Disqus for ومضات إيمانية

الأربعاء، 31 ديسمبر، 2014

الجمال المحمدى للشيخ فوزى محمد أبوزيد




كل مؤمن يهفو بالإيمان قلبه يتوق إلى صاحب الأوصاف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتمنى أن يُسعفه الله برؤيته وأن يحظى منه بنظراته ، ومناه وكل ما يتمناه أن يسمع بضع كلمات من عظيم كلماته حبَّذا لو كان له موجِّهاً وناصحاً ومرشداً فهذا غاية الغايات ومنى كلِّ أهل السعادات

ولما كان يتعذَّر على كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وصفه ، ولم يصفه منهم إلا القليل وكان أكمل هذه الأوصاف ما وصفه به الإمام علي ، وهند بن أبي هالة ابن السيدة خديجة وسيدنا أنس بن مالك ، وجُلَّة من الصحابة الكرام حوالى الخمسة عشر صحابياً

وكان الكثير من ألفاظهم الواردة بالوصف الشريف -بحسب زمانهم- صعبة الفهم الآن على أهل زماننا ؛ فقد اجتهدت بتوفيق من الله ورعايته أن أترجم هذه الأوصاف بكلمات سهلة ميسرة يستطيع أن يفهمها أي إنسان، وهي كالتالي : 


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَنَ الْجِسْـمِ{1} ، فَخـْمَاً مُفَخَّمَاً{2} (عظيماً معظَّماً) ، أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً ، يَتَلألأُ (يستنير) وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقاً ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ{3} ، بَلْ كَانَ يُنْسَبُ إلى الرِّبْعَةِ –مَرْبُوعَاً{4} - إِذَا مَشَى وَحْدَهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ يُمَاشِيهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إِلا طَالَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وَلَرُبَّمَا اكْتَنَفَهُ الرَّجُلان الطَّويلان فَيَطُولُهُمَا ، فَإذَا فَارَقَاهُ نُسِبَا إلى الطُّولِ ونُسِبَ هُوَ صلى الله عليه وسلم إلى الرِّبْعَةِ ، وَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم : "جُعِلَ الخَيْرُ كُلُّهُ فى الْرِّبْعَةِ"{5} ،

{وَكَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ يَكُونُ كَتِفُهُ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ الْجَالِسِينَ{6} ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم عَظِيمَ الصَّدْرِ}{7} ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ{8} ، أَسِيلَ الْخَدَّيْنِ {لَيْسَ فِيْهمَا ارْتِفَاعٌ} ، شَدِيدَ سَوَادِ الشَّعْرِ{9} ، {نِاعِمَ أَمْلَسَ الشَّعْرِ مُتَمَوَّجاً قَلِيلاً}{10}

أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ {11} {أَسْوَدَ الأجْفَانِ ، فِى بَيَاضِ عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ ، طَوِيلَ شَعْرِ الأجْفَانِ{12} ، مُقَوَّسَ الْحَوَاجِبِ مَعَ طُولٍ بِغَيْرِ اتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا{13} ، طَوِيلَ الأنْفِ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَبَتِهِ وَفِي وَسَطِهِ بَعْضُ اِرْتِفَاعٍ{13}أَبْيَضَ الأَسْنَانِ مَعَ بَرِيقٍ وَتَحْدِيد فِيهَا ، مُنْفَرِجَ الثَّنَايَا}{14} إِذَا تَكَلَّمَ رُؤِىَ كَالْنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ{15} {وَاسِعَ الفَمِّ}{16}

وَكَانَ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ عِبَادِ الله شَفَتَيْنِ وَأَلْطَفَهُمْ خَتْمَ فَمِ{17} {وكان صلى الله عليه وسلم أبيضاً مشوباً بحمرة{18} ، مُشـْرقَ اللَّوْنِ نيِّرُه{19} ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ فِى السَّمِنِ ، بَدَنَ فِى آخِرِ عُمْرِهِ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَحْمُهُ مُتَمَاسِكَاً ، يَكَادُ يَكُونُ عَلَى الْخُلُقِ الأوْلِ لَمْ يَـضُرْهُ السِّمْنُ{20} ، يَشُعُّ النُّورُ مِنَ الأعْضَاءِ الْخَاليةِ مِنَ الشَّعْرِ}{21} ،

مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ {مِنْ أعْلَى الصَّدْرِ} إلَى السُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَط ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى? ذ?لِكَ ، أَشْعَرَ الذرَاعَيْنِ وَالْمَنْكَبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ ، طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ {عَظْمَا الذِّرَاعِين} ، رَحْبَ الرَّاحَةِ{22} {وَاسِعَ الْكَفِّ حِسَّاً وَعَطَاءاً{23} ، ضَخْمَ الْكَفَّين{24} ، قَالَ ابْنُ بَطَّال: كَانَتْ كَفُّهُ صلى الله عليه وسلم مُمُتَلِئَةً لَحْمَاً غَيْرَ أَنَّهَا مَعَ غَايَةِ ضَخَامَتِهَا وَغِلْظَتِهَا كَانَتْ لَيِّنَةً{25} ، كَمَا ثَبَتَ فِى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: " مَا مَسَسْتُ خَزًّا قَطُّ وَلا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "{26} ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم طَويلَ الأطْرَافِ طُولاً مُعْتَدِلاً}{27}

وَكَانَ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ قَدَمَاً{28} ، {فَقَدْ كَانَتَا مُرْتَفَعَتَينِ عَنِ الأرْضِ مِنْ وَسَطِهِمَا بِحَيْثُ لا يَمَسُّ وَسَطِهِمَا الأرْضَ}{29} ، وَكَانَ مَسِيحَ الْقَدَمَين{30}{أمْلَسُهُمَا مُسْتَويَهُمَا لَيِّنَهُمَا، بِلا تَكَسُّرِ وَلا تَشَقُّقِ جِلْدِهِ}{31} وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا مَشَى {رَفَعَ رِجْلَيْهِ بِقُوَّةٍ{32} ، وَكَانَ وَاسِعَ الْخُطْوَةِ{33} خِلْقَةً لا تَكَلُّفَاً ، قَويَّ الأعْضَاء ، غَيْرَ مُسْتَرْخٍ فِي الْمَشْي{34} ، وَلا يَلْتَفِتُ وَرَاءَهُ إِذَا مَشَى ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَمْشِى مَشْيَاً يُعْرَفُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ وَلا كَسْلانٍ}{35}

وكان صلى الله عليه وسلم لا يَعُبُّ ولا يَلْهَث{36} وكان صلى الله عليه وسلم إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلاَئِكَةِ{37} ، وكان صلى الله عليه وسلم لاَ يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلاَنِ{38} ، {وإنْ كَانُوا ثَلاثَةً مَشَى بَيْنَهُمَا ، وإِنْ كَانَ جَمَاعَةً قَدَّمَ بَعْضَهُمْ}{39}

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: "مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ"{40}

وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نُورَاً فَكَانَ إِذَا مَشَى بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لا يَظْهَرُ لَهُ ظِلٌّ}{41} وكَانَ وَجْهُهُ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيراً{42} قَالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ فِي بَعْضِ مَا وَصَفَتْهُ بِهِ: أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَأَحْسَنُهُ وَأَجْمَلُهُ مِنْ قَرِيبٍ{42}

{وَكَانَ صلى الله عليه وسلم وَاسِعَ الظَّهْرِ ، مَا بَيْنَ كَتِفَيهِ خَاتَمُ النُّبوَّةِ ، وَهوَ مِمَّا يَلِي مِنْكَبَهُ الأيْمَنِ ، فِيهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ كَأَنَّهَا عُرْفُ فَرَسٍ}{43} ، وَكان خاتمه صلى الله عليه وسلم غُدَّةً حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ{44}

وكان صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ النَّاسِ صَدْرَاً وأصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً وأليَنَهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْـرَةً {أَحْسَنَهُمْ مُعَاشَرَةً} ، خَافِضَ الطَّرْفِ {النَّظَر} ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرَهِ الْمُلاَحَظَةُ{45} يُقَدِّمُ أصْحَابَهُ بَينَ يَدَيْهِ}{46} ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بالسلاَمِ ، مَنْ رآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ ومَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أحَبَّهُ ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ{47} تَوَفَّاهُ اللّهِ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ{48}

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


{1} سنن الترمذي عن أنس {2} من حديث هند بن أبى هاله التميمى (الترمذى، فِي الشَّمائل، والروياني، الطبرانى فى الكبير ، البيقهى في الدَّلائل، البيهقى فى شعب الإيمان ، الحاكم فى المستدرك) { كَانَ فَخْماً مُفَخَّمَاً، يَتلألأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ} {2} صحيح البخارى ومسلم والبيهقى وصحيح ابن حبان عن البراء بن عازب، روى البيهقى { كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقاً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ}، وردت {خَلْقَاً} فى رواية أحمد بن سعيد مما أخرجه البخارى، ووردت { خَلْقَاً وخُلُقَاً } فى رواية ابن حبان، وفى بعضها {بالطويل الذاهب} {3} روى البخارى عن البَراءِ بن عازب قال: { كان النبيُّ صلى الله عليه وسلممَربوعاً بَعيدَ ما بين المنكِبَين} {4} أبو نعيم فى دلائل النبوة من حديث عائشة وكذا فى تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقى {5} شرح الزرقانى على موطأ مالك {6} نور اليقين لمحمد الخضرى وورد فى وصف هند بن أبى هاله بقوله { عريض الصدر} {7} صحيح مسلم والبخارى عن البراء وورد فى حديث وصف النبى لهند بن أبى هالة {8} البيهقى عن أبى هريرة {9} فى مجمع الزوائد فى شرح أبى عبيد لحديث هند.بن أبى هالة و هو كذا معنى حديث أنس فى الشمائل للترمذى { رَجِلَ الشَّعْرِ، لَيْسَ بِالسَّبْطِ وَلاَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ } {10} البيهقى عن أبى هريرة {11} السيرة الحلبية، شرح ما أورد مسلم من حديث جابر { أشكل العينين }،ومن حديث على { أهدب الأشفار } {12} دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني فى شرح حديث هند بن أَبي هَالَةَ بقوله: { أزج الحواجب سوابغ في غير قرن }. وأيضاً فى مجمع الزوائد فى شرح الحديث {13} كذا الشرح فى فيض القدير للمناوى من حديث هند بن أَبي هَالَةَ بقوله {أقنى العرنين} {14} فيض القدير للمناوى فى شرح حديث هند بن أَبي هَالَةَ من قوله { أشنب مفلج الأسنان } {15} أخرجة الترمذي في الشمائل والطبرانى في الأوسط وفي الكبير والبيهقي في دلائل النبوة {16} فيض القدير للمناوى من شرحه لحديث هند من قوله { ضليع الفم } {17} أبو نعيم فى دلائل النبوة للبيهقى من حديث عائشة {18} المنتقى شرح الموطأ، وتحفة الحبيب على شرح الخطيب لحديث أنس {وَلا بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ وَلا بِالآدَمِ} {19} فيض القدير من شرح حديث هند {أزهر اللون}، وفى دلائل النبوة: ولكن إنما كان المشرب منه حمرة ما ضحا للشمس والرياح ، فأشرب بياضه من ذلك حمرة وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر {20} إحياء علوم الدين ودلائل النبوة للبيهقى {21} شرح فيض القدير للمناوى من حديث هند بن أَبي هَالَةَ بقوله { أَنْوَرَ المُتَجَرَّدِ }.أى نيِّرُه {22} عن هند بن أبى هاله التميمى ( الترمذى فِي الشَّمائل، والروياني، الطبرانى فى الكبير ، البيهقى في الدَّلائل، وشعب الإيمان، الحاكم فى المستدرك) {23} فيض القدير من شرح قول هند فى حديث الوصف {رحب الراحة} {24} من شرح قول هند فى حديث الوصف {شَثْنَ الكَفَّيْنِ} {25} فيض القدير من شرح قول هند فى حديث الوصف {رحب الراحة} {26} الصحيحين البخاري ومسلم ومسند أحمد {27} من شرح قول هند فى حديث الوصف {سَائِلَ الأَطْرَافِِ} {28} السيرة النبوية لإبن اسحاق عن عبدالله بن بريدة، وفى فيض القدير للمناوى {29} من شرح قول هند فى حديث الوصف {خَمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ} {30} من حديث الوصف لهند {مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ} {30} فيض القدير من شرح قول هند فى حديث الوصف {مسيح القدمين} {31} من شرح فيض القدير من شرح قول هند فى حديث الوصف {إِذَا زَالَ زَالَ تَقَلُّعاً} {32} كما ورد فى غذاء الألباب شرح منظومة الأداب للتدليل على سرعة مشيه وسعة خطوه التى جبل عليها من أحاديث وصف مشيه صلى الله عليه وسلم كحديث ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ مُرْشِد: {إذَا مَشَى أَسْرَعَ حَتَّى يُهَرْوِلَ الرَّجُلُ فَلا يُدْرِكُهُ}، وعَلِيٍّ: َ {إذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ} وَزَادَ البخارى: {وَإِذَا مَشَى لَكَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صُعُدٍ}.وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ سَعْدٍ: {كَانَ إذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ} وعنه أَيْضًا: { إذَا مَشَى تَقَطَّعَ كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ} {33} النهاية في غريب الحديث لآبن الأثير الجزرى فى شرح حديث ابن عباس {كَانَ إِذَا مَش?ى مَش?ى مُجْتَمِعَاً} {34} شرح حديث أبن عباس { كَانَ إِذَا مَشى مَشى مُجْتَمِعَاً لَيْسَ بِهِ كَسَلٌ، لَمْ يَلْتَفِتُ، يُعْرَفُ فِي مَشيِهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَسِلٍ وَلاَ وَهِنٍ} (أحمد فى مسنده ، البزار ، عن ابن عبَّاسٍ)، وعن جابر كما روى ابن سعد:{كان لا يلتفت وراءه إذا مشى} {35} روى الطبراني في الكبير عن أمِّ سلمة: {وكان لا يَعُبُّ، يَشْرَبُ مرتين أو ثلاثاً}، والعبُّ الشرب بدون تنفس، ولأبي الشيخ من حديث ميمونة: {لا يعب ولا يلهث} تخريج أحاديث الإحياء العراقي {36} (ابن ماجه ، الحاكم فى مستدركه) عن جابرٍ ، جامع المسانيد والمراسيل {37} احمد فى مسنده عن ابن عمروٍ رضَي اللَّهُ عنهُ ، جامع المسانيد والمراسيل وورد {رِجْلان: من الأرجل} {38} فى شرح الحديث : أي لا يطأ الأرض خلفه رجلان ، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لا يمشي قدام القوم بل يمشي في وسط الجمع أو في آخرهم تواضعاً ، كذا فى "عون المعبود شرح سنن أبي داوود" {39} جامع الترمذي ومسند أحمد {40} فى المقاصد الحسنة للسخاوى: وما ذكر أنه لا ظل لشخصه في شمس ولا قمر لأنه كان نورا ، وفى السيرة الحلبية: وأنه إذا مشى في الشمس أو في القمر لا يكون ظل لأنه كان نوراً {41} مسلم عن جابر بن سمرةَ ، جامع المسانيد والمراسيل {42} الحاكم في المستدرك والطبراني {43} دلائل النبوة للبيهقى، والمنهاج مختصر شعب الإيمان للحليمى، وطرح التثريب للحافظ زين الدين العراقى {44} فى سنن الترمذي عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ كانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ يَعْنِي الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ {الحديث } {45} الشمائل المحمدية للترمذى عن على بن أبى طالب {46} شرح {يَسُوقُ أَصْحَابَهُ } من حديث الترمذى فى الشمائل وحديث هند: أي يقدمهم أمامه ويمشي خلفهم كأنه يسوقهم تواضعاً وإرشاداً ولا يدع أحداً يمشي خلفه أو ليختبر حالهم وينظر إليهم حال تصرفهم في معاشهم ، أو لأن الملائكة كانت تمشي خلف ظهره أو لغيره ، فيض القدير {47} الشمائل المحمدية للترمذى عن على بن أبى طالب {48} صحيح مسلم والبخارى والترمذى عن أنس

هل كان رسول الله يضع حجرا على بطنه من شدة الجوع ؟




صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم المعنوية هى أوصافه الربانية التى اتصف بها نحو الرحمة ، الشفقة ، العطف ، السماح ، المودة ، اللين ، هذه الصورة لما تَخلَّق بها أصحابه أشرقت أنوارها على قلوب الخلق فدخل الناس فى دين الله أفواجا ، ما الذى نشر الإسلام فى أرجاء الدنيا؟

أخلاق النبى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، وأخلاق القرآن التى كان عليها أهل القرآن الذين تشبهوا بالنبى العدنان صلى الله عليه وسلم فأصبحت أخلاق نبيهم وقرآنهم مطبوعة على وجوههم ومقروءة من أفعالهم من قبل أن تنطقها ألسنتهم

يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه :{يَا رَسُولَ الله ، لَقَدْ طِفْتُ في العَرَبِ وسَمِعْتُ فُصَحَاءَهُمْ فَمَا سَمِعْتُ أَفْصَحَ مِنْكَ فَمَنْ أَدَّبَكَ؟ قال: أَدَّبَنِي رَبِّـي ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ}{1}

وتعجب من ذلك علىٌ وعمر رضي الله عنهما ، فسأله علىٌ يوماً بعد لقائه بوفد بنى نهد: {يا نبيَّ الله نحنُ بنو أب واحد ونشأنا في بَلد واحِد وإنَّك لتكلِّم العربَ بلسان ما نفهَم أكثره ، فقال إنَّ الله ادَّبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعيد بن بكر}{2}

{فقال له عمر يا رسول الله كلها من العرب فما بالك افصحنا فقال اتاني جبريل بلغة اسماعيل وغيرها من اللغات فعلمني اياها}{3}

واخيراً الرواية المعروفة والمشهورة ، أجاب صلى الله عليه وسلم : {أَدَّبَنِي رَبي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ثمَّ أمَرَنى بمَكَارِمِ الأخْلاق}{4}

أدَّبه ربُّه عز وجل على الأخلاق الكاملة ، ففى مضمار العبادة لا يستطيع أحد من كان على مدار الزمان والمكان أن يقوم بما كان يقوم به صلى الله عليه وسلم من العبادات فكان يقوم الليل حتى تتورم أقدامه وكان يصوم صيام الوصال ويقول: {إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني}{5}

وهنا لطيفة عارضة: تلك الرواية التى يصححها الأئمة وهى أنه كان يضع الحجر على بطنه ، كيف يضع الحجر على بطنه وهو يبيت عند ربه فيطعمه ويسقيه؟ لكنه حدث تحريف للرواية – قبل أن يستعمل تشكيل الحروف- حيث كان صلى الله عليه وسلم يضع "الحُجُزَ" على بطنه ، أى الحزام المعروف ، فحرَّفوها وقالوا أنه كان يضع الحجر على بطنه ، فهل كان صلى الله عليه وسلم يجوع حتى يضع الحجر على بطنه؟ بل كان صلى الله عليه وسلم يبيت جائعاً ويصبح طاعماً

وكان صلى الله عليه وسلم لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، تنام عينه وقلبه لا ينام ومع ذلك وهذا هو الشاهد من حديثا هنا ، مع أنه لايجار ولايبارى فى عبادته لمولاه ولكن عندما مدحه خالقه وباريه الذى يعلم بعبادته هذه ؛ عندما مدحه ، بماذا مدحه؟ مدحه بالصورة المعنوية فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4

لم يقل الله له أنت ذو خُلق عظيم أى صاحب خُلق عظيم ، وإنما قال "على" أى أعلى من الخُلق العظيم ، انظر إلى شكل الخُلق العظيم عند الناس فى كل زمان ومكان فأنت أعلى من هذا الخُلق ، وفى القراءة القرآنية الثانية: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقِ -بكسر القاف- عَظِيمٍ} والعظيم هو الله ، فأنت على خُلقِ الله العظيم جلَّ فى علاه

فكان صلى الله عليه وسلم على خُلق الله ، وهذا هو الوصف الذى وصفه به مولاه ، ولذلك ما البُشْريات التى بشَّر الله بها السابقين فى التوراة والإنجيل؟

عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل :{والله إنه لموصوف في التوراة؟ بصفته في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ـ ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق ـ ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ، فيفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً}{6}

إذاً كان وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال فى سر بعثته: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق}{7}


{1} أَخرجه ابن عساكر من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن الزَّهري عن أبـيه عن جدِّه ، الدرر المنتثرة ، وأخرج ثابت السرقسطي في الدلائل بسند واه أن رجلا من بني سليم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أيُدالِك الرجلُ امرأتَه قال نعم إذا كان ملفحا ، فقال أبو بكر: يا رسول الله ، ما قال لك وما قلت له قال: قال لي أيماطل الرجل امرأته قلت نعم ، إذا كان مفلسا ، قال فقال أبو بكر رضي الله عنه ما رأيت أفصح منك فمن أدبك يا رسول الله قال أدبني ربي ونشأت في بني سعد {2} المقاصد الحسنة للسخاوي ، قال العلماء: وقوله نشأت فى بنى سعيد ، هم يعرفون ذلك ولكن ليؤكد للأمة من بعدهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يطلب العلم أو الأدب من أى مصدر ولم يجالس المعلِّمين ولم يأخذ عن المربين وإنما ذاك من تعليم ربِّ العالمين {3} كتاب مرآة الزمان واخرجه العلامة شمس الدين يوسف بطرق كلها تدور على السدي عن ابي عمارة الحيواني عن علي بن ابي طالب ، اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة {4} ابن السَّمْعَانِي في أَدَبِ الإمْلاَءِ عن ابن مسعُود ، جامع الأحاديث والمراسيل {5} مسند الإمام أحمد عن أبى هريرة {6} مسند الإمام أحمد {7} مسند الإمام أحمد عن أبى هريرة 
 

الاثنين، 29 ديسمبر، 2014

وصف رسول الله




كان الإمام الحسن والإمام الحسين ، لما كانا صغيرين فى السن عندما كان الحَبيب صلى الله عليه وسلم كائناً بينهم ، وأنتم تعلمون أنهما كانا يلعبان بين يديه بل يتخذونه أحياناً مركباً يركبانه ويعتليان ظهره عند السجود

رُوى أنه صلى الله عليه وسلم خرج في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو يحمل الحسن أو الحسين ، فتقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبَّر للصلاة ، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها ، فقال الراوى: إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ، فرجعت في سجودي

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو نزل الوحى ، قال: {فَكُلُّ ذ?لِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرهْتُ أَنْ أُعَجّلَهُ حَتّى يَقْضِي حَاجَتَهُ}{1}

ودخل الحسن رضي الله عنه يوماً من باب مسجده الأنور ، وكان صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب فى جموع المسلمين ، فلما رآه الحسن قال: أبى أبى ومشى مسرعاً فتعثر فى ثوبه فوقع ، فما كان من الرحمة المهداة والنعمة المسداة إلا أن نزل من على منبره وأقام الحسن واحتضنه ورفعه وصعد به المنبر وأكمل خطابه للأُمه ، فصدق من وصفه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}الأنبياء107

هذه كانت أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت ابنة ابنته زينب تأتى إليه أحياناً فى الصلاة فيحملها واقفاً وراكعاً ويضعها بجواره عند السجود ، فإذا أراد القيام ثانية حملها عند نهوضه وهكذا يصلى وهو يحملها ، ياللرحمة

ومع ذلك فإن الحسن والحسين لما كبرا أرادا أن يتعرفا على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرية الحسية التى لم يتحققا بها لصغرهما فى حياة خير البرية صلى الله عليه وسلم ، فكانا يطوفا من وراء بعضهما على الوصَّافين الذين يستطيعون وصف رسول الله وياله من عمل شاق ربما تظنون غير ذلك ، ولكن الحقيقة أنه ما كان أحد من صحابته صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يصفه ، فأكابر الصحاب كانوا لا يستطيعون نعته

يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه - وكان من أكابر العقلاء فى الصحابة ، بل من كبار الدهاة فى القادة – عند وفاته لابنه عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما:{يابنى ، لما بايعت رسول الله كنت أشد الناس منه حياءاً ما ملأت عيني من رسول الله حياء منه}{2}

وإذا كان حسان بن ثابت رضي الله عنه - وقد عاش مائة وعشرين سنة ، ستون سنة قبل الإسلام وستون بعد الإسلام – وكان حسان قد سمع وصْف النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود مثل بقية الأنصار حيث عرفوا أن هناك نبى سيبعث فى مكة ويهاجر إلى المدينة، وأوصافه يعرفها اليهود لقول الله فيهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} البقرة146

لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سمع حسان بن ثابت - ولم يكن قد أسلم بعد - اثنين من اليهود يتحدثان بعدما شاهدا النبى صلى الله عليه وسلم ولا يرون حساناً ، فقال أحدهما للآخر: أهو هو؟ قال: هو هو بنعته الذى ذكره لنا موسى فى التوراة ، قال: وماذا تفعل؟ قال: لن أؤمن به ما حييت – فإنهم يعرفونه لكن الحسد يمنعهم من الإيمان به – فأراد سيدنا حسان أن يتحقق ، فذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم وشاهد جمال محياه وقال فى ذلك:

لما نظرت إلى أنواره سطعت وضعت من خيفتى كفى على بصرى
خوفاً على بصرى من نور طلعته فلست أُبصره إلا على قدرى


لما رأيت رسول الله وضعت يدى على عينى خوفاً من ساطعة الأنوار أن تحرق عينى ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراه أصحابه نوراً ، أما الكافرون والجاحدون فيكفى فيهم قول الله: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}الأعراف198

لا يرون النور مثل إبليس عندما أُمر مع الملائكة بالسجود لآدم ، الملائكة رأت النور الموجود فى وجه آدم – وهو نور رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإبليس عمىَ فلم يرَ إلا جسم آدم وطينته فامتنع عن السجود ، ولذلك قال سيدى على وفا فى ذلك:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره فى وجه آدم كان أول من سجد
أو رأى النمروز بعض جماله عبَدَ الجليل مع الخليل وما عند
لكن نور الله جلَّ فلا يُرى إلا بتخصيص من الله الصمد


فكان صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أى إنسان من صحبه أن ينعته لشدة نورانيته وشفافيته صلى الله عليه وسلم ، فمن الذى نعته ووصفه؟ لا يوجد إلا الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه ، وأم معبد التى مرَّ النبى عليها فى الهجرة ووصفته لزوجها ، وهند بن أبى هالة وهو ابن السيدة خديجة ولكن من زوج آخر ، ولذلك هو خال سيدنا الحسن وسيدنا الحسين ، هؤلاء هم الثلاثة الذين استطاعوا أن يصفوا رسول الله ولم يستطع أحد من صحابته الذين يزيدون على المائة ألف وصفه

ويذكر التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَّى أصحابه وقال فى جمع فيهم عُمر وعلىّ رضى الله عنهم أجمعين: {سيأتى من بعدى رجل من أهل اليمن يُدعى أويس القرنى آمن بى ولم يرنى ، منعه من المجئ إلى بره بأمه ، فإذا لقيتموه فأبلغوه منى السلام وسلوه أن يدعو الله لكم}{3}

وهذا هو السند الذى يعتمد عليه القوم فى الذهاب إلى الصالحين ، هل يحتاج سيدنا علىّ وسيدنا عمر فى الذهاب إلى الصالحين؟ إنه أمر من سيد الأولين والآخرين أن يبحثوا عنه ويذهبوا إليه ويسألوه أن يدعو الله لهم ، أمر

فكان سيدنا عمر رضي الله عنه يحج كل عام وينادى فى أهل اليمن: أفيكم أويس؟ يقولون: لا ، وفى مرة قالوا: ليس فينا إلا راعى غنم يسمى أويس ، قال: أين هو؟ قالوا: عند جِمالنا ، فتظاهر أنه لا يُبدى للأمر أى اهتمام وأشار إلى سيدنا علىّ أن يفعل كذلك ثم انسلا من القوم وذهبا إلى أويس وهو بمفرده

وقالا له: أأنت أويس؟ قال: نعم ، - وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أعطاهم علامة له حيث قال لهم: أنه كان به برصٌ فشفى منه ولم يبق إلا موضع قدر الدرهم تحت إبطه – فقال له عمر: اكشف ذراعك وأرنا إبطك ، فرأى ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقَّقا أنه هو، ودار بينهما الحديث ، وسأل أويس: هل رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالا: بلى ، فأخذ سيدنا علىّ يصفه بالصورة الحسية الظاهرية ، قال: إنكم لم ترونه على الحقيقة ، عجباً

فذهبا إلى السيدة عائشة وذكرا لها ذلك فقالت: لقد رأيته الرؤية الحقيقية مرَّة واحدة ، كنت أُخيط له ثوباً على مصباح فهبت الريح وأُطفئ المصباح ووقع منى المِخْيط فدخل علىَّ صلى الله عليه وسلم فرأيت نوراً من الأرض إلى السماء ، ورأيت على هذا النور المِخْيط وأدخلت فيه الخيط ، رأته مرة واحدة لأنه نور الله الذى ذكره الله: 
{قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} المائدة15


{1} مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن شداد عن أبيه {2} الزهد والرقائق لابن المبارك ، تاريخ دمشق وغيرها {3} الإصابة فى تمييز الصحابة وفى الكثير من كتب المصادر ومراجع الحديث والسنة ووردت بصور عدة 

وسام السعادة




ماذا فعلنا حتى اختار الله لنا الإسلام ديناً؟ وماذا أنفقنا حتى اختار الله لنا القرآن كتاباً؟ وماذا قدمنا حتى خصنا الله بالإيمان والإسلام؟ لم نُقدِّم قليلاً ولا كثيراً ولكنها عناية الله وفضل الله وتكريم الله الذي خصَّنا به نحن جماعة المؤمنين

ولكي نعلم هذه النعمة وقدرها ننظر للرجل الذي وهب حياته للدفاع عن نبيِّكم الكريم وهو عمَّه أبو طالب وأخذ على عاتقه طوال حياته أن يُدافع عنه ضد الكافرين وأن يحميه من المشركين، فأراد النبي أن يُكافأه فدعا الله له أن يهديه ، فأجابه الله ليبيِّن لنا ما تفضل به علينا فقال: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} القصص56

فعلمنا أن الهداية من الله ، فيا أخي المهتدي إلى دين الله والعارف برسول الله والمصدق بكتاب الله ، لو عشت عمرك كله لا تجد لقمة عيش تسد جَوْعتك ولا ثوب يستر عورتك ولكن مِتَّ على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ماذا فاتك من خير الدنيا؟ ماذا ينقصك من نعيم الدنيا بعد أن مِتَّ على خير الكلام وعلى هَدْي سيِّد الأنام وعلى وسام السعادة يوم لقاء الملك العلام؟

إن خير هديِّه وخير نعمة أنعم بها علينا الله هي نعمة الإيمان ولكننا لا ندري قيمتها ولا نعرف حقيقتها لأننا صرنا كبقية الخلق ننظر ونبحث عما يُشْبع بطوننا وعما به نفتخر في شبابنا وعن الرَّياش الذي نُؤسس به بيوتنا وظنَّنا أن تلك هي النِّعم العظمى التي يتفضل بها الله على أحبابه

حتى وصل الأمر بجهلائنا أنهم جعلوها مقياس رضا الله، فيقولون فلان رضي الله عنه لأن الله رزقه سبعين ألف جنيه أو رزقه سفرية إلى السعودية أو رزقه كذا في الأرض أو في المال أو غيرها من عوالم الدنيا الدنيِّة ، وظننا أن ذلك دليل على رضا الله وهذا خطأ فلو كان المال ومُتع الدنيا دليل على رضا الله ما أعطى الكافرين ما نشاهده من هذه النعم ، فقد أعطاهم الدنيا لهوانها عليه ، أما الدليل على رضا الله فتجدوه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقهْهُ فِي الدينِ وَيُلْهِمْهُ رُشْدَهُ}{1}

والدليل على رضا الله أن يفتح الله قلبك فتفتح كتاب الله وتقرأه في الليل والنهار ولا تملّ منه بل تريد الاستكثار لأنك تحسّ فيه برضا الواحد القهار ، والدليل على رضا الله أن يفتح الله عليك باب العمل الصالح لأنه هو المتْجر الرابح الذي يجعلك تخرج من الدنيا فتجد سعْيك مشكوراً فيقول الله تعالى لك ولأمثالك {وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً} الإنسان22

فالله تعالى يقول هذا لمن سعى في العمل الصالح ، أما من يسعى في الدنيا ويكدّ فيها فإنه لا ينال إلا ما كُتب له ولا يأخذ منها إلا ما قدَّره الله له ، فإن كان ذلك على حساب دينه فقد خسر الدنيا والآخرة ، فالفتح الحقيقي والرضا الحقيقي من الله على العبد أن يُلْهمه الطاعة وأن يُوفِّقه لعمل البر ولعمل الخير ، فإن وفَّقه الله لذلك فهذا دليل على إنَّه دخل في قول الله تعالى: {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} البينة8

هذه النعمة ، نعمة الهداية ونعمة الإيمان ، مَنْ سببها؟ ومَنْ الذي أوصلها إلينا؟ ومَنْ الذي بسببه جعلنا الله مسلمين ومؤمنين؟ إنه سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبسببه وصلتنا كلمات الله وبه عرفنا الله ومنه تعلَّمنا أحكام الله وبفضله اهتدينا إلى طاعة الله فهو الذي علَّمنا الطاعة وهو الذي أمرنا بالخيرات وهو الذي بين لنا المنكرات والمحظورات وحذَّرنا منها بأبلغ بيان وأجْلى بُرْهان ، حتى قال صلى الله عليه وسلم: {قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى المحجة الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِها ، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ}{2}

فنحن نحتفل في هذه الأيام بدين الإسلام ، هذا الدين الذي خصَّنا الله به وأكرمنا الله به ، لا نحتفل برسول الله لشخصه ولا لذاته ولكن للهداية التي وصلت معه إلينا من الله والرسالة التي بلَّغها لنا من الله فنحتفل في الحقيقة بهذه الرسالة وهذا الفضل ، وقد أمرنا الله جميعاً أن نفرح بهذا الفضل العظيم وبهذا الدين القويم وبهذا الخير العميم فقال لنا عز شأنه: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} يونس58

لابد أن نفرح بفضل الله علينا وبرحمة الله إلينا بهذا الدين القويم ، فنفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه سبب هذه النعم ، وقد قال في ذلك سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : {أصبحنا وما بنا من نعمة ظاهرة أو باطنة في دين أو دنيا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم سببها وهو الذي أوصلها إلينا}

فالله كان يستطيع أن يُلْهمنا بهذا الدين من غير واسطة وأن يعلِّمنا القرآن وحْيا من لدنه ، لكنَّه عندما اختار سيِّد الأولين والآخرين ليُجْري على يديه هذا الفتح ويُقدِّر عليه هذا البِّر ، كان ذلك لخصوصية فيه ومزيِّة يقول فيها الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء107

فالحمد لله الذي خصَّنا بالرحمة العُظْمى لجميع العالم


{1} رواه الشيخان وأحمد عن معاوية والترمذي عن ابن عباس والبزَّار عن ابن مسعود والبيهقي عن أنس
{2} مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة عن العرباض بن سارية

الأحد، 28 ديسمبر، 2014

لماذا نحتفى بميلاد رسول الله صل الله عليه وسلم ؟


ونحن في هذه الأيام الكريمة أيام ذكرى ميلاد سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، لماذا نحتفل بذكراه؟ وما الواجب علينا نحوه كما بين كتاب الله؟ سؤالان يسيران ، لابد لنا من معرفتهما ، ولا تغني معرفة فرد منا عن معرفة الآخرين ، وسنتولى بفضل الله الإجابة عليهما على قدر ما يفتح الله علينا به

لماذا نحتفل بذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم؟

لو نظرنا لنعم الله علينا نجدها تنقسم إلى قسمين: نعم ظاهرة ونعم باطنة أما النعم الظاهرة فهي التي نشترك نحن فيها أو يشترك معنا فيها: الكافرون والمشركون والجاحدون بل والحيوانات والطيور والأسماك وكل كائنات الله الأرضية وهذه النعم بعضها فينا، وبعضها حولنا

فالنعم التي فينا كنعمة السمع ونعمة البصر ونعمة اللسان ونعمة العقل ونعمة اليد ونعمة الرجل ونعم الأعضاء التي خلقها الله لنا جميعاً ، ولا يستطيع واحد منا أن يستغني عن عضو منها ، بل لو اشتكى عضو منها ألماً لا يستطيع الإنسان النوم ولا يجد الراحة ويسارع إلى الأطباء والحكماء يلتمس عندهم الراحة والشفاء باستخدام الدواء الذي يكتبه له الأطباء

وهذه النعم نحن والكافرون والمشركون والجاحدون فيها سواء بل ربما يكونوا فيها أعظم ولهم فيها نصيب أكثر لأن الله خصهم بنعم الحياة الدنيا فهم أكثر منا صحة ، وخير منا شكلاً وجمالاً ظاهراً وملامحاً ، فهذه النعم يستوي فيها الجميع

أما النعم التي حولنا كالمأكولات بأصنافها والمشروبات بأنواعها ونعمة الهواء ونعمة الشمس ونعمة الدفء ونعمة الضياء ونعمة القمر ونعمة النجوم وكل النعم التي حولنا والتي سخرها لنا الله ، وأيضاً قد يكون الكافر أكثر حظاً منا فيها ، وهذا ما يظهر فيما نراه الآن فأمريكا وأوربا أكثر منا غنى بالخيرات الظاهرة والنعم الظاهرة

ولكن هذا كله أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى? لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ أَبْغَضُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا بُغْضَاً لَهَ}{1}

{ولَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ}{2}

إذاً فبم نتميز أنا وأنت يا أخي على هؤلاء الكافرين والجاحدين؟ نتميز عليهم بنعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة الهداية ونعمة القرآن ونعمة الولاية للرحمن ، لأنك خصك الله وجعلك من عباد الرحمن الذي أثنى عليهم ووصفهم في القرآن بأوضح وأجلى بيان ، هذه النعم هي النعم الباطنة وفيها يقول الله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} لقمان20

والنعم الباطنة نعمة واحدة منها أغلى من الدنيا كلها بما فيها ومن فيها ، فلو أنهم خيروك أن تجلس على عرش أمريكا ويكون العالم كله طوع أمرك والبيت الأبيض بما فيه من نعم وخيرات رهن إشارتك ، ولكن بشرط أن تموت على غير إيمان ، هل ترضى بهذه النعمة؟ بالطبع لا ، وألف لا

ولهذا فنعمة الهداية التي تفضل بها عليك الله ونعمة الإيمان هما أغلى نعمة يتفضل بها الله على أحبابه وعلى أهل ولايته وعلى أصفيائه ، ولذا يذكرنا بها الله فيقول: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} أهي الأكل والشرب والسكن واللبس؟ لا، لأن هذه يشترك فيها جميع الخلق، إذاً ما النعمة التي يذكرنا بها الله؟ {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} آل عمران103

فكأنه يقول عز وجل: اذكروا النعمة التي تقيكم من عذاب القبر والنعمة التي توفقكم لحسن الخاتمة فتجعلكم تموتون مسلمين والنعمة التي تبيض بها وجوهكم يوم الدين {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} آل عمران106

والنعمة التي يثبت الله بها موازينكم والنعمة التي يعطيكم الله بها كتبكم بأيمانكم فتفرحوا وقت لقاء ربكم والنعمة التي يثبتكم الله بها على الصراط يوم تزل الأقدام في نار جهنم والنعمة التي تنجون بها من دار البوار والنعمة التي تدخلون بها الجنة مع الأخيار والنعمة التي تتمتعون بها بالنظر لوجه الله ما هذه النعمة يا إخواني؟

نعمة الإيمان ونعمة الإسلام ونعمة الهداية ، وهي من الله بالكلية فليس في استطاعة واحد منا أن يجلب الهداية لنفسه أو لغيره ، حتى أنبياء الله ورسل الله لا يملكون الهداية لذويهم إلا بإذن من الله ، ليعلمنا الله قدر هذه النعمة فهذا نبي الله نوح يمكث تسعمائة وخمسين عاماً يدعو قومه إلى الله ومن بينهم أقرب الناس إليه ، وهو ولده الذي خرج من صلبه ولكن الله لم يشأ له الهداية

فلم ينفعه بيان أبيه ولم ينفعه خروجه من صلبه ولم ينفعه أنه تربى في بيت النبوة فعلمنا الله أن الهداية بسابق عنايته وضرب لنا المثل بابن نوح حين ناداه وقال: { يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ{42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ{43} نوح

فلما غرق مع الكافرين قال نوح: {رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ{45} قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ {46} نوح
وفي قراءة {إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ}

فلم يستطع نبي الله نوح أن يهدي ولده الذي من صلبه ، لنعلم قيمة هذه الهداية وقدر هذه العطية ورفعة هذه المزية التي يتفضل بها علينا الله بلا ثمن دفعناه ولا شئ قدمناه


{1} الحاكم في تاريخه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللَّهُ عنهُ
{2} سنن ابن ماجه عن سهل بن سعد

السبت، 27 ديسمبر، 2014

صورة لرسول الله تضعها فى بيتك




طلب منَّا الله أن نتعرف على نبينا صلى الله عليه وسلم ، على صورته الحسِّيَّة الظاهرية التى تراها العين البالية الجسدية وعلى صورته المعنوية التى تراها القلوب التقية النقية ، وعلى صورته النورانية التى تراها الأرواح إذا ارتقت وتراها ملائكة السبع الطباق وغيرها من العوالم العلوية ، وعلى صورته الربانية التى أطْلع الله عليها النبيين والمرسلين قبل البدء القديم

وعاهدهم له صلى الله عليه وسلم أن يكونوا له أنصاراً وتابعين ، ثم جدَّد لهم هذا العهد وأحياهم وجمعهم فى بيت المقدس ليروا الحَبيب بعد تكليفه بالرسالة وبعد أمره بالبلاغ وليصلى بهم إماماً لأن الله جعله كذلك-أى إماماً - لجميع الأنبياء والمرسلين ، وسوف نذكر فى هذا المقام بعض ما تطيقه العقول من الصور التى جعلها الله لحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: صورة حسية ظاهرية:
وقد رآها من كان فى عصره وأوانه ، ويكرم الله بمشاهدتها المؤمنين الصادقين إلى يوم الدين ، وفيها يقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ رآني في المَنَامِ فَقَدْ رأى الحَقَّ إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي}{1}

فرؤيته صلى الله عليه وسلم محفوظة من أن يتشبه بها شيطان أو يتمثل بها أحد من الجان لأنها محفوظة بحفظ الرحمن عز وجل

وثانياً: صورة معنوية:
وتلك صورة تراها القلوب إذا صفت وتراها النفوس إذا وفت ، بيَّنها الله فى الآيات القرآنية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً{46} الأحزاب

وغيرها من الآيات القرآنية التى تبين أوصافه القرآنية والتى تقول فيها السيدة عائشة رضى الله عنها: {كان خُلقه القرآن}{2}

وثالثاً: صورة نورانية :
وهى صورة يراها الملأ الأعلى وتراها الأرواح إذا ارتقت فى سماء القرب من حضرة الكريم الفتاح ، قال فيها الله: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} المائدة15
النور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكتاب المبين هو القرآن الكريم ، وليس النور هو الكتاب لأن الله فصل بينهما بالواو وهى حرف عطف يقتضى المغايرة أى يقتضى ما قبلها أن يكون مغايراً ومخالفاً لما بعدها ، فلو كان النور هو الكتاب لكانت الآية: "نور كتاب مبين" لكن النور شئ والكتاب المبين شئ آخر
فالنور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكتاب المبين هو القرآن الكريم الذى أنزله الله عليه ، والقرآن نور: {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} الشورى52
والله عز وجل نور: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} النور35
فالله نورٌ والقرآن نورٌ والحَبيب المُصطفى نورٌ {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} النور35

ورابعاً: هناك الصورة الربانية:
وهى الصورة التى خلقها الله قبل خلق جميع البرية وخلق منها أرواح النبيين والمرسلين وأخذ عليهم فيها العهد والميثاق الذى يقول فيه فى قرآنه المبين: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} آل عمران81

إذاً هناك أربع صور لرسول الله ذكرناها على قدر العقول

فهل المقصود بقول الله {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإن كان كذلك ، فأين يقع هذا المعنى من الصور التى بيناها لكم؟

وجوابنا: الإثنان ، فالكتاب هو رسول الله: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} الإسراء105
وأين نزل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} الشعراء193
على: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} الإسراء105

ولذلك قال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{4} النجم

فلا ينطق عن هوى فى نفسه ولا عن رأى فى شخصه ، وإنما ينطق مبلغاً عن الله لأنه صلى الله عليه وسلم فنى عن نفسه ولم يعد له حظ ولا هوى ولا مطمع دنيوى أو فانى ، وإنما كان كل همه أن يبلغ رسالات الله إلى خلق الله: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}صلى الله عليه وسلم

وذلك لأنه صورة الحق التى ظهرت بين الخلق ، صورة حقية فى صورة آدمية ، باطنه حق وظاهره خلق ، وظاهره مرآة تبين جمال باطنه ، إذاً فقد أصبح ظاهره حق وباطنه حق ، وإلا لما أوجب الله علينا اتباعه حتى فى مشيه وفى طعامه وشرابه وفى كل أموره ، وقد قال سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص: {يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فِى الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَإِنِّى لاَ أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا}{3} 


فهو صورة الحق التى أجلاها للخلق ليتجملوا بهذا الجمال ، فيحوزوا رضاء الحق عز وجل ، وكأن الله جعله مثالاً للكمالات التى يحبها من خلقه ، فمن أراد أن يكون حَبيباً لله فليتخلق ويتجمل بجمال حَبيب الله ومُصطفاه فيصير مثله حَبيباً لله على قدره لا على قدر الحَبيب الأول صلى الله عليه وسلم

عليكم أولاً استحضار صورته الحسية لكى يتهنى بها القلب ، لكن حاول أن تتجمل ليس بصورته الحسية ولكن بأوصافه المعنوية ، وعندما تتجمل بأوصافه المعنوية يمن عليك الله فيُجمل باطنك بأوصافه النورانية ، ولما يجمل باطنك بأوصافه صلى الله عليه وسلم النورانية يفتح لك فتوحات العارفين ويجعلك من أهل مقامات القرب من رب العالمين عز وجل ، وهذا هو سر أهل الخصوصية مع الصور المحَبوبية


{1} صحيح ابن حبان عن أبى هريرة {2} مسند الإمام أحمد {3} مسند الإمام أحمد

الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

كيف نحتفل بذكرى ميلاد رسول الله ؟



ونحن نحتفل بذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنّ كثير منّا أن الاحتفال يكون بإضاءة الأنوار وإحضار الحلوى للصغار والكبار فقط ، ونقول لمن يقف عند ذلك ليس هذا هو حقيقة الاحتفال الذي ينبغي لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

بل حقيقة الاحتفال بذاته صلى الله عليه وسلم أن نُفرِّغ أنفسنا بعض الوقت في هذه الأيام الكريمة لنُطالع سيرته ونُطالع أخلاقه الكريمة في معاملته لأزواجه ومعاملته لأولاده ومعاملته لجيرانه ومعاملته لأعدائه ومعاملته للناس أجمعين ونقيس حالنا بحاله صلوات الله وسلامه عليه ونحاول أن نكون له من المتَّبعين ، فإنَّ الله يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} آل عمران31

ثم نراجع صحف أعمالنا فما وجدنا فيها من خير حمدنا الله وما وجدنا فيها من شر تبنا إلى الله منه وندمنا عليه ورجونا من الله أن يغفره لنا قبل يوم القيامة ثم نصلح ذات بيننا ، فإننا نسر الله إذا أصلحنا فيما بيننا وبين ذوي أرحامنا وأقاربنا في أيام ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إكراماً لله وتعظيماً لشعائر الله وبراً بمولانا رسول الله ، ثم نوسع على عباد الله الفقراء والمساكين في هذه الأيام الطيبة بما أفاض علينا وبما يسر لنا من الأرزاق طمعاً في قوله صلى الله عليه وسلم:{اتقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة}{1}

ولا يجب على المسلم أن يسهر في ليلة الميلاد على غير طاعة الله فإن أكبر الكبائر أن تسهر في ليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كازينو أو ملهى ليلي أو في فيديو يعرض شيئاً يحرِّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أو أن تجلس فى مجلس يدار فيه الخمر أو الحشيش أو يتعاطى فيه الهروين أو غيرها من مجالس المحرمات أو الغيبة والنميمة والمنكرات

أقل إحياء لهذه الذكرى أن تمنع الشر منك عن نفسك وعن الآخرين ، فتحيى هذه الليلة في بيتك مع كتاب الله أو مع سيرة رسول الله أو في زيارة في الله أو في صلة رحم أو عيادة مريض أو عمل نافع لك وللمؤمنين وإياك ثم إياك أن تحييها في شئ بغيض لله

فقد ورد أن أبا لهب عدو الله قد رآه أخوه العباس في المنام بعد موته ، فسأله عن حاله ، فأجابه: كما ترى في العذاب الأليم غير أنه يخفف عنى كل ليلة اثنين ، قال: ولم؟ قال: لأنه لما أخبرتني جاريتي ثويبة بخبر ميلاد محمد وقالت: أبشر لقد ولد لأخيك عبد الله في هذه الليلة ولد وسمي محمد ، فقلت لها: أنت حرة لوجه الله وفرحت ، فيخفف عنى العذاب كل ليلة اثنين إكراماً لفرحى بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا كان هذا كافراً جاء ذمه وتبت يداه في الجحيم مخلداً
أتى أنه في ليلة الاثنين دائماً يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي عاش عمره بأحمد مسروراً ومات موحداً


أي فما بالكم بالمؤمن الذي يسر في ليلة المولد برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعبر عن سروره بعمل صالح يقربه إلى الله وينفعه يوم لقاء الله


{1} رواه الشيخان عن عدي ابن حاتم، والحاكم عن ابن عباس وأحمد عن عائشة, سنن النسائي وسند ابن شهاب عن عائشة رضى الله عنها 

المنن الربانية




بماذا يبشر رسول الله المؤمنين يارب؟ قال ليس بالأجر والثواب – لأن الأجر والثواب لا يكون إلا بعد الإياب هناك فى الآخرة – ولكنه يبشرهم:
 {بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} الأحزاب47

لهم الفضل ، وهذا الفضل ليس بالعمل ولا بالسعى ولا بالجد والاجتهاد وإنما من كنوز المنن الإلهية ومن عين التفضلات الربانية، كما يقول بعض الصالحين: {قطرةٌ من بحر جودك تجعلُ الكافرَ وليَّـــاً والشقىَّ تقيَّـــاً} وهذا هو فضل الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} يونس58

ولذلك فإن أصحاب المناصب العالية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب الدرجات الراقية من المهاجرين والأنصار ومن بعدهم من الأولياء والصالحين إلى يوم القرار أخذوها بالفضل وإياك أن تظن أنها بالجهاد ، وأزيدك بيانا

إن الذى يدخل بالجهاد فإنه من العُبَّاد ، كالذى يُمسك بالمسبحة ويَعُد على الله تسبيحاته أو الذى يقف طوال الليل ويَعُد على الله صلواته ، إن كان قليلاً أو كثيراً، أو الذى يقرأ القرآن ويَعُد على الله ختماته ، فهل عدَّ عليك الله النعم والآلاء التى غمرك بها فى كل الأنحاء؟ بل إن مفيض الفضل والجود والنعم قد تفضل عليك بهذه النعم فضلاً منه عز وجل ولم يعايرك بسببها ولم يَعُدها عليك ولم يأمرك بتسجيلها ، وكل ما يطلبه منك أن تشكره بالكيفية التى علَّمها لك فى كتابه وعلى منهج حَبيبه صلى الله عليه وسلم

إذاً فالعطاءات الإلهية والمنن الربانية خصوصية ، والخصوصية بالفضل ، فكيف يأتى الفضل ومن أين؟ بأن يتعرض له الإنسان:


إذا تعرض عبدى لنيل فضلى تحلَّى
بحلة الحسنى منّى وبالشهود تملَّى



كيف أتعرض لفضل الله إذاً؟ يستلزم التعرض أن تُجَهَّز لمولاك ولحَبيب الله ومُصطفاه قلباً سليماً وحالاً مستقيماً وحباً لحضرة الله ولنبيه مقيماً لا يُبقى فى القلب حبَّةً لغير هؤلاء الأحبة ، وتجهيز القلب لأنه هو الذى يتعرض لفضل الله ، وفضل الله لا ينزل إلا على القلوب أما خيرات الله فهى التى تنزل على الأجسام ، لكن الفتح الإلهى والعلم الربانى والنور القدسى والكشف لا تتنزل إلا على القلوب: {القلب بيت الرب فطهره له بالحب} 

فإذا صليت مثلاً ألف ركعة فى الليلة هل ينظر الله إلى السجود والركوع والتلاوة والتسبيح فى هذه الصلاة أم لغير ذلك؟ نسأل الحَبيب صلى الله عليه وسلم الذى قال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمُ وَلاَ إِلَى? صُوَرِكُمْ وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى? قُلُوبِكُمْ}{1}

ينظر إلى ما فى القلب هل فيه إخلاص؟ هل فيه خشوع؟ هل فيه حضور؟ هل فيه صدق؟ هل فيه تبتل؟ هل فيه زهد فى الدنيا؟ هل فيه ورع عن الحرام؟ هل فيه الصفات النبيلة الكاملة التى كان عليها النبى وأصحابه الكرام؟ بل ما كان عليه أنبياء الله أجمعين عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام؟ هذه هى التجهيزات التى يجب أن يكون عليها القلب والتى تجعله صالحا للتعرض لفضل الله وإتحافات الله وإكراماته

فإذا أنت أتيت كل يوم ببدلة جديدة فإنها للخلق أما إذا أردت أن ترضى الحق فإنه يريد منك بدلة واحدة فقط ، بشرط أن تكون بيضاء وتُلبسها للقلب: "أحب الثياب إلى الله البياض" ولو أنك طهرَّت القلب إلى أن صار ناصع البياض كما خلقه الحق عز وجل فإن نيران المحبة تتأجج فيه وذلك لأن القلب أساساً مملوءٌ بحب خالقه وباريه ولا تنطفئ نار المحبة إلا بالمشاكل الكونية والحظوظ والأهواء الدنيوية عندما أُدخلها فى القلب ، فتضغط على الحب لله ولحبيب الله ومصطفاه وتجعل حبَّ الدنيا هو الظاهر.

والمطلوب أن ترفع هذه الغواشى من القلب ليظهر حبُّ الله لأن القلب أساساً مملوءاً بحب الله ، فقد خلقنا الله ووضع فى قلوبنا نور محبته لأنه جعلنا من أحبته ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ فَإِنْ زَادَ زَادَتْ ، فَذ?لِكَ الرَّانُ ، ثم تلا قول الله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}{2}

إذاً فقد جاء الحجاب من عند نفسك أنت ، أنت الحجاب ، فإذا رفعت الغواشى صرت من الأحباب وكُشف لك النقاب ، وأُذن لك بدخول الرحاب وتوجت بتاج أولى الألباب وفُتحت لك كنوز حضرة الوهاب وجعلك النبى صلى الله عليه وسلم لحضرته باباً من الأبواب ، هل فهمنا هذا واستوعبناه يا أيها الأحباب ، تصبح باباً لحضرة النبى صلى الله عليه وسلم

إذاً لكى يحظى الإنسان بفضل الله ويرى البشائر من رسول الله بذاته عليه أن يتعرض ، ولكى يتعرض عليه أن يدخل على دائرة القلب وينظفها ويطهرها من الدنيا والشهوات والحظوظ والأهواء ولا يجعل فيه إلا هوىً واحداً يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به}{3}

فيكون هواه تبعاً لهوى رسول الله وليس له هوى آخر ، وإذا صلحت القلوب وخلت من العيوب فوراً كوشفت بالغيوب وواجهت حضرة علام الغيوب وسكنها وحل فيها الحبيب المحبوب ، وأعطاها كل المنى والمطلوب ، لأن هذا العبد أصبح قلبه خالياً لحضرة علام الغيوب عز وجل:


فرِّغ القلب من سوانا ترانا يا مريداً جمالنا وبهانا
واعلُ فوق البراق ليلاً فإنا نتجلَّى ليلاً لمن يهوانا


{1} صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه
{2} سنن ابن ماجة عن أبى هريرة رضي الله عنه
{3} فتح البارى عن أبى هريرة رضي الله عنه


الخميس، 25 ديسمبر، 2014

الرؤيا الصالحة أول المبشرات





علِم الله عجز الخلق أجمعين ، الأولين والآخرين عن إدراك بعض المعانى التى جمَّل بها سيد الأنبياء وإمام المرسلين ، فتحَدَّث الله عنها بذاته مبيناً لنا ما نستطيع أن ندركه ونستوعبه من صفاته ، وإن كان صلى الله عليه وسلم فوق ذلك لأن الله هو الذى أعطاه ذلك:

كل الوجود بأسره فى دهشة والكل عن درك الحقيقة حائر
عجز الورى عن فهم سر محمد لم يَدْرِه إلا الإله القادر


من الذى يستطيع أن يدرك سرَّ: {اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ}{1}

فحديث القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ربانى لحقيقة رسول الله ، حتى نتعلق بذاته ونحاول بما فى وسعنا أن نتأسى بحضرته فى كل حركاتنا وسكناتنا لأن الله جعله باب سعادتنا فى الدنيا وباب نجاتنا وفوزنا فى يوم الدين ، والأمر كما سبق ونقلنا قول الإمام الشافعى رضي الله عنه: {أمسينا وما بنا من نعمة ظاهرة أو باطنة فى دين أو دنيا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم سببها وهو الذى أوصلها إلينا} ، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} النحل18

وقد بيَّن الله فى القرآن على قدرنا مُجملاً من بعض صفات نبينا أو كما قلنا سابقاً بعضاً من مهامه أو وظائفه لنا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} فهذه الصفة أو الوظيفة الأولى ، {وَنَذِيراً} وهذه الثانية ، والثالثة {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} ، وهذه الرابعة{وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ، والخامسة {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} الأحزاب

كل صفة من هذه الصفات تحتاج فى شرحها إلى مجلدات يكتبها ويبينها أهل المشاهدات وأهل المكاشفات وأهل العلوم الإلهامية التى يأخذونها من حضرة الله بالذات ، ومع ذلك يقولون ويبينون وفى النهاية يقول قائلهم رضى الله عنهم أجمعين :

على قدرى أصوغ لك المديحا ومدحك صاغه ربى صريحا
ومن أنا يا إمام الرسل حتى أوَفِّى قدرك السامى شروحا
ولكنى أحبُّك ملءَ قلبى فأسعد بالوصال فتىً جريحا


وقد سبق وتناولنا فى الفصل السابق قبسا من معانى قوله {شَاهِداً} ، وهنا سوف أبين لقطة تهمنا كلنا فى قول ربنا لنبينا: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}

من الذى عليه بشارة المؤمنين؟ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل يبشر المؤمنين فى عصره فقط أم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة؟ يبشر المؤمنين إلى يوم الدين ، إذاً فهذه الوظيفة موجودة على الدوام وغير موقوفة وذلك لكى يعلم الجهال الذين يقولون إنه قد أدى الرسالة وانتهى الأمر ، بل إن الرسالة ما زالت قائمة ومن ضمن وظائفها: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}

يظلُّ صل الله عليه وسلم يبشر المؤمنين إلى أن تنتهى الدنيا فليس بعده نبى ولا رسول وكما قلنا سبقاً كذلك سيشهد صلى الله عليه وسلم على الذين فى عصره ، وكذلك سيشهد لنا وعلينا وعلى الذين من بعدنا إلى يوم الدين ، إذاً يبشر سيدنا رسول الله المؤمنين فى كل زمان ومكان ، لماذا؟ لكى تعلو هممنا وتربو عزيمتنا فى الإقبال على الله وفى العمل الموصل إلى رضاء الله

ما الذى يجعل المؤمن يفرح فى الدنيا بالطاعات ويسعد ويستزيد من النوافل والقربات؟ إنها المبشرات الصالحات ، فلو أن الإنسان مارس الطاعات وواظب على النوافل والقربات ولم يأته شئ من المبشرات فإنه يتكاسل ويتباطأ ويتقاعس ، بل إن العامل فى أية مصلحة عندما يعمل بجد وإتقان فلن يُشجعه على مداومة هذا العمل إلا إذا سمع كلمة استحسان من مديره أو تأتي منه علاوة تشجيعية أو يجعل له مزية أو خصوصية لكن لو كان العامل سيعمل ولا يعطيه أحد عبارة استحسان فإنه يقول لماذا أعمل؟ يجب أن أكون مثل غيرى ، وهكذا الحال فى كل أمر ، فبشائر المؤمنين مستمرة إلى يوم الدين ، قال صلى الله عليه وسلم: 
{لاَ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إلا المُبَشِّرَاتُ ، قالوا: يا رسول الله ، وما المبشرات؟ قال: الرُّؤْيَا الصّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُل أَوْ تُرَى لَهُ}{2}

والرؤيا الصالحة إما رؤيا لها تأويل وتعبير وإما رؤية حقيقية فى العوالم الملكوتية ، كمن يرى لقطة من الجنة أو كمن يرى بعض ملائكة الله ، أو يرى بسياحة روحه بعض زينة الله فى عرش الله أو فى كرسى الله أو فى ملكوت الله ، لكن أعلى المرائى التى يتمتع بها أصحاب الرؤيا الصالحة أن يَرَوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه قال: {مَنْ رآني في المَنَامِ فَقَدْ رأى الحَقَّ ، إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي}{3}

وخذها من أى وجه " فقد رأى الحق" أى رآنى رؤيا حقيقية ليس فيها خيالات ولا أوهام ، أو خذها كما قال سيد الأكوان: رآنى حقاً وليس خَلْقاً ، لأنه له جانب خلقى وهو الذى كان به فى الأكوان ، وجانب حقى وهو الذى عليه على مدى الزمان ، وبذلك فقد رأى الحقيقة المحمدية: {فَقَدْ رأى الحَقَّ إنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَشَبَّهُ بي} وهذه هى أول المبشرات الصالحات


{1} صحيح البخارى عن معاوية رضي الله عنه ، ونص الحديث: { مَن يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين ، واللهُ المعطِي وأنا القاسمُ ، ولا تزالُ هذهِ الأمَّة ظاهرينَ على مَن خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون}
{2} مسند الإمام أحمد عن عائشة رضى الله عنها
{3} صحيح ابن حبان عن أبى هريرة

الأربعاء، 24 ديسمبر، 2014

ورثة رسول الله صل الله عليه وسلم





كان سيدنا أبوبكر رضي الله عنه يجلس مع سيدنا رسول الله إلى منتصف الليل ، ثم يأذن له سيدنا رسول الله بالإنصراف – وكان بيت سيدنا أبو بكر بالعوالى خارج المدينة – وعندما يصل إلى بيته يقول: اشتقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ردونى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم على هذه الشاكلة ، حتى أن أحدهم وهو سيدنا عبد الله بن زيد لما وصله خبر لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى قال: اللهم خذ بصرى حتى لا أرى بعد حبيبى محمد أحداً أبداً ، فأخذ الله بصره فى الحال

إن الذى يؤجج هذا الغرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم الشوق الدائم إلى حضرته صلى الله عليه وسلم والذى يزيده هياماً إذا لاحت بارقة من أنوار طلعته ، فالإنسان يحتاج إلى الجهاد فى البداية حتى تلوح له بارقة من أنوار حضرته ، بعد ذلك لن يلتفت لا إلى يمين ولا شمال لكن الإنسان الذى يريد المال والأولاد وغير ذلك ويريد مع ذلك حضرة النبى ، أين القلب الذى يسع كل ذلك 
{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} الأحزاب4

فلا يدخل القلب إلا واحد ، ورسول الله حدَّد الجهاد فى هذا الباب فقال:
 {لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}{1}

فالإنسان إذا لم يصل لهذا الحال عليه أن يجاهد ، فيذهب إلى أهل هذا المقام العالى ويزاحمهم ويُكثر من زيارتهم ويُكثر من مودتهم حتى يُعديه حالهم وهذا سبب تردد الناس على الصالحين ، لأن الإنسان عندما يكون مع الصالحين يكون كأصحاب حضرة النبى صلى الله عليه وسلم ، قال سيدنا حنظلة رضي الله عنه:

{كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى? الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلاَعَبْتُ الْمَرْأَةَ ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ ، فَذَكَرْتُ ذ?لِكَ لَهُ فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللّهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ ، فَقَالَ: مَهْ ، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ ، فَقَالَ:يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى? تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ}{2}

وكانوا رضوان الله عليهم يُطَّبقون فى الحال ، فكانوا يرون الملائكة وتراهم الملائكة وكانوا يتمتعون بالأنوار الذاتية والربانية والنورانية فى ذات خير البرية فى كل أنفاسهم فى حياتهم الدنيوية ، فإذا فارقوا الدار الدنيوية فهم إما فى المعية وإما فى العندية وإما فى اللدنية وكلهم فى قاب قوسين أو أدنى فى مقامات القرب من رب البرية عز وجل

ولذلك يذهب الناس للصالحين حتى يُحضِّروا قلوبهم ويُشوقوا نفوسهم ويُزَهِّدوهم فى الفانى ويُرَغِّبوهم فى الباقى ، ويلوح لهم فى هؤلاء الصالحين جمال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، جمال أحواله وجمال أخلاقه وجمال صفاته وجمال تواضعه وجمال علمه

ثم بعد ذلك إذا داوموا يلوح لهم جمال أنواره وجمال أسراره وكمالات ذاته صلى الله عليه وسلم ، وهذا سرُّ تردِّد الناس إلى الصالحين ولا يوجد شئ يُقَوِّى الوجد والهيام إلا هذا الأمر ، والصالحون لا يحتاجون إلى أحد من الخلق بل إن كل واحد منهم يريد أن يفرَّ من الخلق حتى يظل فى جلوة وخلوة مع الحق ، وفى ذلك يقول الإمام أبوالعزائم رضي الله عنه:

لولا الذين تحبهم لفررت من كلِّ الخلائق سائحا فرَّارا
قلبى لديك وبالبرلس هيكلى أوصلْ إليك الصبَّ أعْلِ منَارا


فالصالحون هم الذين يؤجِّجون نار الغرام وهم الذين يُقوون الهيام وهم الذين يزيدون الوجد والإصطلام وهم الذين يُظهرون كمالات الحبيب المصطفى للأنام ، فلذلك تتردَّد عليهم الخلائق لأن التردُّد على الصالحين هو الذى يُجلى القلب من الدنيا والشهوات والحظوظ والأهواء والمستحسنات والمستلذات ، فالذى يجلى القلب من هذه الأمور مودَّة الصالحين والجلوس معهم

والذى يذهب للصالحين لابد أن يذهب وهو مسافر من الدنيا وذاهب إلى الآخرة ويترك كل أمور الدنيا وراء ظهره {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}آل عمران153

فيجد اليقين ويجد النور المبين ويجد معارج المقربين ويجد شراب الأرواح ويجد طلعة الكريم المنعم الفتاح ، يجد كل هذه النعم والمنن النورانية والإلهية فى حضرات الصالحين ، لكن الذى يذهب للصالحين ليأكل ويشرب فإنه يأكل فى بطنه ناراً ، لكن قبل أن تذهب للصالحين لابد أن تُعلى همتك من أجل الأنوار الراقية والمقامات السامية والمواجهات الراقية الموجودة فى هذه الحضرات ، لكن الطعام والشراب جعلوه من أجل الملاطفات والمؤانسات لأنه لو لم يكن الطعام والشراب فإن الذى يذهب إليهم لن يعود مرة أخرى للأنام لأنه سيشرب الراح ويترك الدنيا ، قال صلى الله عليه وسلم: {حُبِّبَ إليَّ مِنَ الدُّنْيا النساءُ والطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ}{3}
لماذا؟ حتى يظل بيننا
كثير من الصالحين عندما يعلو ويرتقى ويصبح فى الإلهانية يعود مرة أخرى إلى البشرية حتى يظل فى الحياة الوسطية التى نادى بها الله هذه الأُمة المحمدية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} البقرة143

فيُرَّد إلى الوسطية وإلا سيظل فى الإلهانية على الدوام وبالتالى لن ينتفع به الخلق ولا أحد من الأنام ، فجعل الله رياض الصالحين هى المقار التى يتم فيها تجهيز المقربين والمرادين لمواجهات سيد الأولين والآخرين ، فهى مراكز التدريب النورانية التى تُدرِّب القلوب التقية النقية وتؤهلها وتفتح لها الباب لمواجهة خير البرية ، وذلك لمن أخلصوا لله وطلبوا الله بصدق ويقين

لكن الذين يترددون على الصالحين ولو لسنين وهَمُّهُم طلب الدنيا والطعام والشراب فإنهم يضحكون على أنفسهم ، لكن الشراب المخصوص لا يخرج إلا لمخصوص ، وهذا المخصوص لا يوجد فى قلبه إلا الحبيب: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} الإنسان21

والربُّ هنا أى المُربِّى ، ووصف الشراب بأنه طهور لأنه يُطهر القلب من كل غين ومن كل غير ومن كل بعد ومن كل صدود ومن كل الشواغل ومن كل الأغيار حتى يُصبح هذا القلب مؤهلاً للأنوار:

من غيرنا فى عصرنا لا تُكشفن إلا لنا وبنا بسر الوالى
كيف نكون من العارفين والواصلين؟ قال الإمام أبوالعزائم رضي الله عنه:
سر الوصول إلى الجناب العالى حب النبى محمد والآل
ولكن هذا الحب ليس فيه شريك ولا هوى ولا نفس ولا شهوة زائلة ولا دنيا فانية ، لا يريدون إلا الحب الصادق رغبة فيما عند الله وطلباً لرضوان الله وقرباً لحَبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم :

ألا يا أخى بالحب ترقى وتُرفعن وبالزهد تُعطى ما له تتشوق
ونختم بسؤال جاءنا من أحد المحبين الذين يترددون على روضات الصالحين ليتعلم حقيقة وأسرار الصلاة على سيدنا رسول الله إذ قال السائل: أن السالك قد يعقد النيًّة أحياناً ويصلى على حضرة النبى صلى الله عليه وسلم لكى يراه ويتمتع برؤية طلعته البهيه ومحيَّاه ، ولكنه يرى شيخه فما تفسير ذلك؟
ونقول للمحبِّ السائل ولكل إخواننا وقرائنا الكرام: إعلموا إن الشيخ المربى هو صورة من صور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذا فإن المصلى على رسول الله بنية أن يراه صلى الله عليه وسلم فإنه إن رأى شيخه فهو بذلك قد رأى صورة من صور رسول الله ، وذلك لأن صور رسول الله لا تحد ولا تعد ، وكل رجل من الصالحين على قدره صورة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يوحى إليه وإنما يُلهم، لأن الإلهام مرتبة من مراتب الوحى

{1} صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه {2} صحيح مسلم {3} مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه