Disqus for ومضات إيمانية

الثلاثاء، 24 فبراير 2015

كيف كان يأكل رسول الله صل الله عليه وسلم ؟



ورد {إِنَّ مِنْ بَرَكَةِ الطَّعَامِ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءَ بَعْدَهُ} {1}
والوضوء هنا هو غسل اليدين بالماء قبل الطعام وبعد الطعام، ويجلس، ولم يجلس صلى الله عليه وسلم زهداً وورعاً لظروف عصره على شيء عال كالمنضدة الآن، وإنما كان يأكل على ما يُسمى بالسفرة، وهي الفرشة التي تقدَّم على الأرض، والناس الآن يعتبرون أن السفرة هي المنضدة، وهي شيءٌ آخر وليس فيها مانع.

النبي صلى الله عليه وسلم كان في زمانه الناس في فاقة، فمشي على قدر أهل الفاقة، لكن وُجدنا في زمان زاد الخير فيه، فلا مانع أبداً، ولكن نزيد في الشكر لرب العباد، فكلما زادت الخيرات كلما زدنا في الشكر لواهب هذه الخيرات والبركات عز وجل.

وكان صلى الله عليه وسلم يجلس على السفرة ويمنع الأكل والإنسان نائمٌ سواءاً على ظهره أو على بطنه إلا للضرورة، والضرورة يعني مرض، لكن في الظروف الطبيعية لا يجوز، وأظن هذا أيضاً يتنافي مع قواعد علم الصحة، لأن الصحة تحتاج أن يأكل الإنسان وهو جالس

ويبدأ النبي صلى الله عليه وسلم الطعام كما علَّم الصبي: {يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ} {2}
إذا كان الطعام كله سواء فلا أمد يدي لأمام من هو جالس أمامي، وآكل مما أمامي، ولكن بالنسبة للفاكهة بالذات كان يعمل صلى الله عليه وسلم بقول الله فى سورة الواقعة: {وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} الواقعة20

في الطعام العادي كان يأكل مما يليه، وفي الفاكهة يتخير منها، ولا يضع النوى في نفس الطبق، وأظن أنها حكمة عالية لأن النوى قد يحمل جراثيم من الفم، لأن الفم موضع الجراثيم في الجسم، فإذا وُضع في نفس الطبق ينقل الجراثيم إلى هذا الطعام.

وإذا كان صلى الله عليه وسلم في جمع يأمرهم أن لا يبدأوا حتى يبدأ كبيرهم، ويقول لهم: {فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ} {3}
وينهاهم عن البدء حتى يبدأ، وفي ذات مرة أراد رجلٌ أن يبدأ بالطعام قبل بدايته، فأمسك بيده وقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} {4}

فإذا كان جمع لا نبدأ الطعام حتى يبدأ الكبير، كما كان هدى البشير النذير صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت المائدة قال:{بِسْمِ الله} { اجْعَلْهَا نِعْمَةً مَشْكُورَةً تَصِلُ بِها نِعْمَةَ الجَنَّةِ} {5}

وكان صلى الله عليه وسلم إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ يَقُولُ: {بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ} {6}

وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفعت مائدته قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا} {7}

وإذا فرغ من طعامه قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ} {8}

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا} {9}

وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: {كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَرَّب طَعَامًا، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ برَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا، وَلا أَقَلَّ برَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: كَيْفَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لأَنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ بعْدُ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ، فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ} {10}

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: {كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ الطَّعَامَ فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ} {11}

وقالت رضي الله عنها: قال صلى الله عليه وسلم: {إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ} {12}

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلاً، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلا يَرْفَعُ يَدَهُ، وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ} {13}

وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا} {14}

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم، فكان يقول: {اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ} {15}

وكان يقول إذا كانوا صائمين: {أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ} {16}

وكان الشيخ أحمد البدوى رضي الله عنه يدعوا بعد الأكل لأهل الطعام فيقول: " اللهم هنِّي آكليه، واخلف على باذليه، واطرح لنا البركة فيه " فلا مانع من أن ندعو به لأننا ندعو لله، المهم أن تدعو لصاحب الطعام بدعاء جامع.

وكان صلى الله عليه وسلم لا ينفخ في الطعام الحار، ولا يأكله حتى يبرد، فقد ورد: {أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الطَّعَامِ الْـحَارِّ حَتَّى يَبْرُدَ}{17}

وقال صلى الله عليه وسلم: {أَبْرِدُوا الطَّعَامَ، فَإِنَّ الْحَارَّ لا بَرَكَةَ فِيهِ} {18}
وهذا من الإعجاز النبوي، فقد علمنا أن هواء الزفير هو الذي يخرج في النفخ، وهذا الهواء كله ميكروبات، فإذا نفخنا في الطعام ليبرد ملأناه جراثيم وميكروبات، ولذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتركه حتى يبرد، أى يبرد تلقائياً، وإذا أكلنا الطعام حاراً ساخناً أضرَّ بالجهاز الهضمي كله، بداية من الأسنان، فكان صلى الله عليه وسلم لا ينفخ في الطعام، ولا يأكل الطعام حاراً.

وإذا كان في الطعام لحمٌ أمر أحد الحاضرين بالتقسيم والتوزيع، وفى الأثر: {يد الموزِّع ـ أو المفرق ـ في الجنة} ، لماذا التوزيع؟ لأننا لو تركنا كل واحد يأكل كالبوفيه المفتوح فيوجد من يستحي وقد يكون الطعام قليلاً فلا ينال نصيبه من اللحم مثلاً، ويوجد من يأكل ببطء ولا يستى مع من يأكل بسرعة، لكن أمرنا بأن نوزِّع الطعام على الحاضرين ونُدرب أولادنا وبناتنا على ذلك تطبيقاً لفعل سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم.

وقد سمعت في الفضائيات أن بعض المتشددين أفتى بتحريم البوفيه المفتوح، لأن فيه إهدار للطعام، ولكن الأمر لم يصل للتحريم، لأن التحريم يجب أن يكون فيه نصٌّ في القرآن الكريم، أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا كان هذا الطعام يُلقى به فيدخل في دائرة أخرى، والمفروض في هذه الموائد كما يفعل بعض المطاعم والفنادق الكبيرة، يتفقون مع بنك الطعام، باقي الطعام يقومون بحفظه ويعطونه لبنك الطعام يوزعه على الفقراء والمساكين، وبالتالي ليست هناك قضية لأن الطعام المتبقي ذهب لموضعه.

لكن أحرَّم كل شيء بهذه الطريقة فهذا هو الذي أضاع كثيراً من المؤمنين، وهو الذي عقَّد الناس في زماننا هذا من الدين، لأن كل شيء يقولون فيه: هذا حلال وهذا حرام، الذي يحلل ويحرِّم هو النبي صلى الله عليه وسلم، وغير النبي ليس من شأنه التحليل ولا التحريم، هو فقط يردد قول النبي، لكن الحلال والحرمة لله وللنبي صلى الله عليه وسلم.

لكن ربما يكون هذا البوفيه المفتوح عند بعض الناس فيه توفير، لأن كل واحد يأخذ في طبق كما في أصوله ـ البروتوكول ـ لما يأكله بحيث أن لا يفيض منه شيئاً وهذا هو المطلوب، والطريقة الشنيعة الأخرى فهي خارج أساس هذا البروتوكول، فليس لنا شأنٌ بها لأننا نحكم بحسب القواعد التي تمّ بها عمل هذا البروتوكول أو هذا القانون، وكل واحد يأخذ ما يغذيه وما يكفيه.

ودائماً الأمر الطبيعي أن الإنسان إذا رأى طعاماً كثيراً يحدث عنده زهدٌ فيه، وكان هذا من ضمن أهداف هذا البروتوكول، وإذا وجد أمامه طعاماً قليلاً تُفتح الشهية أكثر، ويريد أن يستزيد من هذا الطعام، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتوزيع اللحم على الحاضرين فيكون لكل نصيبه، وعلينا بعد ذلك فقط أن نأكل ونشكر الله على هذه النعم التي أنعم الله بها علينا.

{1} الحاكم في المستدرك وسنن الترمذي عن سلمان {2} الصحيحين البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة {3} سنن أبي داود وابن ماجة عن وحشي بن حرب {4} سنن أبي داود ومسند أحمد عن حذيفة بن اليمان {5} الإحياء ونور اليقين وطبقات الشافعية الكبرى. وحديث التسمية معلوم، أما {إجعلها نعمة مشكورة} فلم يقع العراقى على تخريجها، وقال الرمهرمزى فى (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي} من كلام الحسين بن على {6} مسند الإمام أحمد {7} عمل اليوم والليلة لابن السني والبخاري ومسند أحمد عن أبي إمامة {8} سنن الترمذي وأبي داود عن أبي سعيد الخدري {9} سنن أبي داود وصحيح ابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري {10} مسند أحمد وشرح السنة {11} سنن الترمذي وابن ماجة {12} سنن لترمذي وأبي داود {13} سنن ابن ماجة عن عبد الله بن عمر {14} صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أنس {15} سنن الترمذي وأبي داود عن عبد الله بن بسر {16} سنن أبي داود ومسند أحمد عن أنس {17} معجم ابن الأعرابي عن معاوية بن حديج {18} المطالب العالية لابن حجر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق