الأحد، 30 أغسطس، 2015

ثورة على السلبية



لو وزنت أفعالك وأحوالك بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت أفعالاً عادية وليست في نظرك عبادية، كالتأسي به في طريقة الكلام، ومعاملة الأنام والحركة والسير والمشى خالياً أو في الزحام، فكلُّ أفعاله كانت مطابقة للكتاب لأن خلقه كان هو القرآن، وكل أقواله كانت من مشكاة وحى الله فقد كان لا ينطق عن الهوى كما أخبر مولاه، وكما قال لأصحابه أنه لا ينطق في رضا أو غضب إلا بما يرضي الله.

فأنت بمتابعتك له تثاب على ذلك وتؤجر على ذلك، ويصير العمل الذى هو في نظرك عملٌ عاديٌ عبادةً لله جلّ في عُلاه تستحق عليها أعلى أنواع الأجر وأفضل أنواع الثواب وأرفع مقامات التكريم عند حضرة الكريم الوهاب لأنك تشبهت بحضرة النبي الأواب وسرت على هدى السنة والكتاب.

أما لو سار الإنسان في حياته وفي دنياه على ما تأمره به نفسه وهواه ولم يُوفق للتأسى في كل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت أعماله وبالاً عليه يوم يلقى الله، ولا يجد لها حسنة ولا أجراً ولاخيراً ولا برَّاً، بل وأسوأ من ذلك أنه بحاله يصبح مدعاة للتنفير من دين الله ونشر الأمراض القلبية التى تنفر الناس منه ومن نهج حَبيب الله، فأساس الأجور عند الله أن يكون العمل مطابقاً لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه بذلك ينصلح المجتمع ويتقدم ويرقى بفضل إقامة دين الله والتخلق بأخلاق حَبيبه ومُصطفاه.

وقد مشى على هذا المنهاج أصحابه الكرام فأعزّهم الله على جميع أعداء الله وأغناهم الله وجعلهم وجهاء في الدنيا وسادة وعظماء في الآخرة مع حَبيب الله ومُصطفاه، ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه: {إنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بالإسْلاَمِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّه بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ}{1}

فنحن جماعة المؤمنين أجمعين وأتباع سيد الأولين والآخرين نحتاج إلى ثورة داخلية قلبية وصحوة إيمانية ليس في المساجد فقط ولكن في الشوارع والمعامل والمصانع والمدارس والجامعات، ثورة حقيقية لنرجع إلى القيم التى أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونرجع إلى الأخلاق التى كان عليها ونرجع إلى الأحوال التي أمرنا أن نتجمّل بها، فإذا قمنا بذلك مجتمعين وجمعنا قلوبنا على ذلك فإن الله لن يخيّب رجاءنا، بل سيُصلح جميع أحوالنا.

الاثنين، 24 أغسطس، 2015

تربية النبي صل الله عليه وسلم للشباب




فى تربية النبى للشباب نأخذ لمحات سريعة عن قيمة الشباب عند الحَبيب المُصصطفى صلى الله عليه وسلم وكيف كان يتعدهم بالتربية الإيمانية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {أوصيكم بالشبان خيراً ثلاثاً فإنهم أرق أفئدةً، ألا وإن الله أرسلني شاهداً ومبشراً ونذيراً فحالفني الشبَّان وخالفني الشيوخ}{1}

فكانت دعوته أساساً وبداية ونشرها كله على أكتاف الشباب، فتعلمون أدوار عمار بن ياسر وأخته، ودور مصعب بن عمير، وعلي بن أبى طالب، وغيرهم في البداية، وتعلمون هجرتا الحبشة، وكذلك الدور الأعظم للشباب في الهجرة للمدينة، ومساهماتهم المنقوشة بمداد النور مثل عبد الله بن أبي بكر وأخته أسماء، وخادمها عامر بن فهيرة، ودور على بن أبي طالب.

وعلى مسير الدعوة والجهاد تعلمون دور كثير من الشباب كعبدالله بن عمر، وبن عمرو، وبن عباس، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبى بن كعب، وجعفر الطيار، وأسامة بن زيد، وأنس بن مالك، وربيعة بن كعب، وحنظلة غسيل الملائكة، وطلحة بن عبيدالله، وبن الزبير، وأبو قتادة وطلحة بن البراء الأنصاريين، وحبيب بن عدى، وكثير غيرهم رضي الله عنهم، وكذلك شابات كثيرات مثل السيدة عائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وفاطمة الزهراء وغيرهن رضي الله عنهن الكثيرات من بنات وفتيات المهاجرين والأنصار.

وتعلمون أدوار الشباب بعد ذلك لنشر الدعوة في أقطار الأرض، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم من وراء الغيب بالشباب الذين سيكون لهم دور قيادي في الدعوة وتحمُّل مشاق جمع الحديث فقال: {سيأتيكم شبابٌ من أقطار الأرض يطلبون الحديث. فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيرا}{2}

وتعلمون عن جيش أسامة، وكتبة الوحى، والرسل الذين أرسلهم صلى الله عليه وسلم للملوك والأباطرة، ناهيك عن الحروب والغزوات ودور الشباب فيها، وغيرها من مئات بل ألاف المواقف التي لا تحصى ولا تعدُّ للشباب، والتي كان فيها صلى الله عليه وسلم يجهز كلَّ شاب بما يصلحه لمهمته كما أمر زيد بن ثابت لما رأى حفظه أن يتعلَّم السريانية لغة يهود فأتقنها في أسبوعين، وكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم بأسمائهم، ويتابعهم بنفسه في المهام ويسأل عنهم أو ينيب من يفعل.

كما كان صلى الله عليه وسلم يتعهَّدهم ويربِّيهم على الإحساس بقيمتهم حتى كان يستأذن الصبي عن يمينه في دوره في الشرب ليناول الإناء لشيخ عن يساره فلا يأذن الصبى تبرَّكاً بالنبي وفهماً لحقِّه فلا ينهره بل ويناوله إحقاقاً وتعليما للجميع وإشعاراً لهم أنَّ الغلام أو الشاب فاعلٌ كالكبير

وكان يخصُّهم بمزيد المسؤلية ويدرِّبهم على القيادة وتحمِّل المخاطر، لأنهم قوة الحاضر وحكماء المستقبل، وفي ذلك كله يعرف طبيعة سنهم وفورة شبابهم وجموحهم طباعهم فيقول: {الشباب شعبة من الجنون}{3}
ويوصي الكلَّ بالكهول وبأن يرحموا الشباب: {اسْتَوْصُوا بِالْكُهُولِ خَيْراً، وَارْحَمُوا الشَّبَابَ}{4}

ومع تلمُّس العذر لفورتهم يحذرهم من إندفاع شهوتهم: {يَا مَعْشَرَ شَبَابِ قُرَيْشٍ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَلاَ تَزْنُوا، أَلاَ مَنْ حَفِظَ فَرْجَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ}{5}
ثم يكشف للناس قدر هؤلاء الشباب الذين خشعوا لله: {لَوْلاَ شَبَابٌ خُشَّعٌ، وَشُيُوخٌ رَكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، وَأَطُفَالُ رُضَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبّاً}{6}

أما إن أخطأوا فكان صلى الله عليه وسلم لا يقنطهم ولا يعنفهم، ويربيهم على المسارعة بالتوبة، وينصح بالصبر لفقرائهم حتى ينالوا مطلبهم، وبالحياء لفتياتهم فيقول للأمة جميعها: {الصَّبْرُ حَسَنٌ وَلكِنْ فِي الْفُقَرَاءِ أَحْسَنُ، وَالتَّوْبَةُ حَسَن وَلكِنْ فِي الشَّبَابِ أَحْسَنُ، وَالْحَيَاءُ حَسَنٌ وَلكِنْ فِي النسَاءِ أَحْسَنُ}{7}

وكان صلى الله عليه وسلم يربِّيهم على تحصيل العلم، وكثيراً ما عقد لهم الحلقات التعليمية بعد صلاة الصبح يسألهم ويعلمهم، ويخبرهم أن جبريل يأتيه في صورة شاب عند مدارسة العلم ليحثَّهم على تحصيل العلم، ويحثهم على التدبير والتفكير وشغل الوقت بالنافع، وعلى التخطيط السليم للمستقبل باغتنام شبابهم قبل الهرم، والصحة قبل المرض وهكذا.

وعند الزواج كان يحثُّهم عليه لمن قدر، وبحسن الإختيار والجدَّ لمن أقدم، والإقتصاد لمن فعل، وحفظ حقوق الأهل، والصوم لمن عجز.
ولا ننسى التربية العلمية والصحية التي كان صلى الله عليه وسلم يربِّيهم عليها من الإهتمام بالرياضة كالفروسية ورمى النبال والسباحة والجرى وغيرها، ويعلمهم أن لهم فيها الأجر الكبير من الله مع صحة العقل والبدن، ويعلمهم الأخذ بأسباب الرزق من الجد والإجتهاد والتبكير في السعى مع شدة تنمية الشعور بالكرامة وأن اليد العليا خير من اليد السفلى.

وكم حفلت السنة بالمواقف التربوية المتعددة من سؤال وجواب، أو نصح وإرشاد، ومن مواقف التربية العمليَّة للجميع مثل الذى زنا أو أذنب وأتى ليخبره، أو ليتوب، وكالأعرابي الذى بال في المسجد، والشاب الذى جاء يطلب إذناً بالزنا، ومن قطع الصلاة بالتشميت والشحَّاذ والقادوم، أو لما ذهب يحدِّث الجنَّ، أو عند حضور الموت، ومواقف الإستعداد للحرب وأثناءها وغيرها، وهى ثروة تربوية لا تنضب ننصح بإتخاذها مادة لتدريس ورش التربية العملية في كليات التربية وكليات الدعوة.

وفى ركوبه كان صلى الله عليه وسلم يردف الشباب خلفه ليعلي شأنهم، وليلقِّنهم دروس الحياة العملية، أو يستنشد شاعرهم، أو يستتيب مخطئهم، ويرشدهم إذا أساءوا النظر، أو أخطأوا القول أو الفعل، وغيرها من التربية العمليَّة والنظرية، ناهيك عن دروس الطعام، والنظر، والعيادة، والصدقة، والصمت، وإفشاء السلام، وصلاة القيام، وحق الأرحام والكثير بترتيب تربوي معجز

وإذا استرسلنا في تعداد أساليب ومحطات تربية النبي للشباب فضلاً عن الرجال والنساء، فهذا أمر طويل جداً ليس هنا مجاله، المهم أنَّ أصحابه صلى الله عليه وسلم ساروا من وراءه في تربية الشباب على نهجه، فأنفذ أبوبكر الخليفة بعث أسامة وودَّعه راجلاً وأسامة راكباً، والشيوخ وراءه، وغيرها الكثير والكثير

ومرَّ الزمان وجاء عمر رضي الله عنه فكان يربِّيهم بعزم وإتقان فقال لأحدهم لما أخطأ معه واشتطَّ: {إِني أَرَاكَ شَابَّاً فَصِيحَ اللسَانِ، فَسِيحَ الصَّدْرِ، وَقَدْ يَكُونُ في الرَّجُلِ عَشَرَةُ أَخْلاَقٍ: تِسْعَةٌ حَسَنَةٌ وَوَاحِدَةٌ سِيئَةٌ، فَيُفْسِدُ الْخُلُقُ السَّيىءُ التسْعَةَ الصَّالِحَةَ، فَاتَّقِ عَثَرَاتِ الشَّبَابِ}{8}

{وأمر بعض شباب المدينة باعتزال رجل اتهم بالفعل القبيح حفظاً لهم}{9}
بل وكان رضي الله عنه يتابعهم في التربية العملية خطوة خطوة، فقد روى أنه رضي الله عنه رأى أحدهم في طرقات المدينة يتبختر في مشيته ولمح فيه مظاهر العبث والإستهتار التي لا تليق، فزجره وأمره بترك هذا، فتعلل بأن هذه طبيعته ولا يطيق تركها فأمر عمر بجلده، وبعد أيام رآه ثانية على حاله من العبث والتخنث فأمر بجلده مرة أخرى، ولم يمض وقت طويل حتى جاء الرجل أخيراً، وقد استقامت مشيته واعتدل مسلكه وقال: {جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين؛ .. لقد كان الشيطان يلازمني، فأذهبه الله عني بعقوبتك}{10}

وكذا الكثيرون منهم ، كيف تابعوا تربية الشباب المسلم، فمثلاً سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول للشباب عندما يأتونه لطلب العلم: {مرحبا بكم ينابيع الحكمة ومصابيح الظلمة خلقان الثياب جدد القلوب}{11}

وهكذا فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراءه صحبه الكرام شيوخ التربية والإصلاح الأعلام يربُّون الأمة رجالاً ونساءاً وشباباً حتى صاروا كما كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم ليكونوا: {كُونُوا كالشَّامَةِ بَيْنَ النَّاسِ}{12}
فاكتسحوا العالم كلَّه شرقًا وغربًا في أقل من ثلاثين سنة، ولم يقف أمامهم أحد أبداً، ... كيف صار ذلك؟ إنها التربية الإيمانية التى نتحدث عنها.


{1} روح البيان ، وتفسير حقي ونور الأذهان {2} عن أبي سعيد الخدري، شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي {3} عن زيد ابن خالد مسند الشهاب، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن مسعود والبيهقي في دلائل النبوة و أبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال {4} الحاكم في تاريخه والديلمي عن أَبِي سعيدٍ، جامع المسانيد والمراسيل {5} البيهقي في شعب الإيمان والطبراني فى الكبير عن ابن عباس {6} البيهقي فى السنن والْخطيب عن أَبي هُرَيْرَةَ {7} الدَّيلمي عن علي بن أبي طالب، جامع المسانيد والمراسيل {8} عبد الرزاق في الجامع والبيهقي فى السنن عن قبيصة بن جابر الأسدي {9} البيهقى عن عائشة {10} الفقه على المذاهب الأربعة {11} شعب الإيمان، عن عبيد الله بن أبي العيزار {12} رواه الحاكم عن أنس وأحمد والترمذى

الاثنين، 17 أغسطس، 2015

كيف تنهض الأمة من كبوتها ؟

اعلموا علم اليقين أن هذه الأمة لن تنهض من كبوتها ولن تبلغ غايتها إلا إذا اتجهت إلى علوم الوراثة، فمثلا الأوروبيون والأمريكيون قرروا منع المسلمين من تعلم التكنولوجيا النووية، وفرضوا حظرا عليهم بعد أحداث سبتمبر فكيف نتعلمها؟ نتعلمها من العليم، لأن التكنولوجيا النووية عندنا من قبل هؤلاء، وإلا فمن الذي عرف أن الذرة تنقسم إلى مثقال ذرة؟

إنه القرآن الكريم والعلماء به، فعندما يصل الإنسان إلى مقام: "كنت سمعه الذي يسمع به"، ما الذي يغيب عنه من علوم الأكوان؟ وكذلك عندما يتحقق بمقام: "كنت بصره الذي يبصر به"، فما الذي لم يره من حقائق الأكوان؟ إنه لا شك يرى، ويسمع كل شيء في ملكوت الله وملكه، من أين؟ {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} البقرة282

ماذا يعلمنا؟ يعلمنا كل شيء علوم الأجسام، وعلوم العقول، وعلوم النفوس، وعلوم القلوب، وعلوم الأرواح، وعلوم الصناعة، وعلوم الزراعة.وكل أصناف العلوم التي تخطر على البال، أو التي لا تخطر حتى على الخيال. فالذي يعلمها لنا هو الواحد المتعال عز وجل.

و هناك بعض الناس بلغوا بالتكنولوجيا الربانية أنهم كانوا يطيرون في الهواء من غير بدلة فضاء وبعضهم كان يمشي على الماء. وكان كثير من الصالحين يفعلون ذلك، وإذا عددنا هذه الوقائع نحتاج إلى دواوين، لكي نكتب هذه الوقائع التي حدثت للصالحين. وسيدنا رسول الله أشار إلى ذلك فقال: {لو عرفتم الله حق معرفته لطرتم في الهواء، ومشيتم على البحور، ولزالت بدعائكم الجبال}{1}

فالتكنولوجيا الموجودة مع الأنبياء، هي أيضا موجودة مع الأولياء: بماذا كان نبي الله داود يُلين الحديد؟ أبفرن أم بيده؟ والذي صنع السفينة ثلاثة أدوار من غير مسمار، كيف تم له ذلك؟ سيدنا نوح: صنع السفينة من ثلاثة أدوار، وكان طولها مائة وسبعون ذراعا، وكانت تتكون من ثلاثة طبقات: طبقة للوحوش، وطبقة للحيوانات الأليفة، والطبقة الثالثة للأنس من غير مسمار واحد، أين التكنولوجيا التي تستطيع صنع ذلك الآن؟ هل هناك أي دار لصناعة السفن في العالم تمتلك هذه التكنولوجيا الآن؟

ثم دهنها بالقار، حتى لا يكون بها ثقب واحد يدخل منه الماء، ومن العجب انه صنعها بمفرده. فقد زرع الشجر أولا، ثم مكث مائتي سنة حتى صلح لصنع السفينة، ثم قطعه، وجففه، ودفن الشجر في الأرض حتى لا يتشقق كما ألهمه الله، ثم شق الشجر ونجره وصنع منه السفينة العظيمة التي ليس لها مثيل في عالمنا الآن، من أين جاء بهذه التكنولوجيا؟ هذا هو علم الله الذي يعلمه للأنبياء، ويعلمه أيضا للصالحين.

هل هناك الآن تكنولوجيا تبرأ الأكمة، والأبرص، وتحي الموتى؟ كلا، ليس في علوم المادة هذه التكنولوجيا، لكن هذه المادة موجودة وتدرس في التكنولجيا الإلهية الخاصة بخير البرية ويرثها الصالحون عن حضرته صلى الله عليه وسلم، كما ورثها أصحاب رسول الله من قبل، وهناك من الصالحين الآن كثير معهم هذه التكنولوجيا واستخدموها، ومما يوضح ذلك: هل هناك كاميرا تلتقط ما في الصدور؟ وأين هذه؟ نعم هي موجودة مع: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الفتح29

فالكاميرات التي ترى ما في الصدور هي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله}{2}
فالناس غافلة عن أرقى أنواع التكنولوجيا العالية في هذه الحياة، فأنت لكي تسافر تحتاج إلى طائرة أو سيارة: لكن أصحاب رسول الله والصالحون من بعدهم استخدموا التكنولوجيا الربانية.

فسيدي أحمد البدوي عندما جاء من مكة إلى طنطا قطع المسافة في إحدى عشرة خطوة.وكذلك عندما اعترض ابن دقيق عليه، فقال له: إن لم تصمت سأطيَّر دقيقك، ودفعه بيده، فوجد نفسه في بلد بعيدة، فسأل الناس عن المكان الذي هبط فيه؟ فوجد نفسه في بلدة من بلاد الهند. أين التكنولوجيا المادية التي تفعل ذلك؟ لا يوجد

لكن الذي يحقق ذلك: كنت يده التي يبطش بها؛ ولما سألهم عن كيفية الرجوع؛ قالوا: اذهب إلى المسجد فذهب، وانتظر الصلاة، وعندما حضر الإمام وجده سيدي أحمد البدوي، الذي كان معترضا عليه، ويتهمه بترك الصلاة.وبعد انتهاء الصلاة، ذهب إليه واعتذر عما بدر منه نحوه، فدفعه بيده مرة أخرى، وقال له: ارجع لبيتك، فإن زوجتك مشغولة عليك، وهى في انتظارك خلف باب المنزل، فكان الأمر كما أشار.

من أين هذه التكنولوجيا الربانية؟ هي موجودة في القرآن، وتكنولوجيا النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، فالحاسب الآلي أنت توجهه بيديك، لكن الذي معه حضرة الحسيب عز وجل لا يحتاج لأحد يحسب له أي شئ؛ بل يكفيه حساب الله عن جميع الخلق.

الجهاز المركزي للمحاسبات لسيدنا عمر كان في الصلاة: فقد كان يأتيه الولاة في موسم الحج، ولكي يحاسبهم كان يقول لهم: انتظروا، ثم يتوضأ، ويصلى ركعتين وبعد انتهاء الصلاة، يقول يا فلان: أنت حسابك كذا، ويا هذا أنت حسابك كذا، فيقال له: من أين لك هذا؟ فيقول: أخبرني الله به وأنا في الصلاة. أين الجهاز المركزي عند سيدنا عمر؟ كان في صدره فلا يحتاج لمحققين ولا أقلام، ولكن: {إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} الأنفال29
هذا هو الفرقان الذي في صدر عباد الرحمن.

والأمر الغريب: أن التكنولوجيا الحسية ليست صعبة المرام، لأنهم عندما تعلموها، تعلموها من عالم الإلهام الذي ألهم به الله بعض أجناس الحشرات، والفصائل المختلفة في هذه الأكوان. فعندما ترى أي مدنية أوربية مهما بلغت في رقيها، هل تصل في دقتها وانتظامها، وعلو شأنها، إلى ما بلغته مملكة النحل؟ أو مملكة النمل؟ كلا، وهذا مستحيل، لأنهم لو وصلوا لمستوى مملكة النحل؟ لكانوا قد وصلوا إلى الغاية.

لكن ربنا أعطانا الخلافة، وقال لابن آدم: أنت سيد الأكوان، ولكن بشرط واحد: أن تكون عبداً للرحمن، اجعل نفسك عبدا للرحمن، يجعلك الله سيدا للأكوان. والصالحون ذللوا أنفسهم لله، وزينوا أعضائهم بطاعة الله، وجعلوا وجهتهم كلها: في كل عمل، أو ترك، لحضرة الله. وأصبحوا عبادا لله، فذلل الله لهم كل شئ في هذه الحياة.

آفتنا الآن: أننا بعدنا عن المنهج واعتقدنا أن أهل الغرب هم الذين وصلوا للغاية، ويجب أن نتبعهم ونمشى وراءهم، وتركنا العناية. مع أننا نحن جميعا أهل العناية، فلكي نصل إلى أي غاية لا بد أن نسلم لأهل العناية، ونجمل أنفسنا بالرعاية: رعاية أوامر الله، ورعاية محارم الله، ورعاية سنة حَبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم

الأحد، 16 أغسطس، 2015

كيفية الوصول إلى الله ؟




كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصل الإنسان بالله؟

هل لربُّنا زمان أو مكان؟ لا،لكن يَصِلُ قلبه بالله يعنى يصير في حال مع الله عندما يقول: يارب، يجد أمامه إستجابة من الله لكل ما يهواه ويتمناه وإذا لم يصل لهذه المرحلة، نقول له أنت تحتاج إلى علاج، لأن أى مؤمن وأى مسلم قال لنا ربُّنا كلِّنا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر60
فنحن جميعاً - أى واحد منا يدعو لابد أن يستجيب له الله - فإذا لم يصل إلى هذه الحالة، نقول له: أنت لم تصل بعد إلى الدرجة التى يقول فيها الله:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} المائدة27

عالج قلبك أولاً من أجل أن تصل فيه حرارة الإيمان وتتصل بالرحمن، فساعة ما تقول: يارب، تسمعه وهو يقول: لبيك عبدى، تقول: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الله: حمدني عبدي، تقول: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} يقول: أثنى علىَّ عبدي، تقول: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فيقول: مجَّدني عبدي، هذه محادثة بينك وبين من يقول للشيء كن فيكون، محادثة تتم على الأقل سبع عشرة مرة كل يوم هذه هي الغاية من الرسالة

ولذا كان يظلُّ صلى الله عليه وسلم وراءهم إلى أن يوصلهم لهذا الحال، وكان صلى الله عليه وسلم يكشف لهم عن خبيئة نفوسهم ويصف لهم العلاجات المختلفة ليوصلهم لما يجب أن يكون عليه كل مسلم ومؤمن آمن بالله، وصدَّق بحَبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم في حياته وعمله وصلاته وصلته بالله.

فأى مؤمن يقول: {لا إله إلا الله مُحَمَّدٌ رسول الله} ولم يكن في قلبه ولا في نفسه ولا في صدره هذه الأمراض، التى تحجب الإنسان عن تحقيق المراد، يكون بينه وبين الله عَهْدٌ، فعندما يقول: يارب، يجد الله أقرب إليه من نفسه التى بين جنبيه، لأنه عز وجل أقرب إلى كل شىء من نفس الشيء، لكن أنت تركت عدَّة التليفون الخاصة بك التى ولدت بها وهى قلبك الروحاني، ولدت بها صافية سليمة نظيفة على الفطرة، فتركتها للهوى إلى أن صدأت:{إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد}{2}

الأجهزة صَدَأتْ من الأهواء ومن حُبِّ الدنيا وهو رأس كل خطيئة، والسعار عليها بالمشوار، ولن تجلب لك غير البوار، نريد أن نَخْرُجَ من هنا وقد نلنا رضا العزيز الغفار، كيف وقد صدأت وياليتها صدأت فقط بل امتلأت بأمراض وشهوات وفتن حتى اسودَّت مرآتها فصارت لا تشهد حقا ولا تعكس نوراً، فهى تحتاج لإصلاحها

واسمع لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم إذ يقول: {تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَاداً كَالْكُوزِ مُجَخِّيا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفاً وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَراً إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ}{2}

فهذا القلب المسودُّ تحمله بين جنبيك وهو آلة وصلك بالله فتأتي لتتصل به ولكنه لا يعمل، والخط مقطوع والجهاز يحتاج صيانة وتتعجب كيف تدعو الله ولا يجيب، أنت لم تصلح جهاز الإتصال أنت تصلى وتصوم وتقوم الليل وتقرأ القرآن، لكن جهاز الإرسال معطَّل وملوث ولم تصلحه ولم تطهره كما أمر النبى صلى الله عليه وسلم، أنت تحتاج إلى دخول ورشة الإصلاح الإيمانية على الطريقة النبوية وعندما يتم إصلاح قلبك فيا سعدك ويا هناك كلما خاطبت مولاك أجابك وكلما سألته لبَّاك


{1} رواه البيهقي في شعب الإيمان، وعبد الرازق فى الجامع، وأبو نعيم فى الحلية، والخطيب عن عبد الله بن عمر {2} صحيح مسلم عن حُذَيْفَةُ، {أسود مُرْبَادّا: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ، مُجَخِّيَّا: مَنْكُوساً}

الجمعة، 14 أغسطس، 2015

لم انتصر صلاح الدين ؟


لِمَ انتصر صلاح الدين الأيوبي في حطين وقبله نور الدين زنكي الذي كان صلاح الدين قائداً من قادة جنده في معاركه مع الصليبيين؟


والإجابة: لأن في هذه الفترة ظهر كثيرٌ من الشيوخ المُربين، الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ عدىّ بن مسافر وغيرهم من المشايخ في نواحى الأكراد وبلاد العراق والشام وفي مصر، وكان أسُ جند نور الدين زنكي وصلاح الدين من أهل هذه التربية، وكان القادة أنفسهم أيضا على نفس النسق .

ونور الدين زنكي، مع أنه كان حاكم الموصل والشام، فلم يملك قصراً، وكان يسكن في قلعة الحكم، ولا تزيد نفقاته عن أفقر رجل في دولته، وكان له ثلاثة دكاكين اشتراهم من غنيمته في حمص يأكل من ريعهم، وكان يصنع بعض الحرف البسيطة ويعطيها لرجل عجوز يبيعها له سِرّاً ليستكمل نفقته، ولما ضجّت زوجته كلمت أخيها ليحثه على الزيادة، فقال المال مال المسلمين وليس لي، فكيف أعطيها وأترك الفقراء؟ ولكنى أهبها الدكاكين التى اشتريتها من غنيمة حمص، وليس لها عندي غير ذلك.

كان على صلة بالله وبحبيب الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، ولتعرفوا ذلك: حدث في عصره أن يهودياً أرسلته أوروبا مزوداً بكل ما يحتاج من مال ليستخرج جسد النبى صلى الله عليه وسلم ويأخذه إليهم، فذهب الرجل وتظاهر بالإسلام وسكن المدينة وأخذ يُوزع على الناس أموالاً بغير حساب، حتى حسبوه من المُحسنين والمُتصدقين، واشترى داراً قريبة من المسجد النبوي ومن الحجرة الشريفة

وكان يحفر بالليل في الأرض ثم يحمل التراب في كيس ويذهب به زاعماً أنه يزور البقيع ويُلقي فيه التراب، ولما اقترب من الحجرة الشريفة، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى نور الدين زنكي في المنام ويقول: يا نور الدين أدركني وأراه صورة الرجل، لم يذهب إلى حاكم الحجاز أو اليمن، وإنما ذهب لنور الدين، وذلك لصلاحه.

فذهب نور الدين إلى المدينة فوراً ومعه مال كثير، ولكى يصل للرجل دعى كل أهل المدينة ووزع عليهم العطاء، والرجل لم يأتِ، فقال: هل بقى أحدٌ؟ قالوا: بقى رجلٌ محسنٌ، فدعوه، فلم يأتِ، فذهب إلى بيته، فلما رآه عرفه، ففتش البيت فوجد فيه السرداب الذي يقود إلى أسفل الحجرة النبوية، فقتله، وذهب إلى الضريح النبوي وحفر حوله وحصّنه بالرّصاص حتى لا يستطيع أحدٌ أن يصل إليه ولا أن يقترب منه .

كل هذا سُقته لأعرفكم بصلاح هؤلاء من قادوا العباد والبلاد في وسط هذه المهالك، فحقق الله على أيديهم النصر، هذا الرجل كان صلاح الدين أحد قادته. وصلاح الدين الأيوبي وهو من تعرفون، يحكي التاريخ عنه أنه لم تجب عليه الزكاة يوماً في ماله لكثرة إنفاقه وهو في هذا المنصب الكبير، ففى معركة عكّا جهّز الجيش بإحدى عشر ألف فرس على نفقته الخاصة فالنتيجة - والناس على دين ملوكهم – كان أتباع نور الدين والمحيطين بصلاح الدين يتنافسون في هذا الخير وفى هذا العمل.

وكان صلاح الدين مع إنشغاله بأمور دولته وأمور المسلمين لا يترك قيام الليل، وجعل قيام الليل طابوراً ألزم به جيشه وقواته، وكان يُرسل من يفتش عليهم في وقت السحر ليرى ما يصنعون، ليتحقق النصر {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد7
إذاً ما الذي يحقق النصر؟ إنها التربية الإسلامية، والتربية الإيمانية، واليقين، والزهد في الدنيا والأهواء والشهوات

ولنسير مع التاريخ حتى نصل إلى حقبة فاصلة تاريخياً وجغرافيا، قال صلى الله عليه وسلم: {لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش}{1}
حاول المسلمون أن يفتحوا القسطنطينية فلا يستطيعون ويعودوا، وهكذا، إلى أن جاء السلطان محمد الفاتح، وكان السلطان محمد الفاتح يتربَّى تربيَّة روحيَّة على يد رجلٍ تركي من الصالحين وإسمه بالتركية {آق سُنجُر} وكان رجلاً مُكاشَفاً، وكان السلطان لا يفعل شيئاً إلا إذا استأذن شيخه

فلما حاصر القسطنطينية ، استأذنه عدَّة مرات أن يبدأ في فتح القسطنطينية؟ فيقول له إنتظر، حتى جاء في يوم وقال له: {ابدأ اليوم فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى وعبر إلى الجانب الذي فيه الروم} وهنا قد أتى النصر، أمر الجند بالهجوم، فنظروا فوجدوا باباً في الحصن تُرك صدفة ولا يعلمون من فتحه، فدخلوا منه وفتحوا باب الحصن وكان سببا في النصر. ما السبب؟ كان سبب النصر هذه التربيَّة الربانيَّة التى كانوا عليها.

فإذا نظرت في التاريخ إلى بلاد المغرب، تجد أن الدول التى كان لها صولة وجولة في ردّ أعداء الإسلام وخدمة المسلمين، دولاً أعظمها دولة المرابطين ودولة الموحّدين، وكلهم بنفس الكيفية من التربية الإيمانية الصوفية. فمنشأ المرابطين، كان رجلاً صالحاً إسمه عبد الله يس، وكان يسكن جزيرة، واجتمع عليه كثير من المُريدين فربَّاهم على الروح الإسلامية والقيم القرآنية، فلما زاد عددهم كلفهم بالجهاد

وفي هذا الوقت كان الفرنجة في بلاد الأندلس قد اكتسحوا جزءاً كبيراً من بلاد المسلمين نتيجة لميل حكام المسلمين للهو والغناء والترف وترك الجهاد وتقاتلهم على الإمارة واستعانتهم بأعدائهم على بعضهم حتى أن آخر خليفة منهم، وهو يوسف الأحمر، لما دخلوا غرناطة – درة أوروبا وقتها- بكى، فقالت أمه : أتبكي مثل النساء على مجدٍ أضعته بين الغوانى والمعازف والملاهي وتركت الجهاد.

فذهب المرابطون وكانوا من أقوى الجيوش في العالم وقتها، وأدّبوا الفرنجة ووصلوا إلى حدود فرنسا وكادوا يجتازوا الحدود ويدخلون فرنسا، ثم اتجهوا صوب الجنوب في أفريقيا ونشروا الإسلام في موريتانيا والسنغال ومالي والنيجر ونيجيريا، ولذلك هذا الحزام الصحراوي كله مسلمون، من أين ذلك؟ من هؤلاء. ومن بعدهم جاءت دولة الموحدين وكانت على شاكلتهم في التربية الإيمانية، والإسم واضح: مرابطين لأنهم مرابطون، وموحدين لأن رسالتهم نشر توحيد الله.


{1} الإستيعاب في معرفة الأصحاب، عن الخثعمى


الاثنين، 3 أغسطس، 2015

نبوءة الرسول صل الله عليه وسلم



إن رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم قد نفذ ببصيرته النورانية من خلال حجب الزمان والمكان وأطلعه مصرِّف الأكوان نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة على ما سيكون في مستقبل الزمان، فأخبرنا صلى الله عليه وسلم عن أيامنا هذه، وخبَّرنا ما سيحدث لنا فيها، وما سيحدث بيننا وحولنا وكأنه يعيش بين ظهرانينافقد قال صلى الله عليه وسلم: {ستكونُ فِتَنٌ }{1}،
 ووصفها صلى الله عليه وسلم وصف الرائى بعينيه فقال في روايات عدة: { فِتَنٌ كَقِطِعَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضِ الدُّنْيَا}{2}
وأخبر بتلبُّسها على الناس واشتباهها عليهم فقال: 7
{مشتبهةٌ كوجوهِ البقَر، لا تدرون أيُّها من أيِّ الفتن}{3}
وأخبر أيضاً بترادفها وبتتابعها واشتدادها: {يتبَعُ آخِرُها أولَها، الآخرَةُ أشدُّ من الأُولى}{4} ووصف صلى الله عليه وسلم شدة تأثيرها قائلاً: { فتَصْدُمُ الرَّجُلَ كَصَدْمِ جِباهِ فُحُولِ الثِّيرَانِ}{5}
يكفي هذا؛ ثم نعود لحديث عليّ رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: {ستكونُ فِتَنٌ، قلتُ: وَمَا المخرجُ مِنْهَا، قالَ: كتابُ اللَّهِ، كتابُ اللَّهِ فيهِ نبأُ مَا قبلَكُم وخَبَرُ مَا بعدَكُم، وحُكْمُ ما بينكُم، هُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بالهزلِ، هُوَ الذي منْ تركَهُ مِنْ جبارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابتغَى الهُدَى في غيرِهِ أضلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المتينُ وَهُوَ الذِكْرُ الحكيمُ، وَهُوَ الصراطُ المستقيمُ، وَهُوَ الذي لا تزيغُ بِهِ الأهواءُ، ولا تلتبِسُ بِهِ الألسنةُ، ولاَ يشبَعُ مِنْهُ العلماءُ، ولا يَخْلَقُ عنْ كَثرةِ الردّ وَلاَ تنقَضِي عجائبُهُ، وَهُوَ الذي لم ينتهِ الجنُّ إذْ سَمِعَتْهُ أنْ قالوا: {إنَا سَمعنا قرآناً عَجباً}، هُوَ الذي مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عمل بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إليهِ هُدِيَ إلَى صراطٍ مستقيمٍ}{6}
وسأزيدكم حديثا فوق هذا الحديث وهو حديث شريف أنتم أيضا تعرفونه جميعاً منذ الصغر بل تحفظونه بروايات، قال صلى الله عليه وسلم: {إِنِّي قد خَلَّفْتُ فِيْكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا، أو عَمِلْتُمْ بِهِمَا: كتابَ الله وسُنَّتِي، ولَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحوضَ}{7}
وما الجديد هنا؟ كلنا نعرف أن الإصلاح في الكتاب والسنة، والسبيل من الكتاب والسنة، والواقع يحكى أنَّ القرآن وكتب الحديث صارا في كل مكان في المساجد والبيوت والسيارات والجيوب، نسخاً ورقية وأخرى رقمية على المحمول والكمبيوتر وغيرها وصرنا ما شاء الله قد كثر القراء والحفَّاظ والفقهاء والوعاظ، ما أكثر التسجيلات والفضائيات وقرآن يتلى بالليل والنهار وما أكثر الإذاعات والإنترنت والمعاهد العلمية والجامعات الدينية ودور التحفيظ والجماعات الدينية وحتى كل ما هو وراء الخيال
هذا هو الواقع فلمَ زادت الأغلال وساءت الأحوال؟ لِمَ يزداد الحفاظ والقرَّاء ويتزايد الجهَّال ويزيد الفقراء؟ لِمَ يزداد الوعَاظ ويقل الإتعاظ؟ لِمَ لمَّا استوطنت علوم الدين ديارنا رحلت الراحة السعادة عن بيوتنا؟ لمَ يهرب المسلمون من الديار لموطن الكفَّار والفجَّار، ويرفض هؤلاء أن يأتوا بلادنا إلا بقدر ما ينهبون ثرواتنا ويسلبونا خيراتنا ويزرعوا المزيد من الشقاق والبغضاء بيننا؟.
ما الأمر إذاً؟ وكيف صرنا إلى ما نحن فيه؟ هل هى إزدواجية نحياها؟ أم قضية التبست علينا فحواها؟ هل خطة الإصلاح واضحة؟ أم هو فقط تشدُّقٌ بالكلام أو إلقاء الملام، أم بحث عن أدوار في الزحام؟ هل هو كل هذا معاً؟ أم اختلطت الحلول وأظلتنا فتن نبوءة الرسول؟ أليست تلك هى الفتنة أيها الناس؟ أليس هذا هو الإشتباه والإلتباس الذى حذَّرنا منه سيد الناس؟ فتنٌ مشتبهةٌ كوجوه البقر، ألا تكاد الرؤوس تتحطم من هول ما يجرى وصرنا كمن صدمتهم فحول الثيران، ونكتفي بتلك الإطلالة عبر الغيوب الآن بعد عودتنا للواقع المدان
 وتعالوا لنستكمل معاً جولتنا عبر المدخل إلى الإصلاح ولنا فيها سؤالان:
أولاً: من يقود مهمة الإصلاح؟
ثانياً: ما أساس أو ما سرُّ النهضة الإصلاحية على الحقيقة؟

{1} سنن الدارمي عن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه {2} مصنف ابن أبي شيبة عن أنس {3} نعيم بن حماد عن حذيفة بن اليمان {4} عنْ أبي مُوَيْهِبَةَ ، مولى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، سنن الدارمي {5} عن جُندب بن سُفيانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَجِيلَةَ، مصنف بن أبي شيبة {6} سنن الدارمي عن على رضي الله عنه وكرم الله وجهه، ومثله فى الترمذى {7} المستدرك على الصحيحين، والسنن الكبرى للبيهقي عن أبى هريرة رضي الله عنه
 

الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

كيف كان النبي يفطر ويتسحر ؟


تعالوا نقتطف جزءاً يسيراً من هديه الشريف صلَّى الله عليه وسلَّم في رمضان تعجيل الفطر وتأخير السحور، ويقول في ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم: { لا تَزَالُ أُمَّتِي بخيرٍ ما عَجَّلُوا الإفْطَارَ وأَخَّرُوا السُّحورَ }(1)

وكان فطره صلَّى الله عليه وسلَّم على رطب يعني: البلح الطازج فإن لم يجد فعلى تمرات يعني: البلح الجاف وكان يضعه في الماء حتى يكون له مفعول الرطب، فإن لم يجد فعلى مزقة لبن، فإن لم يجد يتجرع قليلاً من الماء.

وهنا يظهر لنا جماعة المؤمنين حكمة النبي الكريم وأنه كما قال الله عزَّ وجلَّ في شأنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (3، 4النجم)،
فقد بيَّن الدكتور أنور المفتي أسرار الإفطار على التمر أو الرطب أو أي شئ حلو فقال: (إن المعدة تكون آخر النهار خالية من الطعام، والأعضاء قد أصابها شئ من الفتور والكسل لنقص إمدادها بالغذاء، فإذا أكل المرء عقب الإفطار مباشرة شيئاً من البروتينات اللحوم أو الأسماك أو ما شابهها استغرقت أربع ساعات حتى تهضم وتصل إلى الأعضاء، وإذا أكل شيئاً من الدهون مكث هذا الطعام ست ساعات حتى يتم هضمه وتحويله إلى المادة اللازمة لغذاء الأعضاء،

أما التمر والرطب والشئ الحلو فلا يستغرق أكثر من خمس دقائق حتى يصل إلى جميع الأعضاء فينشطها وينبه المعدة لتفرز عصارتها وأنزيماتها حتى تكون جاهزة لاستقبال الطعام)،
 وصدق الله عزَّ وجلَّ إذ يقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (7الحشر).

ثم كان صلَّى الله عليه وسلَّم يقوم بعد ذلك لصلاة المغرب، وتلك الفترة كافية لتجهيز المعدة والأمعاء والأعضاء لاستقبال الطعام بعد الجوع الطويل، لكن هذا لا يكون لغير القادرين ولا يكون تكليفاً شاقاً على الصغار والكبار،

فإذا كان ربُّ الأسرة لا يستطيع أن يفارق أولاده عند الإفطار، فعليه أن يفطر معهم ويصلي المغرب بعد ذلك، أما إذا كان يستطيع ومن معه أن يؤدوا صلاة المغرب ثم يتناولون طعام الإفطار فهو أفضل لأن في ذلك حكمة بالغة،

فإن أداء الصلاة يجعل الأعضاء تنبعث فيها الحياة، فإذا قعد المرء بعد ذلك على الطعام لا يأكل بشراهة وبذلك لا يتعب المعدة، ولا يُصاب بالتخمة، ولا ينتابه الكسل والوخم الذي ينتاب كثيرين من الذين لا يستطيعون إمساك أنفسهم عند طعام الإفطار.

ومن هديه صلَّى الله عليه وسلَّم في السحور ما روى عن زيد بن ثابت رَضِيَ الله عنه: { تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلاَةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً }(2)

، يعني: ما يعادل حوالي ثُلث ساعة، أو ما نسميه في عصرنا بمدفع الإمساك. لماذا أخَّر النبي الكريم في كل أحواله طعام السحور إلى ما قبل الفجر ولم يفعل كما نفعل الآن نسهر إلى الواحدة أو الثانية ثم نتناول السحور وننام؟ لحكمة بالغة يعلِّمها لنا المصطفى عليه أفضل وأتم الصلاة والسلام،

فإن المرء إذا أكل قبل الفجر بثلث ساعة، ثم قام وتوضأ، فالوضوء ينشط الأعضاء والفترة التي يقضيها بعد ذلك في صلاة الفجر تعمل على هضم الطعام، فحركات الصلاة كلها تساعد المعدة والكبد وغيرها على إفراز عصارتها التي تعمل على هضم الطعام، فإذا صلى الفجر حتى ولو كان متعباً، ونام ينام منشرح الصدر نشيط الروح لا يحسّ بوخم ولا تعب.

أما الذي يأكل في الواحدة أو الثانية وينام فإنه من المؤكد لا يصلي الفجر حاضراً، لأن الطعام بما فيه من وعملية الهضم تسحب الدم فيقل ما يذهب لأعضائه فيصيبها الجمود والخمول ويستغرق بالنوم، فلا يستطيع القيام لصلاة الفجر، ويحرم نفسه من هذا الأجر العظيم،

ثم بعد ذلك يظل طوال يومه كسول النفس، سقيم الصدر، يحسُّ بالوخم، ويحسُّ بالثقل، لأنه أكل ونام ولم يعط لأعضائه فرصة لهضم الطعام

فما بالكم إذا كان الصائم طفلاً صغيراً، فإن الأطفال في مرحلة التكوين ويحتاجون في بناء الخلايا إلى بعض البروتينات وأن يكون وقت صيامهم غير طويل، لأنه إذا أكل ونام وهضم الطعام في أول النهار، واحتاج الجسم إلى غذاء ماذا يفعل؟

تتوقف عملية البناء لحاجة الجسم للغذاء لعدم وجود الطعام، فيُصاب الطفل بالضعف وما شابه ذلك. لكننا إذا أطعمناه قبل صلاة الفجر، ونام بعد صلاة الفجر، فإن الطعام يمكث في بطنه فترة طويلة، فلا يُصاب بالضعف ولا بالسقم، وكلنا نلاحظ هذا على أولادنا عند الذهاب للمدارس فى رمضان، فلو تسحروا قبل الفجر يعودوا نشيطين من المدرسة، ولا يشتكون إلا قليلاً

ومن هديه صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة القيام، لماذا سنَّ لنا صلاة القيام؟، لهضم الطعام، فلم يكن في زمانه أدوية كالتي عندنا الآن، ولا مشروبات تعمل على هضم الطعام، فسألوه عن كيفية هضم الطعام للصائمين، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: { أذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ والصَّلاةِ، ولا تَنَامُوا عَلَـيْهِ فَتَقْسُوَ لَهُ قُلُوبُكُمْ }(3)

فإن الدم يتجمع للمعدة بعد الطعام من أجل الهضم، ويقل من بقية أجزاء الجسم، مما يجعل المرء يشعر بشي من الكسل، فإذا صلَّى فعند ركوعه تضغط أعضاؤه على معدته وعلى كبده فيفرزان العصارات اللازمة للهضم، فإذا سجد على جبهته نزل الدم إلى رأسه فحرك مخه وردَّ إليه شيئاً من يقظته، وبتوالي حركات الصلاة التي نؤديها لله في صلاة القيام يتوالى على الجسم عملية هضم الطعام وتمثيله الغذائي بكيفية مريحة للمعدة ومنبهة للأعضاء

. فما أصدق قول الله عزَّ وجلَّ لنا جماعة المؤمنين: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (21الأحزاب).
أيضاً من هديه فيما ذكرناه أنه وأصحابه لم يكونوا يظهرون اهتماماً بالغاً كما نفعل بطعام الفطور، بل كانوا يرون من العيب ومن الذنب أن يفكر الإنسان فيما سيفطر عليه قبل ميعاد الغروب، لأنه بذلك اشتغل عن علام الغيوب عزّوجلّ وكان يحثهم على ضرورة السحور ويقول في ذلك صلَّى الله عليه وسلَّم لمن لا يستطيع الأكل: {تَسَحَّرُوا ولَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ ماءٍ}(4)ويقول لهم: { هَلُمُّوا إِلَى الغِذَاءِ الْمُبَارَكِ }(5)، ويقول لهم { تَسَحَّرُوا فإنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً}(6).

قال صلَّى الله عليه وسلَّم: {أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ بَرَكَةٍ، فِيهِ خَيْرٌ، يُغَشيكُمُ اللَّهُ فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطُّ فِيهِ الْخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرَاً، فَإنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ}
(7).

(1)عن أبي ذر رواه أحمد.
(2)رواه الإمام البخاري عن سيدنا زيد بن ثابت رَضِيَ الله عنه.
(3)عن عائشة رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب النبوي.
(4)عن أنس رواه أبو يعلى.
(5)مصنف ابن أبي شيبة عن أبي رهم السماعى
(6)إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام ابن دقيق العيد عن أنس رَضِيَ الله عنه.
(7)رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت رَضِيَ الله عنه.

http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...D1&id=39&cat=3

منقول من كتاب {الخطب الإلهامية_ج5_رمضان_وعيد_الفطر}
اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً


اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي