Disqus for ومضات إيمانية

الأحد، 26 أكتوبر 2014

مكر الله ومكرالناس


أنواعاً وأنواعاً من العذاب لا تتحملها الجبال الراسيات تحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك تحملها صحابته مع أن رسول الله كان عمه يدافع عنه ولكن كان هناك أناس غرباء لا يجدون من يدافع عنهم
والأعجب من ذلك أنهم قاطعوه وعائلته ثلاث سنوات ومن معه من المسلمين لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يزوجونهم ولا يتزوجوا منهم، مقاطعة كاملة حتى أنهم لم يجدوا ما يأكلوه فهناك من يأكل ورق الشجر أو أعشاب الأرض أو لا يجد مع شدة الجوع ، ومع ذلك صبروا حتى رنَّت شهادة التوحيد في آفاق العالم العلوي والسفلي ودوت في أرجاء الكون كله ونصره الله وأعز دينه ونصر جنده وهزم الأحزاب وحده ، هذا كله أيها المسلمون يتجلى في قصة الهجرة
بعدما نصر الله رسوله وأيده وأكرمه واتفق مع الأنصار أن يهاجر إلى مدينتهم فقال لأصحابه {لقد جعل الله لكم مكاناً} فأذن لهم بالهجرة إلى المدينة فذهبوا إلى المدينة فلم يبق في مكة من المسلمين المعروفين غير سيدنا رسول الله وسيدنا أبو بكر وسيدنا علي وبعض المستخفين بالإسلام وهاجر الجميع ، فقال الكفار هذه فرصة لا تفوتنا لأنه لو خرج من بيننا وذهب إلى المدينة سوف يجند هناك جيشاً ويحاربنا ولن نقدر عليه
فقاموا بعمل اجتماع عاجل في دار الندوة بحضور إبليس اللعين لإعداد خطة حكيمة للقضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم بدون إثارة قبيلة بني هاشم فقال أبو البحتري بن هشام: الرأي أن نحبسه في غرفة ونمنع عنه الطعام والشراب إلى أن يموت ، فقال إبليس : إن هذا ليس برأي لأنكم تعرفون مدى حبهم له ولو وضعتموه في سجن ومن خلفه سبعون سجناً سوف يصلون إليه ويخرجوه وينتصرون عليكم
وكانت هناك آراء كثيرة ورفضت ، فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة واحداً ويقفون جميعاً على باب الرسول ويحيطون بالمنزل وعندما يخرج لصلاة الفجر يضربونه ضربة رجل واحد بحيث تختلط به جميع السيوف فيشترك في قتله الجميع فلا تستطيع بنو هاشم محاربة الجميع فيرضون بالدية ، فقال لهم إبليس: هذا الرأي الصواب الذي ليس بعده رأي
ووافق الجميع على هذه الخطة وهذا الاقتراح ووكلوا أبا جهل في تنفيذ هذا الأمر والقيام به واتفقوا على أن يكون هذا الأمر سرياً للغاية وينفذونه فوراً حتى تكون الخطة عاجلة ، وقال بعض المؤرخين بأن الاجتماع كان في الصباح وتنفيذها في المساء في نفس اليوم
وقيل أن أبا جهل قال لهم لا أحد يخرج من هذا الاجتماع ومن هذا المكان إلا أن يأتي لكم الخبر بأننا قتلنا محمداً لأنه لو خرج واحد منكم ربما يذيع الخبر وهذا الذي نزل فيه قول الله في الحال {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} يعني يحبسوك {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} الثلاث خطط {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال30
وهنا وقفة أن مكر الله ليس كمكرنا ، فمكر الله يعني تدبير الله ومعناها تقدير الله ومعناها تصريف الله لأن مكرنا الكيد والحيل والدهاء لكن مكر الله التدبير والتقدير والتصريف منه لعباده
واختار أبو جهل سبعين رجلاً بسيوفهم حول بيت سيدنا رسول الله والسبعين كثيرين وغير معقول أن السبعين يشتركون في القتل واختار من السبعين خمسة يقفون على الباب ويضربونه جميعاً مع بعضهم وفي نفس الوقت يقف على جميع فتحات مكة قوات من أجل إذا خرج تمسك به القوات يعني حصار شديد في جميع أنحاء مكة فانظر كيف ينصر الله رسله {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} غافر51
مع أنهم يعسكرون حول البيت ومتيقظين وليسوا نائمين وأبو جهل يقول لهم أن محمداً يقول أن من يتبعه سوف يملك ملك كسرى وملك قيصر ويوم القيامة يكون له جنان يعني حدائق مثل حدائق الأردن والذي لم يتبعه سيقتل قتل عاد وإرم ويوم القيامة يدخل جهنم فيخرج عليهم رسول الله ويقول لهم {نعم أنا أقول هذا وأنت منهم} وهذا الكلام في وجه أبي جهل
وأخذ حفنة من تراب ووضعها على رءوس الجميع ، كيف يكون ذلك؟ ما هو السلاح الذي كان معه؟ {يس{1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ{2} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{3} عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{4} إلى {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} 1: 9يس
ماذا حدث في هذا الوقت؟ أنزل الله سلاح الضباب الكثيف على أعينهم فأصبحوا لا يرون من أمامهم وليس ذلك فقط ولكن الله جعل على آذانهم غشاوة لا يسمعون حديثه أو مشيه أو رؤيته وأيضاً أفقدهم الله الإحساس بالتراب الذي وضع على رءوسهم وكأن هذا التراب من جهنم فكل من جاء على رأسه تراب قتل في غزوة بدر أو في غزوة أحد وهذه إرادة الله ويقول في ذلك صلى الله عليه وسلم: {إذا أَرَادَ الله قَبْضَ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حاجَة}{1}
ولذلك فالرسول في غزوة بدر جاء قبل المعركة ومشى وقال هنا يموت أبو جهل وهنا يموت أبي بن خلف وهنا يموت فلان حدد في كل مكان من يموت فيه منهم والمكان الذي حدده الرسول هو الذي مات فيه كل منهم وكان هذا قبل المعركة وكأنه أحضر التراب من هذه الأماكن التي ماتوا فيها وكل واحد وضع على رأسه التراب كان أجله في هذه الغزوة
ويخرج رسول الله من مكة ولا يحس به أحد كيف يخرج مع وجود كل هذه القوات وهذه الجنود؟ حدث عندهم ذعر وجنون كيف يخرج من بيننا ولم نره ونحن فرسان العرب ونحن قادة العرب كيف يكون ذلك؟ وعلى الفور أرسلوا فوجاً إلى كل طريق وأجَّروا أدلاء يعرفون الأثر من أجل أن يعرفوا أين ذهب وإلى أين توجه ، ومن أجل أن يصلوا إلى مكانه
ولكن الله يتحداهم لا بالملائكة ولا بقوات ولا بالدبابات ولا بالطائرات ولا بالصواريخ ولكن التحدي كان بأضعف المخلوقات ، سوف أنصر حبيبي بأضعف الأشياء من أجل أن تعلموا بأنكم ليس لكم وزن عند الله وهذه إرادة الله يذل الجبابرة بأضعف المخلوقات
مثل النمروذ لما طغى وتجبر وقال إني إله ووضع سيدنا إبراهيم في النار أرسل له بعوضة دخلت في أنفه واستقرت في رأسه ولم يسترح إلا بضرب النعال على رأسه لمدة أربعين يوماً إلى أن مات هذا الملك ، الذي عمل إله مات ببعوضة وهذه قدرة الله من أجل أن يذل الجبابرة وكذلك زعماء مكة أذلهم الله بهذه الطريقة
فهذا الوليد ابن المغيرة من كبار قريش ذهب ليشتري سهاماً من أجل الحرب فتعلق في ثوبه سيف فاستكبر أن يبعده عن ثوبه فوخذه السيف في قدمه فمات
وكذلك البختري بن هشام جالس بجوار شجرة ومعه عبد من عبيده فنزل سيدنا جبريل وظل يضرب رأسه في الشجرة فيقول للعبد ادفع عني فيقول له إني لا أرى شيئاً وظل يضرب رأسه في الشجرة إلى أن مات
وكذلك العاصي بن وائل السهمي كان من الذين يستهزءون برسول الله وأثناء سيره مع أولاده قال لقد لدغت من قدمي فلم يجدوا شيئاً وبعد خمس دقائق مات وكلهم بهذه الطريقة أذلهم الله وهذا سر قوله سبحانه {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} الحجر95
قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: {مَنْ عَادَىٰ لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ}{2}

{1} رواه أحمد والترمذي عن مطر بن عكامس ، عن أبي عزة
{2} رواه البخاري في صحيحه والسيوطي في الكبير والبيهقي في سننه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق