الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

المال الصالح


{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}
الحديد20
{وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} ، بعض المجالس لا يكون الحديث فيها إلا عن الأنساب والعائلات ، هل المؤمن عنده وقت لهذا الكلام؟ نحن لو تكلمنا نتكلم عن ديننا وعن الله وعن نبينا وعن صحابة نبينا فهذه أحاديثنا ، قال صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ}{1}
لكن بِمَ تفتخر؟ افتخر بأخلاقك وعباداتك وأعمالك الصالحة ، لكن أبى وأمى رحمهم الله وأفضوا إلى رحمة الله ، فما دورك أنت؟ هذا هو الأساس ، فنهى الله عن التفاخر، حيث كانت هناك مجالس للتفاخر فى مِنَى فقال لهم الله: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} البقرة200
كذلك كلام الموظفين فى المكاتب كله فى هذا القبيل إما أن يفتخر الإنسان بمن مات أو بأولاده الموجودين ، ابنك لو لم يهده الهادى هل تستطيع هدايته؟ لو لم يوفقه الموفق عز وجل هل تستطيع إجباره على عمل؟ فعندما تنظر إلى ذلك انظر إلى توفيق الله أولاً
كذلك الفلاحين يتفاخرون بزراعاتهم ، فيقول أحدهم زراعتى أفضل من فلان لأنى عملت لها كذا وكذا ، هل نسيت المحسن الذى أحسن إليك فى هذه الزراعة؟ أنت تضع البذرة فقط والبذرة هو الذى أتاك بها وجاءك بالماء والهواء والغذاء ويرعاها ويتولاها لو لم يحفظ الحفيظ هذه الزراعة فإنها ستنتهى
إذن توفيق الله هو الذى مع الإنسان فى كل شأن ، وكذلك الحال بالنسبة للأولاد: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص56
لو الهداية بيد إنسان لكان ملكها الأنبياء لكن هل استطاع النبى أن يهدى ابنه؟ فقل أولاً فضل الله علىَّ كذا وكذا ، فتذكر فضل الله عليك حتى لا تُشغل بالتفاخر بما ليس لك وإنما لله جل فى علاه ، كذلك الذى يفتخر بنفسه إن كان بقوته أو بعينيه أو بشكله
والسيدات لهن باع واسع فى هذا المجال فمثلاً تأتى بطفل لها وتقول لمن حولها مَن يستطيع أن ينجب مثل هذا الطفل؟ هذا رزق ساقه الله ، من صنع العينين؟ ومن صور الوجه؟ ومن لون الشعر؟ ومن له دخل فى أى أمر ظاهر أو باطن بالنسبة لأى ولد أو بنت؟ الفضل كله لله ، فلا ينشغل الإنسان بهذه الأمورلأن الشغل بها من الدنيا
{وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} إذاً لا نسعى لذلك؟ لا، بل يجب أن نسعى لنتحقق بقوله صلى الله عليه وسلم: {نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ}{2}
وذلك بأن أسعى فى طريق حلال أحله شرع الله ووسيلة التحصيل التى أستخدمها يوافق عليها شرع الله وأُخرج منه حق الله إذا كان عليه زكاة ولا أنشغل به عن حقوق الله وطاعة الله ، فلا يجوز أن أجمع الصلوات مع بعضها بحجة عدم وجود وقت هل هذا عذر يقبله الله من الإنسان يوم لقياه؟ لا يقبله
لو لم تؤدى الفرائض فى وقتها وجمعت الدنيا بأكملها فى يديك ماذا ستصنع بها عندما ترحل من هنا؟ ستُسأل عنها وتتركها لغيرك ليتمتع بها ، إذن يجب على المسلم أن يُحصل المال ليغنى نفسه عن سؤال اللئيم وعن الحاجة إلى الخلق لأن الحاجة فيها مذلة وهوان والمسلم دائماً عزيز:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} المنافقون8
فلابد للمسلم أن يعز نفسه بأن يكون معه ما يغنيه عن الخلق مع أداء الفرائض والطاعات فى وقتها ، فى هذه الحالة يصبح المال الذى جمعه عبادة ويدخل فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنْ بَـاتَ كالاًّ مِنْ عَمَلِهِ بَـاتَ مَغْفُوراً لَهُ}{3}
وكذلك الأولاد لو تركت الصلاة فى المسجد لأبقى معهم لأنهم فى الثانوية أو غير ذلك هل بقاءك معهم هو الذى سينجحهم؟ من الجائز أن يكون دعاءك لهم هو سبب التوفيق لهم لأن الإمتحانات توفيق ، فكما أن أولادك يريدون منك أن تتابعهم كذلك يريدون منك أن تكون على صلة بالله حتى تدعو لهم لأن الدعاء أزكى لهم وأنفع ، وإذا أردتهم أن يكونوا صالحين حتى عندما تنتقل إلى الله يبقى لك ولد صالح يدعو لك.
كذلك نجد الآن انتشار المدارس والكليات الأجنبية والناس تُدخل أولادها فيها ، إذا كانوا سيذهبون إلى هذه المدارس أو الكليات وسيحافظون على الدين فلا بأس ، لكن إذا لم يحافظوا على الدين وفهموا أنه لا مانع من صداقة المسلم للمسيحية والمسلمة للمسيحى ، وتعلموا العلمانية البحتة
لأنه ليس هناك ناحية دينية من بعيد أو قريب فى هذه الأماكن- إلا شكليات لا طائل منها - فهنا أكون قد قصرت فى حقهم ، حتى لو تخرج واشتغل فى أرقى المناصب لأنى ضيعت عليه الدين ، وأنا المسئول الأول لقول رب العالمين: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} طه132
فالأساس كله أن أوفيهم وأوفى لهم الناحية الدينية ، ولا يضيعونى لإرضاء رغباتهم أن أكسب من الحرام كأخذ الرشاوى أو الحصول على أشياء ينكرها شرع الله لأكفى لهم حاجاتهم ، المؤمن يمشى على قدر وسعة الحلال الذى أحله له ذو الجلال والإكرام، قال صلى الله عليه وسلم:{إذا كان يوم القيامة يشكو أهل الرجل الرجل إلى الله ، يقولون: يا ربنا خذ لنا بحقنا من هذا ، فيقول رب العزة: وما ذاك؟ فيقولون: كان يطعمنا من الحرام ولم يعلمنا أحكام ديننا}{4}
إذن أنت مطالب أمام أولادك بشيئين ، أولهما الحرص على أن تكون كل طلباتهم من الحلال ، وثانيهما أن أربيهم على الخلق والدين حتى أجد ولد صالح أو بنت صالحة تدعوا لى عندما أفارق الدنيا وأكون بين يدى رب العالمين ، إذا هاجر الإنسان من هذه الأمور إلى أعمال الآخرة وبضاعة الآخرة: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة197
فهذه هجرة عالية

{1} رواه مسلم في الصحيح عن أبي عمار {2} صحيح ابن حبان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه {3} ابن عساكر ، عن المقدام بن معديكرب رضيَ اللَّهُ عنهُ {4} تفسير روح البيان وإحياء علوم الدين –كتاب آداب النكاح-









الاثنين، 20 أكتوبر، 2014

أنواع الهجرات

من المهاجر إلى يوم القيامة؟ الذى هجر المحرمات والذى هجر المعاصى والذى هجر الفواحش والذى هجر الإثم والذى هجر الوقوع فى الذنب والذى هجر الأفعال التى تُغضب الله كلها إن كان كبائر أو صغائر وهجر الأقوال التى تُغضب الخلق كلها إن كانت سباً أو شتماً أو لعناً أو غيبة أو نميمة أو قذف أو سحر أو ما شاكل ذلك
يسلم الناس منه جميعاً لأنه هجر كل ما يؤدى إلى غضب الله عليه أو كل ما يؤدى إلى إغضاب الخلق منه لشر فعله نحوهم أو سوء أصابهم به حتى ولو كان لا يدرى لأن المؤمن لا يفعل ولا يقول إلا ما يُرضى الله عنه ، فهذه هىالهجرة أن يهجر الإنسان كل ما نهى الله عنه
ولذلك يجب على كل واحد منا مع بداية العام الهجرى أن يراجع نفسه ماذا هجرت من المعاصى؟ وماذا تبقى لكى أهجره من المعاصى؟ وإذا أردت أن أكون أعلى فى المقام فيكون ماذا هجرت من الأخلاق القبيحة حتى أتجمل بالأخلاق الكريمة؟
هجرت سوء الظن مثلاً هجرت الكذب هجرت الأثرة والأنانية هجرت النظر إلى المسلمين بعين تتطلع إلى ما فى أيديهم وإلى ما عندهم من خيرات وتتمنى زوالها أو الحصول عليها ومنعها منهم فكل هذه الأشياء تحتاج إلى هجرة ، ولذلك قال العلماء العاملون رضي الله عنهم الهجرة فى هذا المقام لمن أراد أن يهاجر ثلاث هجرات: {هجرة بأمر الله وهجرة بفضل الله وهجرة بتوفيق الله}
أما الهجرة بأمر الله فهى أن يُنفذ كل ما أمره به مولاه ولكى يُنفذ ما أمره به مولاه لابد أن يهجر ما نهى عنه مولاه فلابد أن يهجر المعاصى حتى يفعل الطاعات ويهجر الحرام حتى يحصل على الحلال ويهجر الذنوب والآثام حتى يُطيع الملك العلام فهذه الهجرة بأمر الله أى فعل ما يأمره به مولاه بعد أن يترك ما نهى عنه الله وهذه الهجرة الآية الجامعة لها فى كتاب الله هى قول الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر7
والمصيبة التى وقع فيها كثير من المسلمين فى هذا الزمان أنهم جمعوا بين الإثنين فكثير منهم يظن أن المطلوب منه لإرضاء ربه القيام بالعبادات أما المعاملات فيمشى فيها على حسب هواه وإن كان يعلم علم اليقين أنه يخالف شرع الله
فمثلاً التاجر قد يذهب إلى الحج كل عام ويذهب إلى العمرة مرات فى العام لكن فى تجارته لا مانع عنده من أن يغش فى الكيل أو الوزن أو يغش فى الثمن أو يغش فى الصنف فيرى أنه ليس عليه شئ فى هذه الأشياء ، هذه الثنائية هل يوافق عليها الدين؟ لا، فالشرط الأول أن يهجر ما نهى عنه الله فقد نهى الله عن التطفيف فيجب ألا يُطفف فى كيل ولا ميزان لأن الله قال: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} المطففين1
نهى الله عن الغش على لسان حَبيبه ومُصطفاه: {مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا}{1}
نهى عن أى غش إن كان فى الصنف أو السلعة أو غير ذلك فمشاكلنا فى مجتمعنا سببها التفريق بين المعاملات والعبادات مع أن الدين كله واحد ولابد للإنسان أن يأخذه بجملته فلا يجوز له أن يعمل بشئ ويترك أشياء ويظن أنه على صواب ، لأنه نَهْى عن كل ما نهى عنه الله ثم بعد ذلك قيام بكل ما أمر به الله
كثير من الناس يحرص على الفرائض ولبيان مدى حرصه على الفرائض فى وقت عمله يترك العمل قبل الظهر بوقت كبير ويذهب للمسجد ليستعد لصلاة الظهر ويظن أنه أدى العبادة كما ينبغى ، عبادتك فى عملك ومكتبك وإذا كان عملك يتعلق بخدمة الجماهير فتكون الصلاة بعد نهاية العمل إلا إذا وجدت فرصة وتعود سريعاً
وإذا كان العمل لا يتعلق بالجماهير فاذهب للصلاة أثناء إقامة الصلاة والذى يُصلى بهم يراعى ذلك فلا يطيل فى الصلاة لكن المتنطعين يظنون أنهم على صواب وبعضهم يقوم بعمل درس بعد صلاة الظهر، أين العمل؟ ويسولون ذلك على أنه من الدين
وهذه هى الطامة الكبرى التى أساءت إلى دين الإسلام فى نظر غير المسلمين لأنهم رأوا أن ما يصنعه المتنطعين – لأن صوتهم عالى – هو هذا الدين مع أنهم بعيدين عن نهج الدين بالكلية، الدين: {أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ}{2}
حق العمل لا أفرط فيه وحق الله محفوظ ، فنحن نحتاج فى هذه الأيام الكريمة أن نبين لأنفسنا ونمشى على هذا المنهاج وإن كان فى نظر كثير من المتنطعين شاذ لكن هذا هو المنهج الحق الذى ارتضاه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو أن نهجر المعاصى بالكلية ثم نبدأ العبادات لرب البرية
ولو أن الإنسان انتهى عن المعاصى ثم لم يقم إلا بالفرائض فقط أفلح كما قال صلى الله عليه وسلم ودخل الجنة لأنه ليس عليه شئ ، فالأساس أن يحفظ الإنسان نفسه من الذنوب والآثام ثم يطيع الملك الحق رغبة فى الهجرة إلى الطاعات والقربات المبثوثة فى كتاب الله والتى بينها بفعله وقوله وحاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحتاج المسلمون جميعهم فى هذا الزمان إلى هذه الهجرة ، فمثلاً نجد الفلاح يذهب ليصلى الفجر فى وقته وعندما يؤذن الظهر يترك عمله ويسارع للصلاة ثم بعد ذلك يريد أن يكسب سريعاً فيضع فى زراعته الهرمونات والكيماويات والمبيدات المحظورات ليستعجل الأرزاق ويظن أن هذا شئ والعبادة شئ ، لابد من هجر هذا الغش أولاً ، ثم بعد ذلك لو لم تصلى إلا الفرائض فى وقتها سيكفيك هذا وقس على ذلك بقية الأمور
فتلك مصيبة حلت بمجتمعنا لأننا تأثرنا فيه بالمجتمعات الأجنبية وأخذنا نظرية المنفعة وإن كنا لا نشعر بها وجعلناها هى أساس حياتنا ، إذا كانت المنفعة فى ميزان المعاملات لا نوزنها بميزان الحلال والحرام ، قال صلى الله عليه وسلم: {لا تَكُونُوا إِمَّعةً تَقُولُونَ إِن أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وإِنْ أسَاءُوا فَلاَ تَظْلمُوا}{3}

{1} صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم
{2} رواه ابن حبان والبيهقي عن أبي جحيفة عن أبيه
{3} سنن الترمذى عن حذيفة رضى الله عنهما

الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

ساعة إجابة الدعاء يوم الجمعة

للجمعة آداب كثيرة منهاالغسل والتجمل والسواك والتطيب ، فيستحب لكل من أراد حضور صلاة الجمعة أو مجمع من مجامع الناس سواء كان رجلاً أو إمرأة ، أو كان كبيراً أو صغيراً ، مقيماً أو مسافراً ، أن يكون على أحسن حال من النظافة والزينة: فيغتسل ويلبس أحسن الثياب ويتطيب بالطيب ويتنظف بالسواك
وقد جاء في ذلك عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيب مسَّ منه}{1}
وعن ابن سلام رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة: {ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته}{2}
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر بما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرِّق بين اثنين ثم يصلي ما كُتب له ثم يُنصت للإمام إذا تكلم إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى}{3}
وكان أبو هريرة يقول: {وثلاثة أيام زيادة ، إنَّ الله يجعل الحسنة بعشرة أمثالها} ، وغفران الذنوب خاص بالصغائر لما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة {ما لم يغش الكبائر} ، وعن أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة} ، وعن الطبرانى في الأوسط والكبير بسند رجاله ثقاة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع:{يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله لكم عيداً فاغتسلوا وعليكم بالسواك}
عن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ} قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرِمْتَ؟ فقال: {إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء}{4}
قال ابن القيم: يستحب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلته لقوله: {أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة} ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام ويوم الجمعة سيد الأيام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره ، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنها نالته على يده فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة
فإنه فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة ، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة ، وهو عيد لهم في الدنيا ، ويوم يسعفهم الله بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم ، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده ، وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن يكثروا من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته
عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نور ما بين الجمعتين}{5}
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ومن قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم القيامة ، وغُفر له ما بين الجمعتين}{6}
ينبغي الاجتهاد في الدعاء عند آخر ساعة من يوم الجمعة فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قلت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس - إنا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضي له حاجته ، قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بعض ساعة ، فقلت: صدقت ، أو بعض ساعة ، قلت أيّ ساعة هي؟ قال "آخر ساعة من ساعات النهار" قلت إنها ليست ساعة صلاة ، قال: "بلى ، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة" {رواه ابن ماجة}
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، وهي بعد العصر}{7}
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أتاه إياه ، والتمسوها آخر ساعة بعد العصر}{8}
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذكروا الساعة التي في يوم الجمعة ، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة{9}
وقال أحمد ابن حنبل: أكثر الأحاديث في الساعة التي يُرجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد العصر ويرجى بعد زوال الشمس ، وأما حديث مسلم وأبي داود عن أبي موسى رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ساعة الجمعة: {هي ما بين أن يجلس الإمام} يعني على المنبر {إلى أن تقضى الصلاة} فقد أُعلَّ بالاضطراب والانقطاع
يندب التبكير إلى صلاة الجمعة لغير الإمام. قال علقمة: خرجت مع عبد الله ابن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة من الله ببعيد ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ، وما رابع أربعة من الله ببعيد}{10}
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر}{11}
وذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن هذه الساعات هي ساعات النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار وذهب مالك إلى إنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده ، وقال قوم هي أجزاء ساعة قبل الزوال وقال ابن رشد: وهو الأظهر لوجوب السعي بعد الزوال
حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشدَّدوا في ذلك ، فعن عبد الله بن يُسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطر رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اجلس فقد آذيت وآنيت}{12}
ويستثنى من ذلك الإمام أو مَنْ كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة بشرط أن يتجنب أذى الناس ، فعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه ففزع الناس من سرعته ، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال: {ذكرت شيئاً من تِبْر كان عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته}{13}
يُسن التَّنفُّل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام فكيف عنه بعد خروجه إلا تحية المسجد فإنها تُصلى أثناء الخطبة مع تخفيفها إلا إذا دخل في أواخر الخطبة بحيث ضاق عنها الوقت فإنها لا تصلى ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين ويحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك {رواه أبو داود}
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له ، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام}{14}
وعن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له صلى الله عليه وسلم: {صليت؟ قال: لا ، قال: فصلِّ ركعتين} {رواه الجماعة}
وفي رواية: {إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما}{15}
وفي رواية: {إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصل ركعتين} {متفق عليه}
يُندَب لمن بالمسجد أن يتحول عن مكانه إلى مكان آخر إذا غلبه النعاس: لأن الحركة قد تذهب بالنعاس وتكون باعثاً على اليقظة ، ويستوي في ذلك يوم الجمعة وغيره ، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره}{16}

{1} رواه أحمد والشيخان {2} رواه أبو داود وابن ماجة {3} رواه أحمد والبخاري {4} رواه الخمسة إلا الترمذي {5} رواه النسائي والبيهقي والحاكم {6} رواه ابن مردويه بسند لا بأس به {7} رواه أحمد. قال العراقي: صحيح {8} رواه النسائي وأبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم وحسّن الحافظ إسناده في الفتح {9} رواه سعيد في سننه وصححه الحافظ في الفتح {10} رواه ابن ماجة والمنذري {11} رواه الجماعة إلا ابن ماجة {12} رواه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وغيره {13} رواه البخاري والنسائي {14} رواه مسلم {15} رواه أحمد ومسلم وأبو داود {16} رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح

الهجرة إلى مكارم الأخلاق

فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة لأصحابه المباركين وكان يعلم علم اليقين أنه لابد له من الهجرة لأنه ما من نبى إلا وهاجر ، ولما نزل عليه الوحى أخذته السيدة البارة السيدة خديجة رضى الله عنها إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، وكان من أهل الكتاب يتعبد على دين المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام وقرأ الكتب السماوية التوراة والإنجيل ، فقال له: احك لى يا ابن أخى ما رأيت؟ فحكى له ما صار
سيدنا رسول الله لما جاءه الوحى لأول مرة ارتجف وارتعد وارتعش لأن سيدنا جبريل احتضنه ثلاث مرات ، وهذا الإحتضان كان للشوق لأن سيدنا جبريل كان مشتاقاً إلى حضرته فلما رآه عبَّر عن شوقه باحتضانه صلوات ربى وسلامه عليه
ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يجرى من غار حراء إلى منزله فى مكة حتى ذهب للسيدة خديجة وقائلاً زملونى زملونى دثرونى دثرونى - فحكى له هذا ، فقال له ورقة: أبشر يا ابن أخى إن هذا هو الناموس – أى المَلَك – الذى كان يأتى موسى وعيسى وأنت نبى هذه الأمة
ثم قال له: ليتنى أكون فيها جزعاً – أى شاباً فتياً – عندما يخرجك قومك ، قال: أومخرجى هم؟ قال: نعم ، ما من نبى أُرسل بما أُرسلت به إلا وأخرجه قومه ، إذاً النبى يعرف أنه سيهاجر من لحظة نزول الوحى
رأى صلى الله عليه وسلم المكان وخططه ووطن لكل جماعة مكان فيه فى رحلة الإسراء لأن سيدنا جبريل عندما أركبه البراق جاء إلى مكان المدينة فقال هنا دار هجرتك ، من أجل ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم عندما اشتد الأذى من الكافرين على من معه من المؤمنين قال لهم: {قَدْ رَأَيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ أُرِيتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ هُمَا حَرَّتانِ}{1}
فهاجر أصحابه إلى المدينة ثم بعد هجرته صلى الله عليه وسلم استمرت الهجرة من الجزيرة العربية إلى المدينة إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فى العام الثامن من الهجرة فقال لأصحابه: {لا هِجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جِهادٌ ونيَّة}{2}
إذاً الهجرة استمرت لمدة ثمانى سنين ولم يعُد بعدها هجرة مكانية ، إذاً ثواب الهجرة وفضل الهجرة وعظيم الأجر على الهجرة ما ذنبنا لنُحرم منه؟ أبقى رسول الله لنا ذلك فقال فى حديث عظيم متفق عليه: {المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدهِ، والمهاجِرُ مَن هَجرَ ما نَهى اللّهُ عنه}{3}
وقال أيضاً: {وَالله لا يُؤْمِن وَالله لا يُؤْمِن وَالله لا يُؤْمِن ، قالوا: وَما ذَاكَ يا رَسولَ الله؟ قالَ: جارٌ لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ ، قالوا: وما بوائقه؟ قال : «شَرُّه» }{4}
الحديث ليس له شأن بالعبادات فلم يقل المسلم الذى يُصلى الصلوات الخمس ويصوم ويزكى فهذه الأشياء فرائض لكن متى ينال شرف أن يكون مسلماً حقاً؟ إذا تُرجمت العبادات إلى أخلاق واضحة فى السلوكيات ، أثرت عليه العبادات فأصبح وقد سَلِم الناس جميعاً من لسانه ويده
فلا لسانه يؤذى أحد ولا يغتاب أحد ولا يقع فى عرض أحد ويده لا تؤذى مسلماً بالشكاوى الكيدية أو الأذية أو بأى عمل من أعمال اليدين وفيها ما فيها بالنسبة لأخيه المسلم
والمؤمن هو الذى أمن جاره بوائقه أى شروره وآثامه فلا يرى جاره منه إلا الخير، لأن الإحسان إلى الجار هى رتبة النبى المختار صلى الله عليه وسلم ، ومن وراءه ومن على شاكلته من الأبرار والأطهار

{1} رواه البخارى في الصحيح والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها
{2} صحيح البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهم
{3} صحيح البخارى عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهم
{4} مسند الإمام أحمد عن أبى هريرة


خير أيام الأسبوع

ورد أن يوم الجمعة خير أيام الأسبوع ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خُلِق آدم عليه السلام ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة}{1}
وعن أبي لُبَانة البدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى ، وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه خمس خِلال: خلق الله عز وجل فيه آدم عليه السلام ، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض ، وفيه توفى الله تعالى آدم ، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراماً ، وفيه تقوم الساعة ، ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يُشفقن من يوم الجمعة}{2}

{1} رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه
{2} رواه أحمد وابن ماجة قال العراقي: إسناده حسن

الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

أول العام الهجرى وقفة مع النفس





كان الصالحون فى كل زمان ومكان لهم فى بداية العام الهجرى وقفة صادقة لتصحيح مراد النفس ونواياها وطواياها لتستعيد مكانتها عند مولاها وخالقها وبارئها عز وجل ، فيسارعون إلى تخليص القلوب – وهى موضع الطوايا والنوايا – من كل شائبة تشوب الأعمال والأحوال والأقوال عند صدورها لأنهم يراعون علام الغيوب عز وجل ، حتى يَصلون إلى المقام العلى الذى يقول فيه الله {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} التوبة105
أى يجب أن تعمل وتعلم علم اليقين أن العمل الذى تعمله أو ستعمله فيما يستجد من أيامك ويُستقبل من عمرك سيراه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بهذه الكيفية ، أى اجعل الله أول قصدك ، والتأسى بالحَبيب صلى الله عليه وسلم غاية مرادك ، والخلق إن كنت تريد أن يتأسوا بك ويقتدوا بك فهى فى المرتبة الدنيا من نواياك وطواياك وأحوالك ، تصيب القصد وتحقق المراد
لأن هذا هو المنهج الذى وضعه الله للسابقين والمقربين فى كل زمان ومكان ، إذا غيَّر المرء هذا النسق وجعل غايته العظمى الخلق ، وادَّعى بعد ذلك أنه يريد بعمله الحق ، فإنه يغش نفسه: {مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا}{1}
فأول العام الهجرى وقفة مع النفس ، راجع نفسك وراجع أعمالك التى عملتها فى العام المنصرم وضع لنفسك قاعدة تنال بها رضاء الله فيما يُستقبل من الأيام ، واعلم علم اليقين أن الخلق أجمعين لو اجتمعوا على أن يُثيبوك على عمل ولو تسبيحة واحدة لله ما استطاعوا أجمعين
واعلم أن الخلق أجمعين لو التفوا حولك وأحاطوا بك ما استطاعوا أن يُقربوك قدر أنملة لرضاء رب العالمين ، فاقصد الله وعامل الله بإخلاص وصدق ويقين ، بمثل ذلك يجدد الإنسان أحواله، بتجديد نواياه لله
ولذلك كان بعض الصالحين لا يخرج من بيته متوجهاً إلى أى عمل حتى يُحقق نواياه ، ويقول فى ذلك: {إنى لا أخرج من بيتى إلا إذا استجمعت سبعين نية كلها لله} ، وسبق الصالحين ليس بالكم ولكن بهذه النوايا ، على سبيل المثال: لماذا جئت إلى هذا اللقاء الديني؟ جئت لطلب العلم وطالب العلم فى سبيل الله حتى يرجع ، هذه نية ، جئت للتوادد فى الله والزيارة للإخوان الصادقين فى الله وفيها يقول: {مَن عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ في الله نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً}{2}
جئت لأقف على نفسى أعرف ما لها وما عليها ، ومحاسبة النفس أساس وضعه النبى الكريم لأصحابه وأحبابه المباركين إلى يوم الدين ، أن المرء يكون له وقت يحاسب فيه نفسه فى كل يوم وليلة على ما قدَّم وعلى ما فعل فإن وجد خيراً حمد الله على ذلك وإن وجد غير ذلك تاب واستغفر الله من ذلك ، فيدخل فى قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة119
جئت لأُطهر قلبى وأدخل فى قول رب العالمين فى جماعة الحاضرين: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47
نوايا لو أخذنا فى استجماعها ما استطعنا تعدادها ولا سردها لأن النوايا التى تجيش فى قلوب الصالحين لا يستطيع أحد أبداً عدَّها ، لكن الرجل الصالح يعيش فيها ويحيا بها
ولذلك قال رجل من تلاميذ محى الدين بن عربى رضي الله عنه: يا سيدى إن القوم يسئلون عن الطريق وعلومه وأذواقه ومشاربه وفتوحاته ، فبِمَ أقول لهم، فقال رضي الله عنه: قل لهم من لم يذق طعم العسل هل يستطيع وصفه؟ فسيقولون: لا، فقل لهم: كيف يستطيع وصفه؟ فسيقولون: إذا ذاقه ، قال فقل لهم: إن الطريق وفتحه لا يستطيع الحديث عنه ولا وصفه إلا من ذاقه فهو كالعسل
ليس علماً نظرياً ، وليس سرد برهان يحتاج إلى أدلة وبراهين ، ولكنه علم ذوقى يقول فيه الله {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} الإسراء36
فأثبت الله أن أدوات تحصيل العلم ثلاث ، السمع من الغير والبصر فى الكتب أو فى الآفاق ثم الفؤاد وهو يتلقى من المَلك الخلاق عز وجل ، فأثبت للفؤاد أنه وسيلة من الوسائل التى يُحصل بها العلم ويُحصل بها الفهم ويُحصل بها الذوق ويُحصل بها الشهود
ولكن ذلك لأهله الذين خاضوا غماره ، ومشوا على منوال الحبيب فى عطاءه ، فأعطاهم الله الجنى الدانى الوارف لأهله ، لأنه طعام لا يناله بالذوق إلا من صفا ذاته ومشى على منهج أهله فى عطاءه ونواله

[/COLOR]

{1} صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم
{2} سنن الترمذى عن أبى هريرة رضى الله عنهما

الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

ما الذى جنته الأمة من جماعات الإسلام السياسى ؟



البعض يظن أنه يحتكر الحقيقة , وأنه يمتلك الصواب , وأن رأيه وفهمه هو الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن ما لايعرفه لا وجود له وأن من يخالفه فى العلم جاهل ومتخلف ومن يخالفه فى الدين كافر أو مشرك أو فاسق ومن يخالفه فى السياسة خائن وعميل يظن الخيرية فى نفسه والشر فى غيره
وأن كل الناس تحتاج إلى برهان لتثبت إيمانها وتحتاج إلى أدلة وقرائن لتثبت وطنيتها حتى يقر لها بذلك
مرض شيطانى ونفس إبليسية
هذا الفهم وهذا الفكر هو مرض إبليسى (شيطانى ) قديم ( أنا خير منه ) حين رفض السجود لآدم ظنا منه أنه أفضل منه فكيف يسجد له ؟ وكيف يسلم وينقاد له وهو الأفضل والأخير والأذكى هذه النفس الإبليسية وهذا المرض الشيطانى داء عضال حينما يصيب الفرد الواحد
فكيف به حينما تبتلى به جماعات وحركات وفصائل من الأمة ؟
السجود لآدم
الفرد المصاب بهذا الداء يحتاج إلى مرشد ومربّى ربانى ليخلصه من هذا الداء ويشفيه من هذا الوباء من مرض الكبر والعجب حتى ( يسجد لآدم )يسلم أن الحق قد يكون على لسان منهو أدنى منه منزلة ومكانة والفهم السليم قد يكون عند من هو أقل منه شأنا  يسلم إن علم العليم ( سبحانه وتعالى ) فى كل العالم لم يحتكره أحد ، وأن الله قسم الأرزاق والأخلاق والعقول والفهوم وأن الإنسان يصيب ويخطئ ,ويعلم ويجهل ,وأن العصمة لا تكون إلا لنبى ,وأنه يعرف أشياء ويجهل ملايين الأشياء وأن ليس كل مالا يراه لا وجود له
الجماعات الإسلامية
هذا المرض الذى أصاب جماعات من الأمة الإسلامية واستشرى فيها هذا الداء فأقصت الآخر ورفض أن تسمع للآخرين واتهمت المخالف بالكفر وبالخيانة وقسمت الأمة إلى مؤمن وكافر المؤمن هو وجماعته وشيخه وباقى الأمة أقرب للكفر منهم للإيمان واتهمته بالخيانة والعمالة فكانت النتيجة كما نرى الآن أمة مقسمة متفتتة يكفر بعضها بعضا ويقتل بعضها بعضا 
بسبب جماعات مصابة بهذا المرض الشيطانى تقاتل من أجل الإمارة وقد تتعاون مع الشيطان من أجل الحكم والملك قادها هذا المرض لتكفير علماء المسلمين المخالفين لهم فى السياسة وليس المخالفين لهم فى الدين وتشويه صورتهم وإغتيالهم معنويا وتخوين الوطنيون المخلصون  ونشر الأكاذيب عنهم لتنال من محبة الناس لهم وثقتهم فيهم وتنفق فى سبيل ذلك الملايين وتتعاون مع أعداء الأمة بل وتدفعهم وتستقوى بهم على إخوانهم وتقود حملات إعلامية صحف وقنوات وتنشئ خلايا إرهابية لتقاتل أبناء وطنها ( جيش وشرطة ) من أجل الملك والإمارة .... هذا الفكر هو فكر الخوارج وفهمهم ... هذا الفكر الذى جعل البعض يكفر سيدنا عثمان ويقتله ويكفر سيدنا على ويقاتله ويقاتل الصحابة ,
 وهذا الفكر الآن يستخدمه الغرب كقفاز وكدرع يختبئ خلفه لينال من هذه الأمة ويفتتها ويقضى على جيوشها ويستغل هذا المرض الشيطانى وهذه النفوس اللقسة التى لم تتزكى والمصابة بشبق السلطة وشهوة الإمارة ليقضى على هذه الأمةـ وهى تدرى ودون أن تدرى ـ تنفذ مخططاته ومؤامراته
هذه الجماعات التى شقت صف الأمة ومزقتها من داخلها هى صناعة مخابراتية غربية فكل هذه الجماعات مخترقة من مخابرات الغرب وأمريكا وممولة منها بواسطة وسيط عربى أو وسيط إسلامى
ماذا فعل هذا الفكر فى أفغانستان بعد طرد الروس ألم يحولها إلى دولة تابعة لأمريكا وللغرب ثم تقاتل المجاهدين فيه من أجل الحكم والأمارة تقاتل قلب الدين حكمتيار وعبدالرسول سياف وأحمد شاه مسعود وبن لادن ثم جاءت بعد ذلك حركة طالبان وانتهت أفغنستان كدولة ماذا فعل هذا الفكر فى الصومال إلم يعيدها إلى العصر الحجرى ؟ بعد أن كانت تصدر اللحوم إلى كل دول العالم ، ماذا فعل هذا الفكر فى السودان ؟ ألم يقسمها إلى دولتين حتى الآن والبقية قد تأتى لا قدر الله ؟ ماذا فعل هذا الفكر فى فلسطين ؟ ألم يقسمها إلى وطنيين ( الضفة وغزة )
ماذا فعل ويفعل حتى الآن فى ليبيا إن الآن يحرق الأخضر واليابس فيها , وكذلك فى سوريا
لقد قسم هذا الفكر الأمة وفرق بين أهلها ....وحين هب الشعب المصرى وانتفض وانقض على هذه الجماعات وانحاز له جيشه الوطنى ( الذى جربه الشعب طويلا ووثق فيه فما خان الأمانة أبدا وما نقض العهد ) انتفض الشعب لينجو من مخالب المؤامرة وينقذ وطنه وبدلا من تقوم شعوب الأمة الإسلامية لتدرس التجربة وتستخلص العبر والدروس منها إذا بها كالعادة تتلقى المعلومات والأخبار من القنوات التى تبث من القواعد الأمريكية والبريطانية فى قطر ( الجزيرة) التى تشوه هذه الثورة التى قضت على مؤامراتهم التى انفقوا من أجلها الملايين
لتقسيم الأمة وتقزيمها لتكون الصغيرة قطر دولة كبرى وتعود الدولة العثمانية ـالتى أفقرت الأمة وخلفتها قرونا ـ
تعود إلى زعامتها الموهومة ، لقد آن الآوان لدراسة هذا الفكر وهذه الجماعات حتى لا يكون بأسنا بيننا وحتى لا نقتل بأيدينا وبأسلحتنا . لقد آن الآوان لنعرف ماذا جنت الأمة من الفكر الوهابى ومن الجماعات الإسلامية بداية من الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية والعلمية وكذلك كل الجماعات الأخرى وعلاقة هذه الجماعات بالغرب
ومدى اختراق المخابرات الأمريكية والغربية لهذه الجماعات فمثلا ( علاقة الوهابية بالمخابرات البريطانية وكذلك الإخوان المسلمين التى يقيم معظم أفرادها فى بريطانيا بل وكل قادتها لهم جوازات سفر بريطانية وأمريكية وكذلك كل أسرهم بل إن التنظيم الدولى للإخوان المسلمين لا يجتمع إلا فى الغرب ( وإياكم أن تظنوا أن المخابرات الغربية بهذه السذاجة وهذه الطيبة والديمقراطية التى تجعلها تسمح لتنظيم قد يشكل خطر عليها بالإجتماع والإقامة على أراضيها فلو كان عندها مجرد شك أن هذا التنظيم قد يشكل خطرا ولو محتمل ولو فى المستقبل عليها لما تركتهم للحظة واحدة على أراضيها ولا منحتهم جوازات سفر) ثم لنتدبر من مول وساعد تنظيم القاعدة بالمال والسلاح ؟ إنها المخابرات الأمريكية , ومن الذى مول داعش وأمدها بأحدث الأسلحة وقام بتدريب أفرادها ؟ ومن الذى صنع حركة طاليبان ومولها فى أفغانستان
إن مصر التى دافعت عن الأمة وردت عنها التتار والمغول والصليبين هى الآن تدافع عنها ضد مخطط ( الفوضى الخلاقة ) التى بشرت به كونداليزا رايس وهيلارى كلينتون ... لقد كان العدو فى الماضى واضحا لا تخطئ العين رؤيته ومعرفته لكن عدونا غير استراتيجيته وارتدى قناعا عربيا إسلاميا فغم الأمر على البعض والتبس لكن من يقرأ التاريخ جيدا يرى منخلف القناع ( الجماعات الإسلامية) وجه الغرب القمئ الذميم وتحت القفاز (الشعارات الإسلامية ) الأصابع الصهيونية ... وإلا بالله عليكم ليخبرنى أحدكم لماذا طوال هذه السنوات لم يقم هذا الفكر وهذه الجماعات بقتل يهودى واحد؟ أو حتى الذهاب إلى القدس لتحريره
أفيقوا أيها العرب إن ليبيا أكبر مثال لمن أراد أن يعرف الحقيقة تعاون الناتو مع هذه الجماعات الإخوانية السلفية للقضاء على الحاكم الظالم لكن لم يكن الهدف إقامة العدالة والشريعة الإسلامية بل كان الهدف هو شهوة الإمارة وشبق السلطة وكان هدف الغرب هو تقسيم ليبيا وتفتيتها وتسريح جيشها ونفس الأمر يتكرر فى سوريا إنها الفوضى الخلاقة مؤامرة تنفذها جماعات يقتلها شبق السلطة وشهوة الإمارة وهذا الأمر كان سيتكررفى كل وطن لولا حفظ الله لمصر المحروسة كنانة الله فى أرضه
أخى الكريم العاقل إن فهمت مقالتى واستوعبت ما فيها فاشكر الله   وإن اختلفت معى فلا تظن بى السوء ولا تتهمنى فى دينى أو وطنيتى فإن ما كتبت هو رأى سياسى وفهم للواقع واستقراء له واستلهام للتاريخ

أخى الكريم المؤمن إن وجدت فى هذه المقالة خيرا وحقا فهذا فضل الله وإن وجدت غير ذلك فمن نفسى ومن الشيطان والله ورسوله براء من ذلك