته ونصف كل خير أعطاه له ربه عن طيب نفس ما النعمة التى فعلت كل ذلك؟ هى نعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ودعانا الله لتَذَّكر هذه النعمة دوماً لأن مشاكلنا فى كل شئوننا شرقاً وغرباً فى مجتمعاتنا وفى بيوتنا وفى عائلاتنا وفى أسواقنا وفى تعاملاتنا لن تُحل إلا إذا تذكرنا هَدى نبينا الذى جاء به إلينا من ربنا لنسير على ضوئه فى حياتنا فتنتهى كل المشاكل من بيننا ، ولذلك يقول الله لنا: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} النور54

إذا أطعناه صلى الله عليه وسلم اهتدينا إلى المنهج القويم والصراط المستقيم فى كل أمر من أمور حياتنا وإذا خالفناه يقول ربنا عز وجل:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور63

إذاً عندما نتذكر رسول الله يوم ميلاده الشريف نتذكر القيم القرآنية التى جاء بها من عند الله ونتذكر الأخلاق القويمة التى كان عليها لنهتدى بها فى حياتنا ونتذكر الشرع الشريف الذى جاء به من عند ربنا ليُصلح الله به كل شئوننا ونتذكر التعاليم الإلهية والعلوم الربانية والأسرار القرآنية التى جاء بها لنا من عند الله ، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يحتفل بميلاده بنفسه ولكنه كان يحتفل بميلاده الإحتفال المناسب لذاته ، فكان صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الإثنين دائماً: {وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإِثْنَيْنِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ}{1}

أى أنه يصومه شكراً لله على نعمة ميلاده صلوات ربه وتسليماته عليه فى هذا اليوم المبارك الميمون ، ونحن نحتفى برسول الله كما أمرنا الله بتذكر النعم والعطايا والمنن والخصائص التى ساقها لنا الله على يد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا مانع فى هذا اليوم من الفرح لأن الله أمرنا فى القرآن أن نفرح ، بأى شئ نفرح يارب؟ قال عز شأنه موجهاً لنا: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}يونس58

فالفرح الأعظم الذى وجهه لنا الله أن نفرح بفضل الله وبرحمة الله وبإكرام الله وبعطاءات الله التى أرسلها إلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الفرح الدائم ، لأن الفرح به يدوم فى الدنيا ويوم الدين أما الفرح بالمال أو الفرح بالمناصب أو الفرح بالمكاسب أو الفرح بالأولاد فلا يدوم إلا فترة محدودة مهما طالت ، فهو إذاً لا يدوم ، لكن الفرح بفضل الله وبإكرامات الله وبعطاءات الله فرحٌ يدوم

أبو لهب كان أشد حرباً على النبى من أبى جهل ، لأن أبا جهل كان يؤلب قبائل قريش لكن أبولهب كان يمشى خلف النبى وكلما ذهب إلى قوم يدعوهم إلى دين الله وإلى كتابه يمشى خلفه ويقول أنا عمه وأنا أعلم به منكم فلا تصدقوه ، فكان أشد على النبى من أبى جهل ولذلك ذكره الله فى كتابه وأنزل باسمه سورة كاملة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد1

رآه أخوه العباس عمُّ النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام بعد موته ، فقال له يا أخى ما بك؟ ، قال: أنا فى أشد ألوان العذاب إلا أنه يُخفف عنى العذاب كل ليلة إثنين ، قال: ولِمَ؟ ، قال: لأن جاريتى ثويبة لما وُلد محمد ابن أخى عبد الله جاءت إلىَّ وقالت: أبشر فقد وُلد لأخيك عبد الله غلام – وكان العرب فى ذاك الحين يفرحون بولادة الغلمان ويُساءون بولادة الإناث – قال: فقلت لها أنت حرة ، قال: فخفف الله عنى ويخفف الله عنى كل ليلة إثنين دوماً لأنى فرحت بميلاد محمد وجعلت جاريتى ثويبة حرة لتلك البشرى التى بشرتنى

وفى ذلك يقول الإمام ابن ناصر الدين الدمشقى رضي الله عنه:

إذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدَا

أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ دَائِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ لأَحْمَدَا

فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي كَانَ عُمْرُهُ بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا



ما الظن بهذا العبد الذى يفرح برسول الله كلَّ عمره وعاش على الإيمان ومات على التوحيد للرحمن؟ هذا يكون سروره أعظم ، وقد بشَّر النبى صلى الله عليه وسلم من خالط حبه صلى الله عليه وسلم قلبه فقال: {مَا اخْتَلَطَ حُبي بِقَلْبِ عَبْدٍ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّار}{2}

فعلينا أن نفرح برسول الله فى هذه الليالى المباركة وفى كل أيامنا وأوقاتنا لأن الله خصَّنا به بفضائل لا نستطيع عدها


{1} صحيح مسلم عن أبى قتادة رضي الله عنه
{2} جامع الأحاديث والمراسيل عن ابنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا

السبت، 13 ديسمبر، 2014

محبة الرسول صل الله عليه وسلم





على قدرى أصوغ لك المديحا
ومدحك صاغه ربى صريحا
ومن أنا يا إمام الرسل حتى 
أوفِّى قدرك السامى شروحا
ولكنى أحبك ملء قلبى 
فأسعد بالوصال فتىً جريحا
وداوى بالوصال فتىً معنَّى 
يروم القرب منك ليستريحا

كل واحد فينا يتكلم على قدر ما يهبه مولاه من فتح فى آيات كتاب الله لكن كمالات رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يستطيع أحد من الأولين ولا الآخرين أن يصل إلى بعض ذرة مما مدح الله به وأثنى عليه به فى كتابه
لابد أن ندافع عن سيدنا رسول الله وننتصر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله هو الذى أمرنا فى كتاب الله بذلك ، فإذا لم تفعل فقد تخليت عن الوصية الإلهية التى أوصاك بها ربُّ البرية، فلابد أن نبين للناس هذه الحقائق ولا نترك الساحة لمن يقدحون فى رسول الله ويحاولون أن يُنزلوا من مقامه العظيم الجاه الذى أحلَّه فيه مولاه
فمن الجائز أن معظم ما حلَّ بالمسلمين فى هذا الزمان بسبب قلة الحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تأثراً بالسماع من هؤلاء القوم المبعدين ، كيف ذلك؟ مادامت الناس تحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها ستحرص على سنته وتحرص على أخلاقه، وتحرص على كمالاته ، مادامت تحبه صلى الله عليه وسلم فستحرص على العمل بشريعته وعندها يكون المجتمع كله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الفتح29 

لكن عندما يقل عند الناس حبُّ رسول الله يبدأون بالتفريط فى سُنَّته ، وكذا يبدأون فى التكاسل عن الأوامر الشرعية وعن تنفيذ التعليمات الربانية ، وعندها تظهر فى الأُمة التحذيرات القرآنية: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} النور63
فالإسلام أمرنا أن نُعَظِّم رسول الله وأمرنا أن نُبجِّل رسول الله وأمرنا أن نُعَلِّم ذلك لأولادنا ، قال صلى الله عليه وسلم مبيناً المنهج التربوى الذى يجب أن نسير عليه أجمعين مع أولادنا: {أَدبُوا أَوْلاَدَكُمْ عَلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: حُب نَبِيكُمْ وَحُب أَهْلِ بَيْتِهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، فَإنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ فِي ظِل اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ}{1}
من الذى ينفذ هذه الوصية اليوم؟ من يربِّى أولاده اليوم على هذه الثلاث : حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حبِّ آل بيته الأبرار الأطهار ، وحبِّ القرآن الكريم
من نفَّذ هذه الوصية يا هناه ، لأنه نفَّذ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

{1} أَبُو نَصْرٍ عبد الكريم الشيرازي في فَوَائِدِهِ ، وابنُ النَّجَّارِ عن عَلِيٍّ رضي الله عنه. {جامع الأحاديث والمراسيل}

رشفة من رحيق القرآن فى ذكرى النبى العدنان




ونحن في ذكرى ميلاد سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هيَّا بنا نشرب من رحيق آية من كتاب الله ، ما به نفعنا في الدنيا ورفعتنا يوم لقاء الله ، فكتاب الله الذي أنزله إلينا فيه الهُدى والنور وفيه الشفاء لما في الصدور وفيه الخير والسعادة لنا وللناس أجمعين ، نأخذ منه قبساً من آية واحدة قال الله فيها: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب21
إن مجال الأسوة واسع جداً ، فالأسوةتعني القدوة وتعني التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان هذا المجال كبير جداً فإننا نكتفي بذكر مثال واحد من حياته صلى الله عليه وسلم ، كان عليه مدار أمره كله وبه ارتفع شأن هذا الدين وبه تجاوزت دعوته الخافقين وبه أوصل الله هذا النور لجميع عوالم الله ، ما هذا المبدأ؟
يتضح لنا هذا المبدأ عندما نعلم أن كفار قريش كانوا في ناديهم بجوار الكعبة يتحدثون في شأنه صلى الله عليه وسلم ، وقد احتاروا في أمره وشلَّ تفكيرهم عندما أخذوا يخوضون في أمثل طريقة للقضاء عليه وإنهاء دعوته ، وقد رأوا أن ذلك الأذى لم يُجْدِهم نفعاً ، بل كلما زادوا المسلمين أذىً ازداد يقينهم ، فاجتمعوا للشورى فيما بينهم
{فقال لهم عتبة بن ربيعة وكان سيداً مطاعاً في قومه: يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد فأُكلِّمه وأعرضُ عليه أموراً علَّه يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكفَّ عنّا؟ فقالوا: إفعل ، فذهب إلى رسول الله وهو يصلي في المسجد ، وقال: يابن أخي إنك منّا حيث قد علمتَ من خيارنا حسباً ونسباً ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقْتَ به جماعتهم وسفَّهتَ أحلامهم وعِبتَ آلهتهم ودينهم وكفَّرت من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضها
فقال عليه الصلاة والسلام: قل يا أبا الوليد أسمع ، فقال: يا ابن أخي إن كنتَ تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنتَ تُريد شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطعَ أمراً دونك ، وإن كنتَ تُريد مُلكاً ملكناكَ علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئّياً من الجن لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه
فقال عليه الصلاة والسلام: «فقد فرغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم ، قال: فاسمع مني ، فقرأ عليه صلى الله عليه وسلم من أول سورة فصلت: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم{1} تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{2} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{3} بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ{4}
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقرأها عليه وقد أنصت عتبة لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ، ثم انتهى صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}
فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك ، فقال له: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك ، فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض: أحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به
فلما جلس إليهم ، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحْر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به ، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال: هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم}{1}
ولكن القوم لم ييأسوا فذهبوا إلى عمه أبي طالب وعرضوا عليه هذه الأمور وطلبوا منه أن يَحُمل ابن أخيه على واحدة منها ، فلما كلَّمه عمه كان جوابه صلى الله عليه وسلم: {يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ}{2}
فما جاء به رسولكم الكريم من عند الله من الهدي والنور لا يبغى به مُلْكاً ولا يسأل به مالاً ولا يطلب به جاهاً عند الناس ولا شيئاً من دنيا الناس وإنما يبغى به رضاء الله وعلى مثل هذا الأمر من الثَّبات على المبدأ ربَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه
فهذا زوج ابنته العاص بن الربيع يرجع من بلاد الشام يقود قافلة كبيرة للمشركين فهداه الله للإسلام وهو في الطريق ، فدخل المدينة وقد تمكن الإيمان من شغاف قلبه ، فأشار عليه بعض ضعفاء النفوس بأنك ما دمت قد آمنت فقد حلَّت لك أموال القافلة وبضاعتها غنيمة ، فأخذته الحمِّية الإيمانية وصاح قائلاً: يا قوم ما كنت أبدأ عهدي مع الله ورسوله بالخيانة
وذهب إلى مكة وجمع أهلها وقال: يا أهل مكة ماذا تعرفون عنِّي؟ فقالوا: لا نعلم عنك إلا خيرا ً، فقال: هذه بضاعتكم وهذه أموالكم، وسلَّم كل واحد منهم أماناته ، ثم قال: هل بقى لأحد منكم شيئاً؟ فقالوا: لا وجزاك الله خيراً ، قال: أُشْهدكم يا أهل مكة إنني آمنت بالله ربَّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً
فالثبات على المبدأ أساس الإيمان ، والإيمان ليس العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج فقط ، وإنما الإيمان جملة الأخلاق التي جاء بها الله في كتابه وجملة المعاملات التي علَّمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وجملة الآداب التي ملئوا بها الأرض علماً ونوراً بعد أن كانت تزخر ظلماً وجوراً

{1} نور اليقين لمحمد الخضرى، والسيرة الحلبية وغيرها كثير مشتهر بزيادة أو نقصان
{2} سير أعلام النبلاء للذهبى ، والسيرة الحلبية وكثير غيرها