Disqus for ومضات إيمانية

السبت، 30 يونيو، 2012

الهدى الإسلامى فى الزواج




المثلث الإسلامي: التيسير و الْمِثْلُ و الوسطية
النهج الإسلامي بصفة عامة يقول فيه الحبيب المحبوب والذي هو أشفق بنا من أنفسنا وأرعى لحقوق أبنائنا وأخوف عليهم منا عليهم قال رسولُ الله{خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقاً}[1] ويقول أيضا {مِنْ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا تَيْسِيرُ مَهْرَهَا وَأَنْ تُبَكْرَ بِالإنَاثِ }[2] وقد دعا الله إلى اليسر ودعا النبي إلى اليسر وقَنَّنَ الفقهاء هذا اليسر بأن يكون الأمر على حسب الوسطية الإسلامية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} والوسطية هي ألا يكون هناك إفراط ولا تفريط بمعنى ألا يكون هناك زيادة عن الحد ولا مبالغة في النفقات في نفس الوقت لا يكون هناك إخلال أو تقصير بحيث أننا نبخس القوم حقهم لماذا أقول هذا الكلام؟لأن بعض إخواننا من بعض الجماعات الإسلامية المتشددة أفرطوا وهذا التفريط في الفترة السابقة وقالوا: إن الرسول لم يتزوج بغرفة سفرة ولا غرفة نوم ولا غرفة صالون ولا كان عنده ثلاجة ولا غسالة ولا بوتاجاز فتسألهم إذاً ماذا نفعل؟ يقولون لك : نعمل مثل ما كانوا يعملون في الزمن الأول نتزوج على حصيرة ومرتبة وبدلاً من الدولاب حبل نعلقه في الركن ونضع عليه الملابس وبدل البوتاجاز نستخدم الوابور الجاز ونمشى على كده وهم لم يكتفوا بقول ذلك بل وأرادوا تنفيذ ذلك على المجتمع كله وللأسف رأوا أن الذي يخالفهم خارج عن الدين طبعاً هذا إفراط زيادة عن اللزوم طبعاً الإسلام ليس هكذا الإسلام دين الوسطية والوسطية كما ما تحدثنا لا إفراط ولا تفريط يعنى لا مغالاة في الحقوق ولا ترك لها النهج الإسلامي هو نهج المثل طبعاً هذا الكلام في كل حاجة ودعونا نأخذ الأمور واحدة واحدة ولنبدأ من البداية من رأس الإتفاقات [المهر] على الأسس التي ذكرنا قال الفقهاء أن العروس يكون لها مهر المثل، المثل ماذا؟ يعني مثل من في طبقتها الاجتماعية ومؤهلاتها التربوية وفي الحياة العامة حسب نهج الوسطية طيب والشبكة ما هي علاقتها بالمهر ؟أصبحت الشبكة في زماننا تعتبر هي الشيء الوحيد الذي يقدم 
كمهر للعروس لماذا ؟ لأن المهر في النهج الإسلامي هو ما يدفعه العريس ... يدفعه للعروس نفسها لها هي وليس للبيت ولا للجهاز ثم بعد ذلك عليه أن يجهِّز بيته بما يليق إذاً المهر ليس له دخل بالجهاز وهذا هو المتبع في الدول العربية يدفع العريس مهره، ثم يجهِّز بيته على حسب الوسطية والوسط الذي يوجدون فيه ولكننا هنا في مصر فقد راعى الأئمة والفقهاء ظروف الناس وقالوا: مادامت الحياة الاقتصادية فيها قلة وفيها عوز والتكاليف مرتفعة إذاً لا يوجد مانع من إن المهر الذي هو حق العروسة الشخصي أصلا إنها هيَّ تجهِّز به ما يستلزمه منزل الأسرة على أن تكون هذه الأشياء لها ملكها لأنها تعتبر مدفوعة من مالها من مهرها في هذه الحالة وطالما أن الزوجة هنا ستساعد بمهرها في الجهاز ماذا نفعل؟نكتب لها ما يسمى بـ"القائمة" لأن هذه الأشياء التي جهزناها في المنزل من مهرها هي حاجتها لأن المهر لها ويخصها ولأن المفروض تجهيز الأثاث والفرش واجب على من ؟على العريس فما دامت هي التي جهزت يصبح هذا الجهاز ملك من؟ يكون ملكها فضماناً للحقوق نعمل ""القائمة""، وتكون هذه "القائمة" شرعية لأنها هي الحفظ لهذه الحقوق ولو طبعاً الذهب الذي في الشبكة يبقى من ضمن الهدية ويكتب أيضا في القائمة ضماناً للحقوق ولذلك يمكن كثير من الخلافات تأتى عندما يعقدوا القران لأن المفروض أن يكون المهر خالصا عند القران أي تمَّ دفعه إذاً يكون المفروض مع عقد القران أن يكتبوا معه القائمة لأنهم بيكتبوا إن المهر قد استلمته العروس ؟ أين هذا المهر؟ وهو سيدخل في الجهاز ؟إذاً تكتب القائمة مع عقد القران لأنها هي التي تثبت تسلم العروس للمهر أو على الأقل تثبت حقها في هذا المهر الذي سيدخل في الجهاز ولم يصل ليدها عملياً من المهر غير الشبكة 

[1] صحيح ابن حبان والطبراني عن ابنِ عبَّاس
[2] رواه الديلمي عن عائشة مرفوعاً









الاثنين، 25 يونيو، 2012

أسباب تأخر زواج الصالحات




النهج الإسلامي في الزواج
إن الإنسان إذا نظر إلى هذا الدين القويم يجد فيه عجباً فهو يلبي كل ما يحتاج إليه الإنسان ولما كان الإنسان روح وجسم وقلب وعقل ونفس وفؤاد فإن هذا الدين جعل لكل حقيقة في الإنسان غذاؤها وشفاؤها من كتاب الله ومن سنة حبيب الله ومصطفاه فالأمر كما قال الله عن كلامه الكريم وعن دينه القويم
{لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}
ولما أراد الله بقاء نوع الإنسان جعل جاذبية إلهية في الإنسان في الرجل نحو المرأة وفي المرأة نحو الرجل وأراد الله للإنسان بلوغ الكمال فنظم هذه الغريزة وجعل لها منهاجاً واضحاً وطريقاً بيناً وسبيلاً واضحاً في كتاب الله وفي سنة رسول الله فجعل الحصول على هذه الغريزة من طريق حلال وهو الزواج وحرم الحصول عليها من طريق معوج وهو الطريق الذي لا يرضاه دين ولا يكون على شرع قويم ولذلك قال الله 
{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً }
طريق سيئ لأنه طريق معوج بعيد عن كتاب الله فجعل الله الزواج على الهدى القرآني وعلى السنن النبوي فيه كل ما تحتاج إليه حقائق الإنسان وعمارة هذه الأكوان وقد امتلأت الكتب والمصنفات وامتلأت الأسماع بما تحدث به المتحدثون من العلماء الأقدمين والمحدثين بالشروط والأسس التي عليها يختار المسلم زوجته و التي عليها توافق الفتاة المسلمة على الشاب المتقدم لها ونحن لن ندخل في هذه التفصيلات فهي أكثر من معلومة ومشهورة للجميع ولكننا نبدأ بموضوع في هذا الباب يشغل أذهان الكثيرات منكن أيتها الأمهات ومنكن أيتها الفتيات المسلمات المؤمنات القانتات ألا وهو :
لماذا يتأخر زواج الصالحات؟
فإنه قد وصلني الكثير من الأسئلة من الأمهات والآباء والأخوة والأخوات يقولون فيها:إن ابنتي أو أختي فتاة صالحة وتقية ولا عيب فيها فلماذا لا يتقدم إليها الشباب؟ في حين أننا نرى أن غير الملتزمة بأحكام الله والتي قد تلوث نفسها أو تلبس القصير من الملابس أو المثير منها والتي تكشف شعرها وتكلم هذا وذاك وتقصد بهذا الكلام أن الله يسهل لها في الزواج وتتزوج بسرعة حتى وصل الأمر ببعض الأمهات وهذا ما نجده كثيراً قد يحدث عندما تجد أن ابنتها ملتزمة فتأمرها بكشف شعرها وتنصحها بأن تظهر جزءاً من رجليها لكي يراها الناس ويشاهدوا جمالها ولازم تمشي أمورك ثم تفعلي ما تريدين بعد الزواج بمعنى أن الأم نفسها قد تدعوها لعدم الالتزام من أجل الزواج وأحيانا تفرض ذلك عليها وتقول لها : بعد ما نسلمك لزوجك وتروحي بيتك عندها إفعلى ما تشائين ما الحكمة يا إخواني في هذا الموضوع؟ أحد الحكماء قال في هذا الأمر وأشباهه وأمثاله "من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم" فإذا نظرت للناس نظرة شرعية فقط ستخاصم جميع الخلق لأنهم غير ملتزمين من وجهة نظرك ولو جاهدت نفسك قليلاً ونظرت تجد أن الحياة قد دفعت الكثير لتجاوزات لا نبررها ولكنا نقول كما قال النبي اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون ومن ضمنها عزوف الشباب عن الصالحات وهن من يقول فيهن النبي{الْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ فِي النسَاءِ كَالْغُرَابِ الأَعْصَمِ فِي الْغِرْبَانِ فَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ لِلْسُّفَهَاءِ وَإِنَّ النسَاءِ أَسْفَهُ السُّفَهَاءُ إِلاَّ صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالسرَاجِ}[1] يعني الأبيض وسط مائة غراب يعني كل مائة امرأة تجد منهن امرأة صالحة فكيف أن الصالحة ليس عليها طلب والأخرى الغير ملتزمة يتنافس عليها الشباب؟ربنا سنَّ لنا قانوناً في قرآنه الحكيم قانوناً نافذاً لا يتبدل ولا يتغير{الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}فالفتاة الطيبة لا بد أن يأتي لها ربنا بشاب طيب وكم عددهم فيما حولنا ؟قال الله{ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}وقال في الوجهة الأخرى {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} إذاً فالخبيث كثير ونضرب مثلاً لتوضيح هذه الحقيقة : رجل فلاح وكان ساكن في منطقة الدقي وكانت مازالت الأرض الزراعية التي تغذي القاهرة باللبن ومنتجاته وذلك في الثلاثينات من القرن الماضي اشتكى هذا الرجل لأحد الصالحين أن زوجته تخرج في الصباح باللبن لتبيعه ولا ترجع إلا آخر النهار مع أن جيرانها ومن حولها يخرجون باللبن ويرجعون خلال نصف ساعة فقط وقال للرجل الصالح إنني أشك في سلوكها بسبب تأخرها خارج المنزل وكانوا يعرضون على الشيخ المربى كل صغيرة وكبيرة في حياتهم لكي يأخذوا الإجابة الشافية، كما أمرت بذلك السنه ( ولا ندم من استشار – الحديث )، فقال له الشيخ : أتريد أن تعرف السبب؟ قال: نعم قال: غداً إن شاء الله وبعد أن تحلب اللبن ضع قليلاً من الماء على اللبن بدون أن تعرف زوجتك فوضع على اللبن ماء وخرجت زوجته لبيع اللبن كعادتها ولكنها رجعت بعد نصف ساعة فقط فاستعجب الرجل وذهب للشيخ وهو مذهول فقال له الشيخ: تريد أن تعرف السر؟ قال: نعم قال: يا بني إن زرعك حلال ولبن مواشيك حلال وأنت تريد مقابل ذلك قرشاً حلالاً والقرش الحلال عزيز فزوجتك منذ خروجها من المنزل تبحث وتبحث إلى أن يقدر الله لها قرشاً حلالاً فتأخذه وتعطيه اللبن لكن الآخرين يخلطون اللبن بالماء وزرعهم به حرام ومواشيهم تأكل الحرام والمال الحرام كثير فعندما يخرجون لبيع اللبن يبيعونه بسرعة فعرّفنا أن الحلال عزيز،وهذا ما قاله رجل من الصالحين الأولين وهو الشيخ أبو سليمان الدارني وكان من الصالحين قال "شيئان عزيزان ولا يزيدان أبد الدهر إلا عزاً هما :درهم حلال وأخ صادق تسكن إليه" وهي أشياء عزيزة في كل زمان ومكان وعملة نادرة مثل الذهب {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ} لكن {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} وهن اقل في المقام {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} أيضاً أقل في المقام ممن قبلهن {وَاضْرِبُوهُنَّ} وهن الأقل مقاما ولذلك فالفتاة الصالحة يلزمها أن تصبر إلى أن يبعث الله إليها رجلاً صالحاً ولما نقرأ القرآن نجد هذا الكلام بنت سيدنا شعيب وهو نبي ومن الأغنياء والوجهاء والأثرياء لكن لم يخطبها أحد من قومها إلى أن بعث الله لها رجل من مصر رغم طول السفر فقطع صحراء سيناء كلها إلى أن ذهب إلى مدين وهي الأردن الآن؟ وهذه الفتاة بلغت الذروة وقد أعطانا الله مؤشراتها الإيمانية والفطانة والذكاء وقد بلغت الغاية في الاثنين قالت{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} فقال لها أبوها: من أين عرفت أنه قوي أمين؟لأنه تقرير وكان يناقش معها التقرير مع أنها ليست معها دكتوراه أو خلافه ولكنها تفوق من معها دكتوراه في الفكر فقالت: عندما ذهبنا لسقي الغنم كان القوم قد فرغوا من سقي أغنامهم وغطوا البئر والحجر التي غطوا بها البئر لا يستطيع أن يرفعه إلا ثلاثون رجلاً مجتمعين فلما وجدنا غير قادرين على رفع الغطاء رفعه وحده فعرفت أنه قوي قال: والأمين؟ قالت: سرت أمامه لأدله على البيت فرفعت الريح ثوبي فأوقفني ثم مشى أمامي وقال: امشي خلفي وأشيري لي بحصاة يميناً أو يساراً فعرفت أنه أمين ومع تلك الخصال الحميدة فيها لم يتقدم لها الخطاب من قومها لكن لم يتركها ربنا إلى أن جاء لها بمن يناسبها وإن كان أتى من مصر وذلك لكي يعرفنا ربنا أن {الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} ولكن الموضوع يحتاج إلى الصبر – وهذا الرجل الذي جاء إليها من مصر لن يتزوجها على الفور لأن فترة الخطوبة ستستمر عشرة سنين إلى أن يدفع المهر وكان المهر أجر رعية للغنم لمدة عشر سنين فقد قال له شعيب: إن مهر ابنتي أن تعمل في رعي الغنم عندي ثمان سنين أو عشر كما تحب أن تختار فالمفروض كشاب أن يختار الثمان سنين ولكنه قال:لا وقد سئل رسول الله:أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأوفاهما وأبرهما لأن الأنبياء يأخذون بالعزائم وكان مهرها عشر سنين مع أنه كان يعيش معهم في بيت واحد وهذا صبر أعظم وأكرم فكل ما قلناه لكي نعرف ونتيقن أنه أمر الله ولذلك ورد في الأثر {كل فرج مكتوب عليه ناكحه إلى يوم القيامة}ولم يقل كل زوجة مكتوب عليها ناكحها لأنه من الجائز أن نعقد العقد ويشترون الجهاز وليلة الدخلة يتم انفصال ولا تكون زوجته ألا يحدث ذلك كثيراً؟ لكن متى تكون زوجته بالفعل؟ بعد أن يتم الدخول فإذا عرفت المؤمنة هذا الأمر فعليها أن تسلم لله وتجعل اعتمادها وأمرها على من لا تخفى عليه خافية {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} طبعاً سنقول أن وسائل الإعلام والدش وخلافه هي التي تؤثر في الشباب فكلها أسباب ولكننا وضحنا الحقيقة التي يريدها العزيز الوهاب والحقيقة هي أن الله يريد الطيبون للطيبات والطيبون قليل وكذلك الطيبات قليل إذاً الرجل الصالح الذي يريد أن يتزوج لا بد أن يتعب ويبحث إلى أن يجد الزوجة الصالحة التي تناسبه والفتاة الصالحة أيضاً يجب عليها أن تصبر إلى أن يأتيها الله بالرجل الصالح الطيب المناسب لها وبعض الناس يقولون: لماذا فلانة؟ أو لماذا فلان؟ لا شأن لنا بذلك لأنه لو قلنا لماذا؟ فقد ورد في الأثر ولأنها أرزاق أيضاً {إذا أبغض الله عبداً رزقه من حرام فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه} وذلك لكي يطغى ولا يرجع إلى الله لكن الرجل الصالح الذي يحبه الله لو اكتسب قرش واحد حرام يفكِّره الله ويذكره إما بمرض أو بهم أو مشكلة لماذا؟ لأن الله يريده طاهراً وجاهز لله بخلاف الآخر لا يأبه به الله وبذلك يكون من عرف الحقيقة أراح واستراح 
[1] ابن عساكر عن أَبي شجرةَ رضَي اللَّهُ عنهُ
منقول من كتاب 




الجمعة، 15 يونيو، 2012

أين الله ؟



حكمة المعراج
ما أعظم حكم الإسراء والمعراج وما أكثر مننها على المؤمنين ولكني أذكركم وأذكر نفسي معكم بمنَّة واحدة إذا وعيناها وفقهناها نلنا بها رضوان الله في الدنيا والآخرة فقد كان منحكمة هذه الرحلة العظمى إظهار كمال توحيد الله وإنه جل وعلا ليس في زمان ولا مكان وفوق الطاقة والإمكان لا يظهره الحدثان الليل والنهار ولا تلحظه العينان ولا يخطر ببال أي إنسان شئ ولو قليل من صفات ذاته أو قريب من كمالات نعوته وأسمائه وصفاته لأنه حير الأفكار ونوع الأقدار وأقام الأقطار كلها تشهد في صنعتها على بديع صنع الواحد القهار فقد كان السابقون لنبينا من الأمم غير الأنبياء والمرسلين فهم معصومون ينسبون لذات الله مكاناً يظهر فيه وزماناً يتجلى بقدرته فيه فأخذ الله الحبيب وذهب به إلى كل عوالم الأكوان بل كل عوالم أنشأها مكون الأكوان حتى وصل إلى حيث لا زمان ولا مكان فالزمان والمكان هنا يحيزهم ويظهرهم تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر أما في عوالم الملكوت العليا فلا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار بل فلك دوار بأمر الواحد القهار لا يعلم قراره حتى سكانه من الملائكة الأبرار والكل يُسلم أمره للواحد القهار ليس عندهم سَنَة ولا يوم ولا شهر لأن الذي يحدد ذلك الليل والنهار والشمس والقمر فجاب النبي عوالم السماء عالماً بعد عالم حتى وصل إلى سدرة المنتهى وهي التي ينتهي عندها علم الخلائق أجمعين من الجن والإنس والملائكة المقربين وأهل عالين وأهل عليين فكل أصناف الخلائق
ينتهي علمها عند سدرة المنتهى ولا يعلمون ما ورائها من العوالم ولا من خلفها من عوالم الطهر والبهاء والضياء والجمال والكمال لأن هذا أمر مخصوص بسيدنا ومولانا رسول الله فأوقف الله الرسل في السموات كل رسول وقف حيث انتهى علمه الذي علمه له الله وأعلاهم قدراً سيدنا إبراهيم خليل الله وكان يقف مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ورائه ملائكة كل سماء حيث مكانتهم في الطهر والضياء بحسب ما علّمهم آدم كما أنبأ الله من الأسماء وأعلاهم قدراً جبريل الأمين وقد وقف عند سدرة المنتهى وقال إلى هنا انتهى مقامي قال: يا أخي يا جبريل أها هنا يترك الخليل خليله؟ قال: يا محمد أنا لو تقدمت قدر أُنملة (مثل طرف الأصبع) احترقت وأنت لو تقدمت لاخترقت فعلم أن حدود علمه عند هذا المكان والذي قال له الله 
{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} 
اخترق وتجاوز إلى قاب قوسين أو أدنى ليعلمنا الله
ويعلم رسل الله وأنبياء الله وملائكة الله أن هذا النبي الكريم أعلاهم علماً وأفضلهم مقاماً وأرفعهم تكريماً ودرجة عند الله لكن ليس معنى ذلك أن هناك وجه لله فالله كما قال لنا أجمعين{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} 
ولذلك تفضل علينا وعليه بالصلاة حتى نعلم علم اليقين أن القرب بيننا وبين حضرة الله ليس قرب زمان ولا تلاشي مسافات ولا إذهاب حدود ولا اتجاه إلى جهات وإنما القرب بينك وبين الله أن تدني قلبك في مناجاتك لحضرة الله وتغلق أمام أذن قلبك ما توسوس به نفسك مما رأيته أو شهدته أو سمعته من أقوال في حالة المناجاة تجد الله معك وتجد الله في قلبك وتجد الله أقرب إليك من كل شئ لك أو في نفسك أو من حولك أقرب إليك من زوجك التي بجوارك ومن أولادك الذين معك بل من نفسك التي بين جنبيك لأنه أقرب إلى كل شئ من نفس الشئ {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ}
أين الله؟ في قلب كل عبد مؤمن بالله
ليس في السموات وإن خلقها وكورها وأبدعها وصنعها وليس في الأرض وإن كانت لا تخلو ذرة من عوالم الأرض من وجود قدرته ومن بصمة حكمته ومن إبداع صنعته لكن الله في قلوب المؤمنين قال سيدنا موسى وهو يكلم مولاه: يا ربَّ أين أجدك؟قال: تجدني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي في قلوب المؤمنين وفي إيقان الموقنين وفي إسلام المسلمين فعندما يعلم المرء منّا أن عين الله ترعاه وأذن الله تسمع حديثه ونجواه والله مطلع على كل ظاهره وخفاياه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} يكون في هذا الحال وليس في هذا الوقت يكون في هذا الحال مع الله بلا زمان ولا مكان ولا حيطة ولا إمكان {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ( فإذا اتجه إلى أي جهة وقال يا رب سمع نداه ولباه وقال: لبيك عبدي لك ما تريد مني {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} إن كان في البحر أو في البر أو في الجبل أو في مكان محصور أو حتى في بطن الحوت فقد سُئل رجل من الصالحين عن أقرب ما يكون العبد من ربه قال: أما سمعتم قول رسولكم {أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ}[1] وهو في حالة السجود وقد نسى كل ما أحاط به من شوارد الأفكار ومن نوازع النفس والأهواء واشتغل بكله بالله في حالة الصفاء إن يونس عندما ابتلعه الحوت وكان في بطنه والحوت في قاع البحار والمحيطات ناجى الله فماذا قال لحضرة الله؟كأنه في قاب قوسين أو أدنى وهو في حال المناجاة لأنه يقول{ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}ما الدليل على ذلك؟ ردَّ الله عليه حيث قال{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} استجاب له وهو في بطن الحوت ليعلمنا أنه ليس بينك وبينه مسافات ولا يفصله عنك حدود ولا حواجز ولا جهات وإنما الذي بينك وبين الله هو الذنوب والعيوب التي تُغطي على صفحة القلب فإذا أزلت الذنوب بالتوبة النصوح
وأزلت العيوب بكثرة الذكر لله كشف الله حجاب قلبك فكنت من أهل الحضرة العلية فتناجي الله وتسمع تلبية الله لندائك وأنت في المناجاة أو وأنت في الصلاة ولذا في ذلك يقول النبي { إن العبد إذا أذنب ذنباً كان نكتة سوداء على قلبه فإذا توالت الذنوب فذاك الران ( يعني الغطاء أو الستار) ثم تلي قول الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}[2] إذاً من أين الحجاب؟ من العيوب والذنوب يا أحباب وذلك كما أنبأ الله في الكتاب فإذا محوت الذنوب بالتوبة والندم والاستغفار وأزلت العيوب بكثرة الذكر لله في الليل وفي النهار ورفعت الحجب والأستار كلما قلت يا رب، لباك وفي هذا يقول سيدي جعفر الصادق { كلما احتجت إلى شئ قلت يا ربَّ عبدك جعفر يحتاج إلى كذا فما استتم كلامي إلا وأجد هذا الشئ بجواري}وقال الإمام على عندما سألوه كيف حالك مع الله؟قال{إذا دعوت أجابني وإذا طلبت أعطاني وإذا سكتُّ افتتحني بالكلام} فكانت حكمة الصلاة لنعلم أن الله معنا فالصلاة تليفون محمول لا تدفع له الرسوم وليس له وقت معلوم تخاطب به في أي زمان ومكان الحي القيوم وتجده أقرب إليك من كل شئ، نجدة إلهية لمن يستغيث بها في كل بلية قال قوم يا رسول الله { أربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه ؟ }[3] فنزل في الحال قرآن إلهي من الواحد المتعال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }كان فضل الله علينا بالإسراء عظيماً فإن من قبلنا قد ضلوا الطريق فجعلوا حائطاً للبكاء لمن أراد أن تمحى ذنوبه ولا تمحى إلا إذا ذهب إلى هذا الحائط وبكى الدموع والآخرين جعلوا التوبة مربوطة بقلب رجل يذهبون إليه ويجلسون بين يديه ويعترفون له دون الله بذنوبهم وفي يده محو ذنوبهم أو عدم قبول توبتهم لكن الله تجلى لنا فلم يجعل بيننا وبينه مكان ولا زمان ولا حاجز ولا حائط وإنما الله معنا حيثما توجهنا وهو في قبلتنا حينما صلينا ويسمع نداءنا إذا نادينا على أي حال كنا وفي أي زمان كنا أخبرنا سبحانه بأنه لا يحتاج إلى واسطة بيننا وبينه إلا أن نزيل الجفا الذي على القلوب ونمحو الستائر التي تحجب القلوب عن حضرات علام الغيوب ثم بعد ذلك لا يزال الله منك على بال تذكره أينما توجهت ولا يزال لسانك رطباً بذكره فتكون في أي مكان وفي أي زمان وأنت على أي لون وعلى أي شكل وعلى أي حال فقير أم غني لا يهم المهم هو تقوى الله هي التي تقربك من الله ما الذي يجعلك قريباً من الله؟
أن تعمر قلبك بالإيمان وتقوى الله لا تحتاج بعد ذلك إلى أحد فلو ملكت التقوى وأنت ها هنا والله معك حيثما تحدثت ويلبيك فيما أردت وإذا كان معك مال وذهبت إلى الحرم الشريف وطفت حوله بدل المرة سبعين لكن قلبك مشغول بالدنيا عن الله وعن الدين فهل يكرمك الله كما يكرم عباده المتقين؟ لا. لأنه قال {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}وانظر إلى عظمة النبي الكريم إذ يروى سيدنا رَبِيعَةَ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قال { كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذٰلِكَ؟، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ }[4] فدله على الطريق الصحيح صلوات الله وسلامه عليه فإذا أنت سهوت أو نسيت أو غفلت أو شغلت بالدنيا عنه عز وجل فارجع إليه وتب إليه وهو {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }

[1] عن ابن مسعود رواه أبو يعلى في صحيح ابن حيان.
[2] عن أبي هريرة رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
[3] منازل السالكين بين إياك نهبد و إياك نستعين، محموع فتاوى ابن تيمية
[4] صحيح مسلم
منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
[B]الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_رجب%20والإسراء%20والم عراج&id=10&cat=3]الخطب الإلهامية_مناسبات_ج3_رجب والإسراء والمعراج



الأحد، 10 يونيو، 2012

الصلاة علاج لأمراض العصر




الصلاة علاج لأمراض العصر
ونحن في ذكرى الإسراء والمعراج مازال معنا قبس من الإسراء والمعراج نعيش على هديه ونقتبس من ضوئه في اليوم خمس مرات حتى نلقى الله ونحن نعاهده على تمسكنا بما أمر به حبيبنا في ليلة الإسراء والمعراج فقد كلفه الله في تلك الليلة بفريضة الصلاة ولم ينزل بها جبريل ولم يكتف الله بفرضيتها في القرآن الكريم بل استدعاه وحباه وقربّه وأدناه ليعلمنا أن هذا أمر خاص ويحرص عليه الله ومن ثم هناك من فوق سدرة المنتهى فرض عليه الصلاة قال
{ فَأَوْحَى الله إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ. فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذلِكَ فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسا قَالَ:إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ. فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً. وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئا. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً قَالَ:فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ:ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ}[1] رسولكم الكريم لم يرض بصلاة واحدة في اليوم والليلة وجعلها خمس صلوات لماذا؟ لأنه بنور الله الذي أعطاه له الله عَلِم أن الصلاة هي علاج كل مشاكلنا في هذه الحياة وخاصة في هذا الزمن الذي نحن فيه حيث اتجه الناس إلى المادة والدنيا وكادوا يعبدونها من دون الله فيصبح الرجل وكل همه ومنتهى علمه أن يحصّل المال بأي كيفية من حرام أو من حلال لا يهم من غشٍ أو من نهب وسرقة أو رشوة لا يهم المهم أن يحصّل المال ليمتّع نفسه في زعمه وبنيه بما جدّ من المستحدثات ومع ذلك ومع كثرة المال ومع وفرة الخيرات كثر في عصرنا التوتر النفسي والقلق العصبي وأمراض العصر الضغط والسكر وأمراض القلب وكلها ليست من ميكروبات ولا من جراثيم وإنما من توترات نفسية وأحوال عصبية يتعرض لها المرء نتيجة للضغوط التي تواجهه في حياته الكونية ما علاجها؟ العلاج الناجح والعلاج الشافي وليس المُسّكن فكل ما نتناوله من الصيدليات وكل ما يكتبه لنا الأطباء عن هذه الأمراض مسكنات لا تعالج المرض من جذوره ولا تقتلعه من ذات الشخص ولكن العلاج الناجح الشافي الكافي هو في هذه الصلاة التي فرضها الله واسمعوا معي إلى قول الله وهو يتحدث عن عصرنا في قرآنه الكريم وعن أمراض هذا العصر فيعرضها عرضاً عظيماً لأنه هو الرب العظيم فيقول [إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ] أمراض العصر الهلع خوف الفقر وخوف الضيق وخوف فقد المال وخوف فقد المتع وخوف فقد المشتهيات والملذات يخاف ألا يطعمها ولا يتذوقها بأمر الطبيب وخوف الأمن كل ذلك اسمه الهلع إذا مسَّه ولم يقل أصابه مسٌّ خفيف من الشر أو الضر تجد الإنسان يصيبه الفزع ويصيبه الجزع وأحياناً يصيبه اليأس والقنوط ولا يقنط من رحمة ربه إلا القوم الضالون ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وإذا جاءه الخير ينفق بسخاء على نفسه وينفق ببذخ على أهل بيته فإذا طلب منه مساعدة لفقير أو مسكين أو لبائس أو محتاج يمسك يده عن الإنفاق ويدعي الفقر والحاجة كأحد الأثرياء العرب الذي تناقلت أخباره وكالات الأنباء والذي تبرع بمليار دولار لتشجير حديقة الحيوانات في لندن لكي ينال رضاء رئيس وزرائها فلما ذهبوا إليه ليتبرع لأهل البوسنة أثناء الحرب قال: سأدعو لهم الله ورفض أن يعطيهم ديناراً واحداً هذا الأمر لا يعتري المصلين ولا يصيب المحافظين على الصلاة وقد أثبت العلم الحديث بأحدث أجهزته وآلاته أنه لا يعالج القلق النفسي ولا التوتر العصبي إلا الوقوف بين يدي الله بالسكينة والوقار فإن ذلك ينزل السكينة على القلب والطمأنينة على الأعضاء فتستريح من هذا التوتر وهذا القلق وقد روى سفير ألمانيا في المغرب سابقاً الذي أسلم وكان اسمه الفريد هوفمان فسمى نفسه مراد وكان يعمل رئيساً لجهاز الاستعلامات في حلف الأطلنطي قبل أن يعمل سفيراً لبلاده في المغرب قال جاءتنا التعليمات بأن نجعل الطيارين يقومون بحركات كحركات الصلاة للمسلمين في كل يوم مرة وقالوا إن ذلك يكسبهم السكينة النفسية والطمأنينة فلا يملّون ولا يقلقون إذا طاروا إلى مسافات طويلة يا عجباً أهل الكفر يستخدمون حركات الصلاة لعلاج أمراض النفس وأهل الصلاة يتكاسلون عنها بل وينقطعون أحياناً عنها بل ولا يحافظون عليها مع أنها هي العلاج النافع ولا علاج غيره لهذه الأمراض التي ذكرناها هي تغنيك عن جلسات الطب النفسي وتغنيك عن البراشيم المهدئة بكافة أنواعها مع أنكم تعلمون مدى شدة الأضرار اللاحقة لاستخدامها وتغنيك عن المصحات النفسية وما أدراك ما تكاليف دخولها كل ذلك يُغنيك عنه الله إذا حافظت على الصلاة في مواقيتها وفي بيت الله قد يقول البعض نحن نؤدي الصلاة ونحافظ عليها ولا نشعر بما نقول أقول أنها فشت في عصرنا ظاهرة وهي الصلاة في داخل المنازل فإن الصلاة فرضها الله لتؤُدّى في بيوت الله وسط عباد الله المؤمنين لأن المرء إذا صلى بمفرده يحاسبه الله على قدر حضوره في الصلاة فقد قال 
{أَنَّ الرَّجُل لَيُصلِّي الصَّلاةَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهَا إِلا عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمْنُهَا أَوْ سُبْعُهَا أَوْ سُدْسُهَا ولا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها}[2]. فإذا كنت جالساً أمام التليفزيون أشاهد المباراة وفي وقت الراحة تقدمت بالمصلاة لأصلي العصر بين الشوطين كيف تكون هذه الصلاة؟ إنها روتين يؤديه المرء بين يدي الله لا يحقق سكينة ولا يحقق طمأنينة وخاصة إذا كان مَنْ حوله يتحدثون ويسمعهم جيداً وبعد انتهاء الصلاة يعلق على حديثهم ويحادثهم كما سمع لهم وهو في الصلاة ليست هذه صلاة وإنما حركات تؤدى بين يدي الله لكن الصلاة في بيت الله فيها السكينة وفيها الطمأنينة وفيها الصفاء وفيها الطهارة وفيها النقاء لأنه لا يشغلنا بشئ في بيت الله عن الله حتى أن الإسلام منع الزينة التي تشغل المؤمن عن الصلاة إذا كان هناك بالمسجد زينة لو نظر إليها المصلي شغلته يطالبنا الإسلام أن نُزيلها ونمحوها حتى لا يكون هناك شئ يشغله عن الصلة بالله فإذا قال الله أكبر ورفع يديه جعل الدنيا خلف ظهره وأقبل بكله على ربه يناجيه بكلامه ويتملّق إليه بإنعامه فيقبل عليه الله بعطائه وفضله وإكرامه هذا فضلاً عن أن الجماعة إذا وصلت أربعين رجلاً كما ورد في الأثر {لا تخلو من رجل صالح يتقبل الله صلاته ويقبل صلاة الجميع من أجله }الصلاة في جماعة صلاة مقبولة إن شاء الله لأن الجماعة لا تخلو من قلب طاهر يُقبل عليه الله فيقبل صلاته ويقبل صلاة الجميع من أجله ولذلك قال النبي{وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُـيُوتَهُمْ }[3] لأنهم منعوا أنفسهم من هذا الخير ومن هذا البر الذي أراده الله لهم وعن البراءِ بنِ عازَبٍ: { أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتومٍ ـ وكانَ ضريرَ البَصَرِ ـ أتى النبيَّ فَشَكا إِليهِ وآلهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ في صَلاةِ العِشَاءِ والفَجْرِ وقال: إِنَّ بينِي وبينَكَ المَسِيلُ فقالَ النبيُّ: هَلْ تَسْمَعُ الآذانَ؟ قالَ: نَعَمْ مرةً أَو مرتينِ فلَمْ يرخِّصْ لَهُ في ذَلِك}[4] وعلى هذا لا يوجد في زماننا من له عذر يبيح له أن يصلي في بيته إلا المريض الذي منعه الطبيب من الحركة أو الإنسان الذي له عذر للخروج في صلاة الفجر عذر قاهر يقرره الأطباء والشرع أما المؤمن فلابد أن يتوضأ ويصلي فقد قال النبي ما معناه {وما يدريك لعلني لا أبلغه} ونحن يكون المرء في عمله وهناك مصلى في عمله ويؤجل الصلاة حتى يرجع إلى منزله من الذي ضمن له الرجوع؟ ومن الذي يضمن له أن يصلي الظهر حاضراً؟ فإذا خرج متأخراً وتلهف على الطعام وأذّن العصر يصلي قضاءاً ولا يندم على ما فاته من أداء الفريضة في وقتها وهذا عمل شنيع شنّع عليه أصحاب رسول الله لقد كان الرجل منهم الذي تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام يصاب بألم شديد في جسمه ووجع في كل أرجاء بدنه ويمرض ويعودونه لمدة ثلاثة أيام لما فاته من الخير في أداء تكبيرة الإحرام واللحوق بالجماعة من أولها والذي كانت تفوته الجماعة الأولى كان يمرض أسبوعاً يعودونه ليخففون عنه فما بالكم بالذين يصلون الفرض بعد انتهاء وقته؟ في شأنهم قال تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} أي الذين يتساهلون في أداء الصلاة في وقتها هؤلاء لهم نصيب من الويل في الدنيا من الأمراض ومن الهموم ومن الغموم ومن المشاكل التي تحدث لهم ويعجزون عن حلها ولا رافع ولا دافع لهم إلا الله فيحق لنا جماعة المسلمين أن نحيي هذه الليالي بأفراح متصلة أفراح للصلاة فليلة الإسراء والمعراج هي فرح نزول الصلاة هي فرح حدوث بركة الصلاة هي فرح أكرمنا الله فيه بالشفاء من كل أمراض العصر بالصلاة فحافظوا عليها لقوله النبي {مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلاَةِ كَانَتْ لَهُ نُوراً وَبُرْهَاناً وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلاَ بُرْهَانٌ وَلاَ نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَي بْنِ خَلَفٍ}[5] وورد في الأثر { إذا رأيتم يهود الأمة فلا تسلموا عليهم قالوا: ومن هم يهود الأمة؟ قيل: المرجئة! الذين يمرون على المساجد ويستمعون إلى الآذان ولا يؤدّون الصلاة} وقال الحبيب {الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ }[6] إن الصلاة هي التحصين الواقي لأولادنا وبناتنا من ارتكاب المعاصي في هذه الحياة لقول الله{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}ولذلك قيل{يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فلاناً يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فإذا أَصْبَحَ سَرَقَ قال: سينهاهُ ما يقُولُ –يقصد الصلاة-}[7] فاحرص ما تحرصون عليه إذا أردتم الاطمئنان على أولادكم وبناتكم أن تراقبوهم في أداء الصلاة وأن تجعلوا كل همِّكم هو ملاحظتهم ومتابعتهم في أداء الصلاة لماذا؟ قد كان دعاء الأنبياء الكرام عليهم السلام الذي يضرعون فيه إلى الله كما قال سيدنا إبراهيم الخليل {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} طلب من الله أن يوفقه لإقامة الصلاة هو وذريته لأنها هي الحفظ الإلهي فإن المرء إذا صلى لله يصيبه تحصين روحاني وقسط نوراني ينزل على قلبه لا تراه العيون ولا تصل إليه العقول ولا الظنون إذا وقع في ورطة وأراد به قرناء السوء شراً يجد معه قول الله {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } فيهيأ الله له بالإلهام الروحاني وبنوره الرباني ما يدفعه عن هذه المعصية فضلاً عن أن الصلاة هي حبل الصلة بينك وبين الله لقوله لموسى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} فإذا حافظت على إقامتها لا تحتاج إلى شئ وتقف بين يدي مولاك إلا ويلبيك في الحال فهناك صلاة الحاجة لا يصليها فرد بصدق لله إلا ولبَّى الله حاجته وهناك صلاة الاستخارة لا يحتار الإنسان في أمر من أمور الدنيا فيصليها إلا ويشرح الله صدره لما فيه خيره وبره وهناك صلاة الفزع وقد قالت السيدة عائشة عن رسول الله
 { كان إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ(يعني أهمَّه أمرٌ) فزع إلى الصلاة }[8] فيفرج الله عنه في الحال وقد كان سيدنا أبو الدرداء يخرج من المدينة إلى الشام تاجراً بغير حارس أو رفيق وبينما هو مسافر ذات مرة استأجر دابة يركبها حتى إذا قطع شوطاً في الطريق أخذه صاحب الدابة إلى وادٍ بين جبلين فوجد فيه رؤوساً كثيرة مقطعة قال: هل رأيت هؤلاء؟ قال: نعم قال: إن مصيرك كمصيرهم قال: يا هذا خذ مالي ودعني قال: أما مالك فلابد منه وأما مصيرك فإلى الهلاك قال: إذا لم يكن من ذلك بد فدعني أصلي ركعتين لله فانفرد يصلي لله وهو في الصلاة واقف بين يدي الله سمع قائلاً يقول: دعه يا عدو الله، فواصل الصلاة وهو في ركوعه سمع الصوت ثانية يقول: دعه يا عدو الله وهو في سجوده سمع الصوت ثالثة يقول: دعه يا عدو الله وعندما أنهى الصلاة وجد رجلاً وبيده سيفاً يقطر دماً والرجل الذي معه قد قطعت عنقه فقال: من أنت؟ ومن أدراك بي؟ ومن الذي أرسلك إلي؟ فقال: أنا ملك من السماء الرابعة عندما استغثت بالله وأنت في الصلاة قال الله من يغيث عبدي فلان في أرض كذا؟ فقلت أنا يا ربَّ فعندما كنت في السماء الرابعة هم بقتلك فقلت: دعه يا عدو الله وعندما وصلت إلى السماء الأولى هم بقتلك ثانية فقلت: دعه يا عدو الله وأنا على باب هذا الوادي هم بقتلك ثالثة فقلت: دعه يا عدو الله ثم قتلته فالصلاة صلة بالله ومن كان الله معه ويتصل مباشرة به ويلبيه الله بكل حوائجه في دنياه وأخراه كيف يمد يده إلى غير الله؟وكيف يصغِّر وجهه للوقوف على أبواب خلق الله؟ أو يذل نفسه لهم؟ وهو أغناه وأعزه عن جميع من سواه؟ فتمسكوا عباد الله بالصلاة وأوصوا بها بناتكم وأبنائكم وأزواجكم واجعلوها كل همكم يبارك الله لكم في كل أحوالكم .
[1] صحيح مسلم وغيرها الكثير عن أنس
[2] صحيح ابن حبان وسنن البيهقى الكبرى عن عبدالله بن عنمة .
[3] صحيح البخارى عن أبى هريرة
[4] رواه الطبراني في الأوسط
[5] رواه الطبراني عن أبي الدرداء وعن حنظلة في الكاتب في مسند الإمام أحمد.
[6] رواه أحمد والترمذي عن عبدلله بن بريدة
[7] رواه أحمد والبيهقى
[8] عن حذيفة رواه أبو داود براوية إذا حزبه أمر صلى.

منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
http://www.fawzyabuzeid.com/table_books.php?name=الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_ رجب%20والإسراء%20والمعراج&id=10&cat=3


الجمعة، 8 يونيو، 2012

كيف نتأسى بسيدنا رسول الله في إسرائه ومعراجه؟



كيف نتأسى بسيدنا رسول الله في إسرائه ومعراجه؟
نحن جميعاً علمنا كيف نتأسى به في الملبس وكيف نقتدي بهديه في المطعم وكيف نكون كحاله في المشرب وكيف ننفذ هيئته وسنته في المشي والكلام ومعاشرة الزوجات والأولاد والجيران والأقارب وغيرها من خصال البر والخير لكن كيف نتأسى به في الإسراء والمعراج؟
فنحن جميعاً نعتقد أن هذا أمرٌ قد خصه به الله ولم يخص به أحدٌ سواه
ولو مِنْ أنبياء الله ورسل الله عليهم السلام أجمعين لكن الأمر سهل ويسير والله يضرب لنا المثل جميعاً لحضرة البشير النذير صلى الله عليه وسلم فنحن نسير في ضروب هذه الحياة نتعرض للمشاكل ونتعرض للمصائب ونتعرض للمتاعب ونتعرض لفنون وألوان من تعب النفس أو من قلق القلب أو من عذاب الضمير أو غيرها من أنواع الآلام النفسية أو الاجتماعية أو الأسرية ما العلاج الأمثل لهذه الآلام؟وما المفتاح السحري الذي يقضي على كل هذه المواجع والمشاكل في لمح البصر أو في طرفة عين أو أقل؟ مهما تعرضنا لصنوف البلاء ولأنواع الإيذاء فلن نتعرض لما تعرض له سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه فمن مكث في قومه أو في بلدة عشرة سنين يدعوهم إلى الله ويأمرهم بتوحيد الله وينهاهم عن عبادة الأصنام والأوثان لا يطلب منهم مالاً ولا يطلب منهم جاهاً أو سلطاناً ولا يطلب منهم مكانة أو منزلة على هذا الأمر بل إنما يقول لهم كما قال الله عنه وعن جميع أنبياء الله {فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ} ومع ذلك كذّبوه ولم يكتفوا بذلك بل سبّوه وشتموه وعابوه وجرحوه وأهانوه ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقّلبون العرب والملأ والقبائل عليه ويقبّحون صورته ويشنّعون على دعوته ويتهمونه بما لا يستطيع واحدٌ منّا أن يتحمل تهمة واحدة منها في حياته الدنيا ولم يكتفوا بذلك بل أخرجوه وطردوه فذهب إلى الطائف يرجو خير أهلها ويدعوهم إلى الله لكنهم قد أرسلوا قبْله من يحرّضهم عليه فقاموا بإيذائه حتى خرج من البلد وعند خروجه من البلد أمروا من عندهم من العبيد والصبيان أن يطاردونه ويسبّونه ويشتمونه ويقذفونه بالحجارة حتى دَميت قدماه الشريفتان صلوات الله وسلامه عليه كل هذا في سبيل تبليغ دعوة الله وتنفيذ أمر الله فينزل عليه إلهام الله في الحال بماذا يصنع؟فرفع الأمر إلى الله لأنه يعلم أن تسيير دفة الأمور كلها بيد الله ولو شاء لهدى الناس جميعاً لكنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء لحكمة يعلمها في علمه الأزلي ولن نعلمها جميعاً إلا يوم العرض والجزاء فندرك حكمة ذلك فيمن يشاء فرفع الأمر إلى الله واستجار بالله وقال فيما أنبأنا عنه الرواة { اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ إِلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟إِلَى عَدُّوَ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي إِنْ لَمْ تَكُنْ سَاخِطَاً عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمُ الذِي أَضَاءَتْ لَهُ السَّموَاتُ وَالأَرْضُ وَأَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ غَضَبَكَ أَوْ تُنْزِلَ عَلَيَّ سَخَطَكَ وَلَكَ الْعُتْبَىٰ حَتَّى تَرْضَىٰ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ }[1]
 مفتاح عظيم فتح به النبي الكريم أبواب الإجابة في السماوات ففتحت أبوابها وتحركت جنودها ووقفوا جميعاً على أهبة الاستعداد وقدموا طلبات إلى المنعم الجواد يستأذنونه في النزول لتنفيذ أمر هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه هذا المفتاح يا إخواني سلمه الله لرسوله وألهمه به وسلمه النبي لنا فلا يقع واحد منا في كرب ولا تصيبه نكبة ولا يلم به شدة فيتوجه بهذا الدعاء إلى الله إلا وتفتح له أبواب السماء في الحال وتنزل له من عند الله جنود لا يعلمها إلا الواحد المتعال تكون طوع أمره ورهن إشارته لأنه تأسى برسول الله فإن النبي ما كاد ينتهي من الدعاء واسمعوا لقوله { فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ (جبلين محيطين بمكة) فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً }.[2] وهكذا علّمنا وأدّبنا علمنا ألا ندعو حتى على أعدائنا في وقت الشدة فضلاً عن أنفسنا وفضلاً عن أهلينا وفضلاً عن أموالنا وفضلاً عن أبنائنا فقال {لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً نِيلَ فِيهَا عَطَاءٌ فَيُسْتَجَابَ لَكُمْ } [3]. وهنا وقفة جانبية :بعضنا - وهذا يحدث كثيراً - عندما يُصيبه همٌّ أو غم أو كرب يدعو بأن يتوفاه الله أو يدعو بأن يصيبه بالبلاء والأمراض أو يدعو بأن ينتقم منه الله وهذا أمرٌ منافٍ لسنة الإسلام يعني يقول الرجل: (ربنا يموّتني ويريحني منكم) عندما يتعبه أولاده أو يقول لزوجته (ربنا يأخذني ويريحني من وشّك) مثل هذا الكلام نسمعه كثيراً وهي أيضاً تقول لأولادها عندما يغضبونها (ربنا يريحني منكم) يعني ربنا يموّتني أو (ربنا يعمل فيّ كذا وكذا علشان أبعد عنكم ولو حتى أروح السجن أو مستشفى الأمراض العقلية أو في مصيبة) أهذا يصحُّ ؟ هذا أمرٌ لا يليق وكذا الدعاء على الأموال كأن يحاول الإنسان مثلاً أن يدير سيارته فلا تدور فيدعو عليها فيقول لها (ربنا يوقف حالك) وهذا الكلام نسمعه كثيراً ألا تدري أنه إذا أوقف حالها فإنه يُوقف حالك أنت وأنت الذي تتعب وتتعرض للمشاق ما الأفضل؟ أن تقول لها ربنا يوقف حالك أم تقول لها ربنا يهديك أو ربنا يصلح شأنك؟ فالمؤمن لا يدعو على أحد أبداً بل يدعو بالهداية فيدعو لزوجته بدلاً من أن يدعو عليها، فلا يقول لها: ربنا يخلصني منك أو ربنا يريحني منك بل يقول لها: ربنا يصلح حالك ربنا يهديك ربنا يحسّن أخلاقك ربنا يكرمك ويضع الإيمان والتقوى في قلبك وبدل أن يدعو على أولاده يدعو الله لهم بالهداية، ويدعو الله لهم بالإيمان ويدعو الله لهم بأن يقوموا بأوامر الله ويتأسوا بسنة سيدنا رسول الله هذا هو مبدأ الإسلام ولو عادى الإنسان منا إنساناً لا يدعو عليه قال الحبيب {مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ}[4] يعني أخذ حقه فالذي دعا ولو كان مظلوماً يكون أخذ حقه يعني لا يجب عليه أن يرفع قضية على هذا الظالم يوم القيامة إن شاء الله ولو رفع القضية فإن إدارة المحكمة الإلهية تسقط دعواه لأنه دعا على هذا الظالم بالويل والثبور والنكبات والأمراض وغيرها في هذه الحياة فلا ترفع لك القضية ولو على ظالم إلا إذا كنت لم تنتصر عليه إلا بالله وكنت كما قال نبي الله موسى {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}ولذا لما كان النبي يدعو لقومه لم يدعو عليهم مع أنهم ظلموه على اليقين وآذوه وكلكم تعلمون وتتأكدون ولكن كان يقول لهم وعليهم {اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}[5] فبدلاً من أن أدعي على خصمي بأن يهلكه الله أو ينتقم منه الله ادعوا الله أن يهديه ويعرفه الحق ويجعله يمتثل به أدعو الله أن يرده لطريق الهداية حتى يبصر الحلال ويمشي فيه ويترك الحرام أدعو الله أن يبصره بأمره حتى يكون على بصيرة من نفسه وعلى بصيرة من أمره وحتى لا يفعل معي أو مع غيري ما يغضب الله لماذا ينهانا الله عن الدعوة على الظالمين؟ لأني ربما أظن أنه ظالم وهو في نظر الله مظلوم وأنا لست أدري وربما يكون معه حجة لم أعرفها وله وجهة نظر يرضى عنها الله وإن كنت أنا لحظي أو لهواي أو لغرض في نفسي لا أرضى عنها فإذا أجاب الله دعوتي فقد ورد في الأثر {القاتل بدعائه كالقاتل بسيفه} وقتله الله استجابة لدعائي يُحاسبني على ذلك يوم القيامة ويسألني كيف ولماذا؟ يحاسبني على أنني قتلت فلاناً لأن دعوتي مستجابة وهل أحطت بكل شيء حتى أطلب من الله أن يقتله؟والدعوة المستجابة تتحكم فيها الإجابة ويكون كأنه قتل نفس بريئة من غير حق ولذا فالواجب أن يُرجع الإنسان الأمر إلى الله ويفوضه إلى الله ويرفعه إليه والله لا يظلم أحداً من خلقه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} إذاً علينا الدعاء لكن في الخير وفي البر وفي المعروف فإن رسولكم الكريم قال { يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ }[6] وفي الرواية الأخرى { لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ }[7]. لا يجوز أن يدعو على مؤمن بأن يوقعه الله في مصيبة أو أن يجعله الله يقع في ذنب ويُقبض فيه أو يبتليه الله بنكبة ليس له منها مخرج ويحم القضاء عليه بسببها لأن المسلم لا يدعو بإثم يعني بذنب ولا يدعو بقطيعة رحم يعني لا يدعو على ولد بأن ينسى أمه وأباه ليتفرغ لزوجه أو يدعو على رجل بأن يقاطع أخوته ويبعده الله عنهم ليحب زوجته وأولاده لأن الإسلام يدعو إلى البّر ويدعو إلى الخير فالمسلم يدعو بالبر ويدعو بالخير ويستجيب الله له الدعاء ما دام لا يتعجل في دعائه ولا يدعو بإثم أو قطيعة رحم وما زال يدعو الله وهو موقن بالإجابة والذي يدعو الله كما يقول علماء النفس في هذه الحياة على الأقل يُفرغ الشحنة العصبية الموجودة في داخله ولا يكتمها في نفسه فتصيب أعضاءه بالأمراض النفسية فإن الإنسان لو أهمه أمر أو أقلقه أمر لا يرتاح نفسياً ولا عقلياً ولا جسمانياً إلا إذا أفضى به إلى إنسان آخر فإذا أفضى إلى الآخر استراح وإذا ظل هذا الأمر في دخيلة نفسه يُتعبه وربما يُصاب بالضُرّ وربما يزيد عنده التوتر وربما يزيد القلق النفسي وربما يُصاب بمرض عصبي وربما يُصاب بمرض جسماني لأنه حبس هذه الشحنة من الغضب والتوتر والقلق في نفسه فلابد أن ينتهي إلى غيره وإذا تحدث بها إلى غيره ماذا يفعل الغير؟ لن يستطيع نفعه ولن يستطيع دفع الضرّ عنه بل ربما يزيد البلاء بلاءاً ربما ينقل الكلام إلى الأعداء فيزيد الطامة الكبرى من البلاء عليه وربما يبثه حديثاً ضاراً بينه وبين زوجه فيعلمها بطريق حسن أو غير حسن فيقلب العداء عليه جهاراً بعد أن كان مستتراً وربما يبثه أمراً بينه وبين صديقه فيذهب إلى صديقه ويخبره وقد أصبح الصديق الأمين المؤتمن على الأسرار في زماننا قليل وأقل من القليل إذن كيف أُبيح بما في نفسي وكيف أُذهب عصبيتي وتوتري؟ أبث أمري إلى الله {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ } وهو وحده الذي يجيرني وهو وحده الذي يستطيع أن ينفعني أو يمنع الضرّ عني وهو وحده الذي يكتم السّر ولا يُبيحه حتى لأعضائي ولا يبيحه حتى لأصدقائي حتى يوم القيامة يحاسبنا جماعة المؤمنين بيننا وبينه قال النبي{ يُدْنَىٰ الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ[يعني في ستره] ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: يا ربَّ أَعْرِفُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ قَالَ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ قَالَ ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أَوْ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ }[8]. فالذي فعل ذنباً يؤرقه ولا يستطيع أن يخبر أحداً به عليه أن يخبر به الله وأن يبثَّ شكواه وألمه إلى الله ويرفع أمره إلى الله ويُقبل على الله تائباً ويستغفر الله يجد الله تواباً رحيماً، ويجد الله غفوراً رحيماً ويجد الله معه في كل أموره لأنه قال {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فعندما يدعو الإنسان خاصة عند الكرب وربما لا يستطيع أن يتملك زمام نفسه فيدعو على ولده أو على أهله لينفّس عن نفسه وليخرج ما في نفسه من الصدمات العصبية والشحنات النفسانية ولكن الله أعطى نبيكم الكريم الطريقة الإيمانية للدعاء والتي تجعل الإنسان يدعو الله كما ينبغي ويدعو الله وهو ساكن النفس مطمئن البال والله معه يرد عليه ويجيب طلباته وينفذ رغباته لأنه قريب من كل من يدعوه ويناجيه فأعطاه الله مفتاحاً خاصاً بكم جماعة المؤمنين لم يعطه للسابقين حتى الأنبياء والمرسلين وهو مفتاح الصلاة وأمره أن يجعلها هي سماعة النجدة أو تليفون الإغاثة الذي يغيث به المسلمين والمسلمات في كل كرب أو معضلة في أي مكان أو جهة من الجهات سماعة وتليفون لا يحتاج إلى اشتراك شهري أو سنوي ولا يحتاج إلى جهاز مركب في منزل أو سيارة ولا يحتاج إلى مال تدفعه وإنما يحتاج فقط إلى إيمان صادق يدفعه إلى طاعة الله ويرفعه إلى الله فأمر نبيكم الكريم المؤمن أن يلتزم بهذا الأمر ولا يدعو الله إلا في الصلاة لماذا؟ لأنه إذا كان غاضباً وتوضأ هدَّأ الوضوء والماء من غضبه فيخرج بعد الوضوء وقد سكنت نفسه وقد ذهب توتره وقد رجع إليه عقله الراجح ثم يدخل في الصلاة، والصلاة بما فيها من كلمات أمرنا أن نرددها الله وتسبيحات أمرنا بها رسول الله تدخل على النفس السكينة والطمأنينة فإذا وصل إلى السجود قال فيه سيد الوجود { وَإذَا سَجَدْتُمْ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَاِنَّهُ قَمِنٌ [يعني حقيقاً] أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } [9] فما دعا رجل الله في سجوده إلا واستجاب الله له في الحال لأنه إذا وصل إلى السجود بعد الخطوات التي ذكرناها يكون قد هدأت نفسه واستراح باله وتكلم بكلمات يعقلها لا يندم عليها واستحضر عظمة العظيم في قلبه فيناجيه بما يحب أن يسمعه فمن وقع في ذنب عظيم ما عليه إلا أن يصلي ركعتين أمام حضرة العظيم يقول فيهما النبي الكريم { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ لمْ يُحَدّث نَفسه فيهما بشئ خَرج مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ }[10] وهذه اسمها صلاة المغفرة يفعل الإنسان الذنب ثم يركع بين يدي الرب ركعتين فيخرج منهما ليس عليه ذنب وربما ينطبق عليه قول الله {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} جعل مكان كل ذنب حسنة من فضله وجوده وكرمه ومن أهمه أمر من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة وليس عنده الشجاعة لاتخاذ القرار فيه من يشاور؟هل يذهب إلى بيت خبرة؟أو هل يذهب إلى مكتب لشئون الأسرة؟أو هل يذهب إلى صديق يستشيره؟ومن هو المشير الذي في درجة العلي الخبير؟ يصلي ركعتين لله ثم يدعو بدعاء الاستخارة الذي كان يقول فيه سيدنا عبد الله بن مسعود {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّوَرَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَاسْتَعِينُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ (ويحدِّدُه) [وهو السفر مثلاً أو الزواج من فلانة مثلاً أو إنشاء مشروع كذا مثلاً] خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ (ويحدِّدُه) شَرّ لي في دِينِي ومعاشي وعَاقِبة أمْرِي أو قَال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنْهُ واقْدِرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضِنِي بِهِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم}[11] ماذا يتم له في الأمر؟يقول رسولكم الكريم {مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ}[12] لا يخيب في أي قرار يتخذه مادام قد استخار الله ورضي بما أشار عليه الله والمشورة تأتي إلهاماً في قلبه (يعني يوجهه الله إلى هذا الأمر) ويحببه في هذا الأمر أما من يذكرون الرؤية المنامية فهذا أمر لم يذكره نبينا في أحاديثه النبوية وإنما الذي ذكره أن الإنسان ينشرح صدره إلى أمر فيتجه إليه فإذا كان الله يتنزل لنا بنفسه القدسية ويطلب منا أن نستشيره في كل أمورنا الدينية وفي كل أحوالنا النفسية والعائلية فكيف نحتار بعد ذلك ومعنا المشير الأعظم وهو رب العالمين وإذا عجز الإنسان عن أمر ولا يستطيع تحقيقه ماذا يفعل؟ {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} استعن على هذا الأمر بالصلاة رسولكم الكريم كان أعداءه يحيطون بالثلة المباركة وهم قلة وعددهم ثلاث مائة وعدد الكافرين يزيد عن الألف ما السلاح الذي يقاتل به؟هم يقاتلون بسيوفهم ورماحهم وسهامهم وهو يقاتل بالصلاة والدعاء فيها لله وما استكمل ركعتين حتى قال لأبي بكر { أبشر يا أبا بكر هذا جبريل قد أتى على فرس على ثناياه (يعني على أسنانه) النقع }[13] يعني الغبار معه ثلاثة آلاف من الملائكة مسلحين جاءوا لنجدته وجاءوا لمعونته صلوات الله وسلامه فالأمر الذي يعجز المسلم عن تنفيذه يستعين عليه بالصلاة لله يعينه الله ويمده الله بمدد من عنده حتى الأمر الذي يعجز الطالب أو العامل عن حلّه أو فهمه يتأسى فيه بإمام العلماء الذي قال فيه سيد الأنبياء {اللَّهُمَّ اهْدِ قُرَيْشاً فَإنَّ عَالِمَهَا يَمْلا طِبَاقَ الأَرْضِ عِلْماً }[14] وهو الإمام الشافعي كان إذا سأله سائل عن سؤال لا تحضره الإجابة فيه في الحال يقول: انتظر يا هذا ثم يتوضّأ ويصلي ركعتين لله ثم يقول له بعد الصلاة إجابة سؤالك كذا وكذا فيقولون له كيف عرفت الإجابة ولم تطلع على مرجع ولم تنظر في كتاب؟ فيقول نبّأني العليم الخبير وأنا في الصلاة حتى الذي يحتار في عُمّاله كيف يعرف الأمين منهم من الخائن؟وكيف يعرف الذي يُرضي ضميره من الذي يخون؟عليه أن يتبع سياسة القائد الأعظم الحاكم العادل عمر بن الخطاب لقد كان عندما يأتي ولاته وعماله في الأقاليم ليحاسبهم يقول لهم: انتظروا حتى استشير ربي فيكم فيصلي ركعتين لله ثم يخرج بعد الصلاة ويقول لكل واحدٍ منهم أنت حسابك كذا وأنت لا تُولّى لنا على عمل وأنت أسكناك في مكانك فيقولون من أين لك هذا يا أمير المؤمنين؟ فيقول عرضت الأمر على ربي في الصلاة فأنبأني بما ترونه وهو حُكم الله كيف يحتار المؤمن ومعه الصلاة إن الصلاة هي التي توصلك لله وهي المفتاح الأعظم الذي سلمه لكم رسولكم الكريم
[1] عن عبد الله بن جعفر رواه الطبراني في مجمع الزوائد.
[2] صحيح مسلم عن عائشة
[3] عن عبادة بن الوليد صحيح مسلم - باب حديث جابر الطويل - وفي صحيح ابن حبان عن جابر بن عبد الله.
[4] عن عائشة رضي الله عنها في مسند أبي يعلي.
[5] عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب حدثنا أبو اليمان.
[6] عن أبي هريرة وعن عبادة بن الصامت رواه الترمذي باختصار استعجال الدعاء، رواه الطبراني في الأوسط.
[7] عن أبي هريرة في صحيح ابن حبان.
[8] صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجة عن صفوان بن محرز.
[9] سنن النسائي الصغرى عن عبد الله بن عباس
[10] عن عثمان بن عفان، رواه أبو يعلى.
[11] عن جابر بن عبد الله، رواه الطبراني في الثلاثة وفي صحيح البخاري.
[12] عن أنس رواه الطبراني في الصغير والأوسط.
[13] عن عائشة، رواه أحمد في مجمع الزوائد ومسند الإمام أحمد.
[14] ابن عساكر عن أبى هريرة
منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
http://www.fawzyabuzeid.com/table_books.php?name=الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_ رجب%20و

الخميس، 7 يونيو، 2012

الإسراء وعلاج مشكلات العصر


الإسراء وعلاج مشكلات المجتمعالإسراء وعلاج مشكلات المجتمع
الإسراء وعلاج مشكلات المجتمع 
عندما نقرأ سورة النجم نجد الله يقسم لنا وما كنا في حاجة إلى القسم لأنه أصدق القائلين وخير المتكلمين {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً}
{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }
ولكنه لإذهاب الوساوس التي تدور في الصدور والخواطر السيئة التي ترد على العقول في شأن هذه المعجزة الإلهية أقسم فقال{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} يعني كل كلمة تكلمها رسول الله عن رحلته المباركة فإنما هي وحي من الله وإنما هي إلهام من الله وكل تعليمات جاء بها في تلك الرحلة وكل أوامر تلقاها في تلك الرحلة إنما هي غاية الصواب وحكمة العلي الوهاب ما ضل صاحبكم فيما جاء به من عند ربه وما تحرك بغواية نفس ولا بهواية طبع ولا بشئ يجول في خاطره وإنما كما قال الله {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} ثم كان الأمر كذلك وهذه الرحلة جاءت للبشرية كلها منه صلوات الله وسلامه عليه ومنذ زمانه إلى قيام الساعة لحل معضلاتها فقد كان من حوله من المسلمين الأولين يعانون من العداء ومن ألم العتاب ومن قرع الخطاب من الكفار والمشركين وكانوا يذهبون إليه ويسألونه متى ينتهي عنهم هذا الأمر فجاءهم بعد هذه الرحلة بالبشرى قال لهم:ابشروا فقد أُرِيتُ دار هجرتكم وهي أرض ذات نخل فرحوا واستبشروا وعلموا أن الله معهم ومحيط بهم لأنه أراه المدينة وأراه نخلها وأراه دورها وأراه كل شئ فيها لكي يبشرهم في المشكلة التي أرقت بالهم وشغلت نفوسهم وهي متى يرتاحون ويعبدون الله وهم آمنون ويطمئنون ولا يخافون ونحن في عصرنا لكي نقصر عليكم المسافة ما علاج مشكلات مجتمعنا؟ وما علاج مشكلات نفوسنا؟ لو دعونا كل فلاسفة الأرض واجتمعوا ما شاء الله لهم أن يجتمعوا وبحثوا في نفوس طبقات المجتمع لم يستطيعوا أن يهتدوا إلى الحل الصحيح لأنهم لا يعرفون ما توسوس به الصدور ولا يقرأون ما يجول في العقول لكن الله وحده الذي يعلم سرائرنا ويعلم خفيات ضمائرنا هو الذي يملك الحل الوحيد لكل ما نحن فيه من متاعب وآلام والله لأنه خلقنا يعلم ما يدور في زماننا كما يعلم ما يدور في الزمان الذي بعدنا وكما يعلم ما كان في الزمان الذي قبلنا لأن علمه بما سيكون وبما هو كائن كعلمه بما هو كان جل وعلا لأنه ينظر بعينه وهو وحده السميع البصير ماذا علم لنبينا من أجواء ومشكلات مجتمعنا؟إن كل ما نحن فيه من متاعب في الطرقات أو في الأعمال أو في البيوت أو في القرى أو في المدن أرجعها الله لنبيه إلى أربعة أشياء : الأولى: الكلمة فقد رأى ثوراً عظيماً يخرج من جحر ضيق في صخرة ثم يحاول أن يرجع مرة أخرى فلا يستطيع فقال ما هذا يا أخي يا جبريل؟ قال: هذه الكلمة العظيمة يتفوه بها الرجل من أمتك ثم يندم عليها ويحاول أن يرجع فيها فلا يستطيع الكلمة وأكثر مشكلات مجتمعنا من الكلمة فبها الوشاية من المرءوسين إلى الرؤساء وبها النميمة والوقيعة بين الإخوة والأصدقاء وبها تتغير النفوس وتتغير القلوب وتمتلئ بالحقد والضغينة على الأحباب يكون الإنسان يضمر لأخيه غاية المحبة فيأتي واشٍ أو نمام ويبلغه عن أخيه كلمة سمعها أو لم يسمعها فيتغير في الحال وينقلب الحب إلى بغضاء وينقلب بعد ذلك إذا زاد إلى حقد وشحناء حتى أنه ربما ينقلب إلى كراهية وعداء فيفكر في كيفية تحطيمه والقضاء عليه بعدما كان يفكر في تيسير السبيل له وتهيئته كل الأمور له للمحبة التي بينهما لو نتبع هدى الإسلام وقوانين الإسلام في الكلام وربما يسأل سائل وهل للإسلام قوانين في الكلام؟ نعم لكننا لا نسأل عنها ولا نبحث عنها اسمع معي إلى قوانين الإسلام في الكلام أما القانون الأول مع الناس جميعاً مشركهم وكافرهم وجاحدهم كل الناس يقول لنا فيهم رب الناس {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} كلموهم الحسن وليس بالكلام القبيح وليس بالكلام الكريه لأنه حتى ولو كان عدوك فقد قيل في الأثر {اتقوا غيظ القلوب ولو في البهائم} لا تجعل أحداً يغتاظ منك والغيظ في العادة يكون بسبب كلمة أو سلوك غير مرغوب فيه فأمرنا الله أن نحسن الكلمة حتى مع غير المؤمنين أما مع المؤمنين {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} هذا هو الأمر الأول تخفف عنهم عند الضيق ونرفع روحهم المعنوية من اليأس ونزيل الهموم والغموم من صدورهم ونرفع الحزن والأسى من قلوبهم ونعينهم على مشاكلهم كل هذا من ماذا؟من الكلمة وهذه الكلمة الطيبة جعلها الله من رياض الجنة وأعطانا رسول الله مبشراً لأهميتها فقد قال النبي {إِنَّ العبدَ لَـيَتَكَلَّـمُ بالكلمةِ من رضوانِ الله} الكلمة الطيبة الصالحة { يرفعه الله بها في الجنة سبعين خريفاً (يعني سبعين سنة) وإِنَّ العبدَ لَـيَتَكَلَّـمُ بالكلـمةِ من سَخَطِ الله لا يُلْقِـي لَهَا بالاً } من فتنة أو وقيعة أو خديعة { يَهْوَى بِهَا فـي جَهَنَّـم سبعين خريفاً (أي سبعين سنة)[1] ولذا عندما كان رسول الله بين أصحابه وانتقل إلى جوار ربه ومشى أصحابه على هديه لم يكن عندهم محكمة واحدة ولا قاضٍ يفصل بينهم ولا محامٍ يدافع عن حقوقهم لأنهم ملكوا الكلمة فملكوا ناصية الأمور فلم يحتاجوا إلى مرافعات ولا دفاعات ولا مخاصمات لأن كل تلك الأشياء تبدأ من الكلمة حتى أن مصائر الشعوب تتعلق بكلمة ربما يكون شعبٌ مغلوبٌ على أمره وضعيف ويتفوه رئيسه بكلمة تودي بحياة شعبه فالكلمة هي المصدر الأول والسبب الأول في فساد المجتمع وإصلاحه والمؤمن وصفه رسول الله فقال في شأنه {رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْرَاً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ}[2] لا يتكلم إلا بحساب لأن الله يقول {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } فهو يعلم أن كل كلمة ستسجل عليه إما في ميزان حسناته وإما في صحف سيئاته فلا يتفوه بكلمة قبل أن يزنها بالميزان الذي أنزله له الحنان المنان وهو العقل فيعرض الكلمة على عقله وعقله مستضيء بشريعة ربه فإذا وافقت شرع الله ووافقت عادة الناس المرعية التي يعرفها العقل أخرجها وتفوه بها وإذا كانت مخالفة لشرع الله ولا تلاءم العادات المتبعة في أعراض الناس لم يتفوه بها وأمسك لسانه حتى لا يكون على هذه الصورة القبيحة التي وصفها رسول الله الأمر الثاني: وهو تحمل المسئوليات فقد رأى النبي رجلاً يحمل حملاً عظيماً من الحطب ولا يستطيع أن يحمله ولا يستطيع أن يسير به وهو مع ذلك يزيد عليه وهذا ما يحدث في زماننا يريد كل رجل أن يجمع عدة وظائف في قبضته لماذا؟ هل عددنا قليل؟ أو هل كوادرنا غير موجودة؟ الأعداد كثيرة والكوادر كثيرة والشباب كثير في كل تخصص وديننا يؤمن بالتخصص الدقيق والرسول مع أنه كان يوحى إليه من ربه إلا أنه لم يجمع الأمور في قبضته بل وزع التركة على الأصحاب وقال {أرْحَمُ أُمَّتِي أبو بكرٍ وأشَدُّها في دِينِ الله عُمَرُ وَأَصْدَقُها حَياءً عُثمانُ وَأَعْلَمُها بالحلالِ وَالحَرَامِ معاذُ بْنُ جَبَلٍ وأقرَؤها لكتاب الله أُبيٌّ وأعْلَمُها بالفَرَائِضِ زَيْدُ بنُ ثابتٍ ولِكُلِّ أمَّةٍ أمينٌ وأمينُ هذِهِ الأمَّةِ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ }[3] مع أن كل هؤلاء تعلموا منه لأنه المعلم الأول بل إنه كان يستشيرهم ويقول لهم{أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ومن تركها لم يعدم غياً}[4] فعلمهم التخصص وحدد المسئوليات فالرجل له مسئولية والمرأة لها مسئولية والخادم عليه مسئولية وقال في مقدمة المسئوليات {كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ}[5] ثم وضح مسئولية الرجل ومسئولية المرأة ومسئولية الخادم حتى لا يوجد رجل في الإسلام يستبد بالأمور ويلغي شخصية الزوجة هذا ليس في الإسلام وأمر الرجل أن يدرب أبناءه من الطفولة فإذا بلغ الولد سن الرابعة عشر قال له (صاحبه) يعني اجعله لك أخاً وعلمه السلوك الحميد في المجتمع كيف يكسب؟وكيف يحصل على الأرزاق؟وكيف يشارك في الأفراح؟وكيف يواسي في الأحزان؟وكيف يود الأقرباء؟وكيف يحمل هموم الأخوة؟حتى يخرج رجلاً بمعنى الكلمة فالإسلام يؤمن بالتخصصات ولذا أمر المسلمين أن يحمل الواحد منهم ما يستطيع حمله والذي لا يستطيع أن يقوم به إذا حمله يعتبر خان الأمة وخان نفسه وخان دين الله لأنه حمل نفسه ما لا يستطيع المبدأ الثالث: هو التعامل فقد رأى النبي أناساً {قد وكل بهم رجال يفكون لحيهم وآخرون يجيئون بالصخر من النار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}[6] وهذه آفة المعاملة في مجتمعنا إن الذي يغش في بيعه وشراءه يأكل أموال الناس بالباطل والذي يخادع يأكل أموال الناس بالباطل والذي يرائي يأكل أموال الناس بالباطل والذي ينصب أو يحتال أو يغش هذا بالطبع تعلمون أنه يأكل أموال الناس بالباطل والله أيها المسلمون لو طبق المسلمون هذا المبدأ لكان ثروة كبيرة لو حرص كل مسلم على اللقمة الحلال لنفسه ولذويه وأهله لا نصلح حال مجتمعنا فالعمل يكون بشرف بين التجار ولا يكون جشع بين أصحاب رءوس الأموال ولا نجد كذباً في مجتمعنا ولا انعدام أمانة في محلاتنا ولصار أولادنا أذكياء بالفطرة مطيعين بالسليقة بررة بآبائهم وأمهاتهم قائمون بما يرضي خالقهم وإلههم، يؤدّون الأعمال ويتقنونها لله لأنهم يتعاملون مع ذات الله السبب الرابع والأخير ويثور بسببه كثير من المشاكل قال النبي { فإذا أنا بأخاوين عليها لحوم منتنة وأخاوين عليها لحوم طيبة وإذا رجال ينتهبون اللحوم المنتنة ويدعون اللحوم الطيبة فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الزناة يدعون الحلال ويتبعون الحرام }[7] والمعنى طبعا لا يقصد به الرجال فحسب بل الرجال والنساء وهذه الظاهرة كما تعلمون جميعاً هي سرّ ما نعانيه الآن من خطف للإناث وانتهاك للأعراض ومشاجرات تنتهي بالقتل أحياناً وتنتهي بالسجن أحياناً وأشياء وأشياء لا ترضي الله كل هذا يمكننا أن نقضي عليه بآية واحدة من كلام الله قال فيها الله {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} لم يقل (لا تفعلوا الزنا) بل قال {وَلاَ تَقْرَبُواْ} لأن الإسلام وضع من الحدود والضوابط ما به تتم هذه العملية في مجتمع الإسلام كيف؟ لا يجتمع رجل مع امرأة لا تحل له ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم ولا تنام البنت مع أخيها بعد سن عشر سنين بل لابد أن يكون هناك مكان للبنت ومكان للولد مع أنهما إخوان ويجعل الله ضوابط كثيرة وكثيرة منها: لا تدخلوا البيوت حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها ولا تدخلوا على المغيبات قالَ النبي { إيَّاكُمْ والدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فقَالَ رَجُلٌِ: يَا رسول الله أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قالَ: الْحَمْوُ المَوْتُ}[8] يعني الرجل القريب الذي يدخل على حماته أخت امرأته أو أم امرأته فهو الموت يعني حتى ولو كانت أخت زوجته لا يدخل عليها البيت إذا كانت بمفردها يدخل ومعه زوجته أو يدخل ومعه أولاده أو يدخل عندما يكون معها أولادها الكبار العاقلين أو معها زوجها، وهكذا فلو تتبعنا هذه الآثار وعرفناها ونفذناها لم تحدث الفاحشة في مجتمعنا أبدا وإنما الذي يُزيّن هذه الفاحشة ما نجده في مجتمعنا من أفلام للعراة يعرضها الفيديو على فتياتنا وعلى شبابنا وصوراً عارية[9] تباع في مجلاتنا ومجلات عارية تروج في مجتمعاتنا وغيرها من وسائل الاختلاط التي نراها من ضرورة العصر ومن أسباب مدنية العصر التي انتشرت ويحارب الغرب بكل طاقاته لفرضها على مجتمعات المسلمين تحت مسميات مختلفة فيصور الذي لا يوافق على هذا الاختلاط المرذول إنسان رجعي وإنسان متأخر بل ومن تشجيع الفتيات والفتيان على ممارسة الجنس قبل الزواج وتعليمهم كيفية التوقي من الحمل ولكن الحقيقة أن من يجاريهم في هذا ويوافق على الاختلاط المنهي عنه هو الذي يجني مغبتّه ويقع فيما حذره منه الله فإن هؤلاء القوم الكافرون لا أخلاق لهم والله يعاملهم معاملة خاصة بهم ويعاملنا معاملة خاصة فعندما قال لهم(لا تقربوا الزنا) وأباحوه رزقهم بالسيلان ورزقهم بالزهري فصنعوا العازل الواقي والوسائل العازلة للحمل وظنوا أنهم استطاعوا أن يتغلبوا على إرادة الله فأتاهم الله بالإيدز (مرض نقصان المناعة المكتسبة)[10] حتى لا يستطيع الرجل أن يقرب حتى من زوجته إلا إذا عرضها على الطبيب وحصل على شهادة من الطبيب بأنها خالية من هذا الميكروب الخبيث هذه الأمور أغنانا الله عنها ووقانا منها بإتباع شريعة الإسلام وهكذا يا إخوان لو انتشرت بيننا الكلمة الصادقة الطيبة وانتشرت بيننا المعاملة الإسلامية الحلال وانتشر بيننا الرضا بما قدر ذو الجلال ولا يحمل الإنسان ما فوق طاقته وتتبعنا أوامر الله بالحفاظ على الأعراض لم يحدث في مجتمعنا مشكلة واحدة بل سيكون المجتمعالذي يقول فيه الله {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فما وسائل العلاج للمشاكل الشخصية التي تجتاح البشرية والتي صورها علماء النفس بأنها عقد تجتاح بعض الناس ولا يجدون لها علاجاً؟كل الأمراض النفسية وكل الأمراض العصبية منشأها من عدم التوازن في حياة هذا الإنسان فإذا كان الإنسان متوازناً في حياته متوازناً في سلوكه فإن الله يحفظه من الأمراض النفسية والعصبية كيف يحقق هذا التوازن؟بأن يقيم علاقة بينه وبين الله ويكون ذلك في الصلاة التي أتى بها رسول الله نحن والحمد لله كلنا نؤدي الصلاة لكننا نؤديها والمطلوب منا أن نقيم علاقة بيننا وبين الله يعني عندما يقف الإنسان بين يدي الله يناجيه يتكلم فيسمعه ربه ويتكلم الله فيسمعه { قَالَ الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ { الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ } قَالَ الله تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: { الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ }. قَالَ الله تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِ. وَإِذَا قَالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ]قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي ( وفى رواية: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) فَإِذَا قَالَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قَالَ: هذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}قَالَ:هذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ}[11] يعني مناجاة تدور بين الإنسان وبين الله إن الإنسان الذي تعتريه مشكلات كثيرة في دنيا الناس يتعب ويكد ويكدح ليقابل المسئول وبمجرد أن يحظى بمقابلة المسئول عن هذه المشكلة ويعرضها عليه حتى ولو لم يحلها وإنما يعطيه وعداً بحلها تذوب همومه وكربه وضيقه ويخرج منشرح الصدر والله يطلب منك أن لا تلجأ إلى سواه وأن تعرض عليه كل الأمور التي تلم بك في هذه الحياة وهو يحلها بطريقته الخاصة لكن لا تشك ولا ترتاب لأنه يرزق من يشاء بغير حساب لو أقام الإنسان منا علاقة بينه وبين مولاه حافظ على إقامة الصلاة فحافظ على الخشوع والخضوع بين يدي الله في الصلاة إن مثل هذا لن تنتابه أمراضاً عصبية ولن يعكر صفوه مشكلة نفسية ولن تجد شيئاً يعكر باله بل يعيش هانئ النفس مرتاح البال وماذا يبقى لعبد لا يحتاج إلى شئ إلا ويقول يا ربَّ فيجد الله قد فرج كربه وقد قضى حاجته في الحال مثل هذا كيف يعتريه الملل؟مثل هذا كيف يصيبه هم أو نصب؟كان النبي كما تروي عنه السيدة عائشة أنه كان { إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى}[12] وفزع إلى الصلاة فيرفع الله عنه الهم ويكشف الله عنه الكرب وقال الله لنا ولمن قبلنا ولمن بعدنا{اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} استعينوا على أمور الدنيا وعلى المشاكل وعلى الأرزاق وعلى كل شئ بالله 

[1] عن أبي هريرة في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد.
[2] في الزهد عن خالد بن أبي عمران مرسلاً في الفتح الكبير وجامع الأحاديث.
[3] مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذى وصحيح ابن حبان عن أنس
[4] أخرجه ابن عدي والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس، وأوله (قال: لما نزلت {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }
[5] عن ابن عمر في صحيح مسلم والبخاري ورواه الطبراني في الأوسط والصغير عن أنس بن مالك وعن عائشة
[6] مسند الحارث عن أبى سعيد الخدرى
[7] مسند الحارث عن أبى سعيد الخدرى
[8] عنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِر، سنن الترمذي وصحيح مسلم وغيرها وفِي الْبَابِ عنْ عُمَرَ وجَابِر وعَمْرو بنِ الْعَاصِ
[9] وما شاع الآن مما يسمى الفيديو كليب ومما انتشر على الإنترنت من الفجر والعرى والفجور مما فاق الحد والخيال.
[10] والآن بدأ ظهور مرض "تآكل اللحم "وهو أفتك من الأيدز وهم محير للعلماء ولكنه لا يصيب إلا الشاذين جنسياً
[11] صحيح مسلم وكثير غيره عن أبى هريرة
[12] سنن أبى داوود عن حذيفة.


[الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
الإسراء وعلاج مشكلات المجتمعالإسراء وعلاج مشكلات المجتمع

الأربعاء، 6 يونيو، 2012

حديث القرآن عن الإسراء



حديث القرآن عن الإسراء
أخذت أتأمل في العبارات الموجزة التي وصف الله بها رحلة الإسراء والمعراج فاحترت وتعجبت لأن هذه البرقية القصيرة التي لا تزيد عن سطر ونصف جمعت فأوعت جمعت كل شئ يتعلق بهذه الرحلة سواء عن صاحبها أو ما دار من الخلاف بين المختلفين من بعده هل كان بالروح أو بالجسم أو بهما معاً؟وسواء فيما يتعلق بكيفية رؤيته لهذه الحقائق في هذه البرهة من الزمان كل شئ يتعلق بهذه الرحلة المباركة ذكرته هذه الكلمات القصيرة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فأول شُبهة يعترض عليها أصحاب العقول وردّدها المستشرقون فيما بيننا لأنهم يحكمون بعقولهم في الأشياء ولا يدرون أن العقل الذي يحكمون به لا يعلمون عنه إلى يومنا هذا قليلاً ولا كثيراً أين العقل؟وكيف يعمل العقل؟وكيف تُخزّن المعلومات في العقل؟ وكيف تُستحضر الصور من العقل؟ والمناظر والألفاظ المصاحبة لها من العقل؟ لا يعرفون حتى يومنا هذا لا قليلاً ولا كثيراً عن هذا الأمر عرفوا المخ وهو الذي يُسيّر الجهاز العصبي في جسم الإنسان لكن العقل بما فيه من ذاكرة وما فيه من حافظة وما فيه من قوة خيال وما فيه من قوة تصور وما فيه من إدراك أين هو؟ لا يعلمون ولن يعلموا إلا إذا علَّمهم الله وكاشفهم ببعض ما فيه فإذا كنا لا نعلم شيئاً قليلاً أو كثيراً عن العقل فكيف نحكّم العقل فيمن صنعه؟ وكيف نحكم بهذا العقل على من خلقه؟ وكيف نجعله حاكماً على من أوجده؟ إن هذا لهو الضلال البعيد الذي وقع فيه الكافرون وأرادوا أن يرددوه بيننا جماعة المؤمنين ولكن الله يحفظ عباده المؤمنين من الزيغ لأنهم يقولون في كل وقت وحين{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}فبدأ الله العبارة بكلمة سبحان الذي أسرى أي نزّهوا الذي أسرى عن الحركات وعن الحيطات وعن الجهات يعني إياكم أن يخطر ببالكم أن الله فوق سبع سموات وأن محمداً صلى الله عليه وسلم وصل إلى مكان فيه الله !! تعالى الله عن هذا الأمر وتنزه عن هذا الوصف فإن الله موجود في كل الجهات ومحيط بكل الأزمنة والأمكنة ورسول الله كان يراه وهو على بطحاء مكة كما رآه في قاب قوسين أو أدنى وإنما المطلوب في هذه الرحلة أن يصل الحبيب إلى مقام في القرب من الله لم يصل إليه عبدٌ من عبيد الله الذين اجتباهم الله واصطفاهم الله هذا هو المراد وليس معنى ذلك أن الله فوق فإنه فوق الفوقية وإنه تحت التحتية وإنه في أيمن اليمين وإنه في أيسر اليسار، وإنه أمام كل أمام وخلف كل خلف بل إنه أقرب إلى كل إنسان من حبل وريد الإنسان فنسب الله الإسراء إلى ذاته لنعلم أن الذي أسرى بعبده ومصطفاه، هو الله وما دام الله هو الذي أسرى فلا عجب لأن قدرة الله صالحة لكل شئ وتصنع كل أمر بسر قوله سبحانه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} انتهى العجب لأن الرحلة نسبت إلى الله هل كان بالروح أو بالجسم؟ كلام أثار جدلاً كثيراً ردده الكافرون وصدروه إلى جماعة المؤمنين والله أجاب عنه بألطف عبارة وإشارة فقد قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} وكلمة عبد معناها جسم فيه روح وفيه عقل وفيه قلب وفيه كل الحقائق التي فينا الآن إما إذا خرجت الروح من الجسم نسميه نسمة وإذا كان الإنسان روح بلا جسم نسميها نسمة (نسمة يعني روح بلا جسم) ولذا وجد النبي في السماء الأولى آدم وعن يمينه نسمة يعني أرواح لم تخلق بعد وعن يساره نسمة يعني أرواح لم تظهر إلى الوجود بعد فإذا نظر إلى من على يمينه ضحك وإذا رأى من على يساره بكى قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه أرواح بني آدم ونسمهم فإذا نظر إلى أهل اليمين ضحك وفرح وإذا نظر إلى أهل الشمال بكى وحزن فالروح بمفردها نسميها نسمة ولا تظهر بالعين المجردة ولا نستطيع أن نجالسها ولا أن نحادثها ولا أن نلامسها ولا أن نصنع معها كما نصنع مع بعضنا الآن فلما قال الله{أَسْرَى بِعَبْدِهِ} كان معنى ذلك أنه بالروح والجسد هذا هو سر إعجاز هذه الرحلة وإلا فلو رأى إنسان في منامه فيما يرى النائم أنه لفّ العوالم كلها وشاهد كل ما فيها من عجائب صنع الله ومن آيات قدرة الله هل نكذّبه؟ هل نعترض عليه؟ لا أحد يعترض عليه ولا يكذبه لأنه رآه في المنام أما اعتراض الكفار عندما أخبرهم أنه ذهب بروحه وجسده ورجع ولذا قالوا له تغْدوا إلى بيت المقدس وترجع في أقل من لمح البصر ونحن نضرب أكباد الإبل إليه شهراً ذهاباً وشهراً إياباً ولم يخبرهم بالمعراج بعد وإنما أخبرهم بالإسراء فقط في البداية علهّم يصدقوه وعلهّم يسلّموا لكنهم لم يسلموا وهنا أظهر لهم بعض الآيات الحسية التي تدل على صدقه لقد سألوه عن وصف البيت - وقد دخله ولكن لم يشاهده من الخارج - فرفعه الله إليه على يد جبريل وأخذ يديره حتى يصف لهم الأبواب باباً باباً والنوافذ نافذة نافذة وهم مع ذلك أعماهم الله، فلم يصدقه إلا الصديق ثم قال لهم إن إبلكم كانت في مكان كذا وقد شربت مما معهم من الماء وهل تشرب الروح الماء؟ إن الذي يشرب هو هذا الجسد ولما رجعت هذه الإبل أخبروهم قالوا: نعم كان معنا ماءاً في جَرّة وعندما كشفناها وجدنا الماء الذي بها قد نفد ولم نجد حولها ماءاً يدل على أنه قد سُكب فاحترنا من الذي شربه؟ وكان الذي شربه هو رسول الله ثم هذا البراق الذي ركبه وهل الروح تركب؟ إن الروح الأمين وهو جبريل كان يهبط من فوق سدرة المنتهى إلى الأرض ويصعد في أقل من لمح البصر لا يعترضه شئ ولا يمنعه شئ وإنما الركوب يكون لهذا الجسم فهو الذي يحتاج إلى يركبه فدل الله بهذه الكلمة الموجزة أن هذا العبد وهو الرسول أخذه الله بروحه وجسمه ليطلعه على ملأه الأعلى وعلى عوالمه الظاهرة والخفية حكمة من الله لا تتجلى إلا للقلوب التقية النقية { أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} ولو لم يقل الله كلمة ليلاً لظن البعض أن الإسراء تحقق في أسبوع أو في شهر أو في أقرب من هذا أو أقل لكن كلمة ليلاً تفيد أنه ذهب في هذه الليلة ورجع فيها لأن تنكير هذه الكلمة يدل على أنه ليل واحد فالليل الذي ذهب فيه هو الليل الذي رجع فيه والأمر كله تم في بعض من هذه الليلة الواحدة بنص كلام الله ماذا رأى؟{لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} الآيات التي في الملك والآيات التي في بيت المقدس والآيات التي في السموات والآيات التي في العرش والآيات التي في الكرسي والآيات التي في الجنة والآيات التي في النار والآيات التي في كل العوالم داخلة في قول الله {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}وهنا تتعجب العقول كيف ذهب إلى بيت المقدس ثم صعد إلى السموات سماءاً تلو سماء وما بين السماء والأرض بقدر سفر خمسمائة عام وبين كل سماء والأخرى قدر سفر خمسمائة عام وعرض كل سماء قدر سفر خمسمائة عام كيف ذهب إلى كل هذه الأماكن والجهات وما بينها وشاهد كل ما في عوالم الجنات ورجع وفراشه الذي كان ينام عليه لم يبرد بعد بل ظل دافئاً كأنه لم يفارقه إلا لحظة قصيرة إن الإنسان منا لو استيقظ من ليلة وذهب إلى المرحاض ليقضي حاجته وأطال بعض الوقت يرجع فيجد مكانه في الفراش وقد برد لأنه لا يستمر دافئاً إلا للحظات قليلة وحتى لا نتعجل قال الله {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}يعني { كنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا }[1] فكان في هذا الوقت يبصر بنور الله ويسمع بنور سمع الله ويتكلم مع كل هذه الحقائق لأنه كلم جميع الأنبياء والمرسلين وكل نبي له لغة كلغة قومه وتكلّم مع جميع أصناف الملائكة ولكل صنف منهم لغة مخصوصة علمها لهم الله بل تكلم مع الحقائق العالية مع العرش ومع الكرسي ومع الجنات بلغاتها كيف كان ذلك؟ إن الله أعطاه نوراً من نوره في بصره فجعله يبصر ببصر الله وأعطاه نوراً من عنده في سمعه فصار يسمع كل هذه الأصوات في مختلف الجهات بسمع الله وأعطاه نوراً من عنده في لسانه فصار يتكلم مع الجميع في وقت واحد على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم وهذا أمرٌ لا يعجب له المؤمن لأن الله يقول في الحديث القدسي لنا معشر المؤمنين فضلاً عن الأنبياء والمرسلين {ومَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَـيَّ بالنوافلِ حَتَّـى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِـي يَبْطُشُ بِهَا ورِجْلَهُ الَّتِـي يَـمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلَنِـي عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِـي لأُعِيذَنَّهُ}[2] فإذا كان هذا يتفضل به الله على عباد الله المؤمنين العاديين فما بالكم بسيد الأولين والآخرين؟فلو جمعت وسائل الإعلام في العالم كله بمختلف أجهزتها وما معها من وسائل تكنولوجية وقوى عصرية على أن ترسل برقية تشرح فيها هذه الرحلة بمثل هذه الكلمات النورانية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، لكنه صنع الله وأمر الله يحكي هذه القصة الغريبة العجيبة ويرد على كل ما دار في أذهان المؤمنين وغيرهم بكلمات قصيرة وألفاظ يسيرة وهذا إعجاز القرآن الذي نزل به الحنّان المنّان على النبي العدنان ونريد أن نطالع قبساً من أسرار هذه القصة بتدبر وتفكر فإن فيها الشفاء لكثير من أمراضنا الاجتماعية وفيها الدواء لكثير من مشاكلنا النفسية والعائلية وفيها الحل الأمثل للقضاء على ما نحن فيه من نكد العيش ومن هموم الأمراض ومن تعب الأولاد ومن سلوك الأفراد كل هذه الأشياء دواؤها ذكره سيد الأنبياء في هذه الرحلة المباركة ودعونا نذكر مثالاً واحداً ولا نطيل عليكم لو اتبعناه لسعدنا جميعاً في هذه الحياة فقد قال النبي {رأيت جُحْرٍاً صَغِيرٍاً يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ فَيُرِيدُ الثَّوَرُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ حَيْث خَرَجَ فَلاَ يَسْتَطِيعُ قلت: مَا هذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هذَا الرَّجُلُ يَتَكَلّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ فَيَنْدَمُ عَلَيْهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا فَلاَ يَسْتَطِيعُ}[3] كل مشاكلنا سببها هذه الكلمة فلو استطاع الإنسان المسلم أن يمسك لسانه إلا عما ينفعه فلا يخرج منه القبيح ولا يخرج منه السبّ ولا الشتم ولا اللعن ولا الغيبة ولا النميمة ولا الكذب ولا قول الزور ماذا يكون حالنا في مجتمعنا؟إن المحاكم والله ستُغلق أبوابها في ذلك الحين لأن المشاكل كلها بدايتها كلمة. كلمة يقولها إنسان تُحرك إنساناً آخر فيرد عليه بالمثل ثم يتطاول الأمر فتمتد الأيدي ثم يتطاول الأمر فتظهر الأسلحة ثم يكون القتل أو الجرح وتكون القضية وتكون النيابة وتكون المحاكمات ما أغنانا عن هذا كله لو أمسكنا بألسنتنا حتى لا يحدث هذا بيننا ربما يكون أفراد الأسرة جالسين في هناءة بال وفي صفاء حال وواحد منهم يقول كلمة واحدة تعكر هذا الصفو بل تقلب البيت رأساً على عقب كلمة من غير موضعها أو كلمة في غير محلها لكن لو التزمنا بهذه الأوامر الإلهية وكنا كما قال الله{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} فالمؤمنون هداهم الله إلى القول الطيب فلا يقولون إلا الكلام الحسن لأن المؤمن لا ينطق بالكلمة إلا قبل أن يفكر فيها ويتدبر فيها، فإذا كانت له وفي كفة حسناته أخرجها وإذا كانت ستصير عليه وفي كفة سيئاته منعها من الخروج قال الحبيب {رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْرَاً فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ}[4] وكم من كلمات رفعت أناساً إلى أعلى الدرجات إذا كانت هذه الكلمات لرفع الروح المعنوية وللحث على هذه المنازل العلية وكم من كلمات هزّت كيان بشر وجعلتهم يتعرضون للجنون أو يتعرضون للصرع أو يتعرضون للأمراض النفسية من كلمة واحدة.
جراحات السنان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان 
وَقْع الكلام أشد على الإنسان من وقع السهام فلو أمسك المؤمنون بألسنتهم لطابت حياتهم ولسعدوا في معيشتهم ولصاروا والخيرات تغمرهم من جميع النواحي لأن الله جعل مجتمع المؤمنين مجتمع الكلمة الطيبة مجتمع الكلمة الصالحة أما الكلمة الخبيثة والكلمة السيئة فهي في مجتمع الكافرين وفي مجتمع الجاحدين وفي مجتمع المنكرين لا تصل عدواها للمؤمنين إلا إذا تهاونوا بأوامر هذا الدين المتين، وما داموا متمسكين بأوامر هذا الدين أسرهم ونساؤهم وأولادهم حتى يروا ما في هذه السيرة العطرة وما في هذه الحادثة الكريمة من عبر وعظات لعّلها تكون نجاة لنا من أهوال هذه الحياة الدنيا وقد سبقنا المستشرقون إلى هذا الأمر فقد أخذوا منها ونهلوا وأعدوا ووضعوا كتباً أبرزتها وسائل الإعلام في العالم كله فبعضهم كتب كتاباً سماه (كيف تكتسب صديقاً) ووزّع هذا الكتاب ووزع منه في الطبعة الواحدة ما يزيد عن 3 ملايين نسخة وبعد الاطلاع على ما فيه وجدنا أن كل ما فيه هو نسخة من أحاديث رسول الله ومن تفسير آيات الله أخذها الكاتب الأمريكي ونسبها إلى نفسه على أنه هو المبتكر لها والمؤلف لها وعلى أنه هو الذي يضع أصولاً جديدة للصداقات وتكوين الأصدقاء وهكذا الأمر فكل أمورهم قد أخذوها من الإسلام غير أنهم غيرّوا المسمى ونسبوها لأنفسهم فعلينا جماعة المسلمين أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ففيه الخير لنا في هذه الحياة والسعادة لنا عند لقاء الله نرجو الله أن يصلح أحوالنا وأن يفقهنا في ديننا، وأن يلهمنا رشدنا 


[1] رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن عثمان بن كرامة عن أبي هريرة رواه الطبراني في الكبير.
[2] عن أبي هريرة في الفتح الكبير وصحيح البخاري.
[3] رواه البخاري.
[4] في الزهد عن خالد بن أبي عمران مرسلاً في الفتح الكبير وجامع الأحاديث

منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراجhttp://www.fawzyabuzeid.com/table_books.php?name=الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_ رجب%20والإسراء%20والمعراج&id=10&cat=3