Disqus for ومضات إيمانية

الجمعة، 13 أبريل 2012

الموجز الأنفس فى تزكية الأنفس




الموجز الأنفس فى تزكية الأنفس
إخوانى الأحباب الكرام...
نحن فى الحقيقة تحدثنا كثيراً وكثيراً عن جهاد النفس وتزكيتها وطريقة التزكية وميادين الجهاد، حتى بحمد الله نستطيع أن نقول: فصلنَّا هذا الموضوع تفصيلاً وبسّطناه بسطاً لم يُبسط من قبل فى كُتب الصالحين بحسب العصر.لكن أحد الأحباب بعد ذلك كله قال لى: نريد أن تعطينا موجزاً مختصراً بسيطاً فى تزكية النفس، فقلت له قد تحدّثنا فى هذا الموضوع مراراً وتكراراً ... فهناك كتاب: (المجاهدة للصفاء والمشاهدة) وكتاب: (النفس .. وصفها وتزكيتها)وهناك كتب لا عدّ لها ولا حدّ لها، قال: أنا أريد أن تختصر لنا الموضوع كله فى محاضرة واحدةٍ بسيطة، ولذا فسنحاول هنا أن نُقرّب الحقيقة ونبين ونعيد، ولكن يمكن أن يكون هذا آخر حديث لنا فى هذا الباب لأن الأحباب تشبعوا بهذا الباب، ونريد أن ننتقل إلى الأبواب الأعلى فى طريق الله .
 تعريف النفس
النفْس هى جوهرةٌ نورانيّة ربانيّة من أمر الله، عليها إدارة وتيسير هذا الجسد، تنظر فى طلباته من مأكل ومشرب ومن شهوة ومن غضب .... فكل طلبات هذا الجسد المُتولى سياستها وتدبير أمورها هى النفس، ولذلك النفس - وهذا ما يجعل كثيراً من الناس يتشكك فيما يسمعه عنها - قابلة للتفاوت وللتنويع، فمن الممكن أن تكون النفس مَلكاً وأعلى بأوصافها وبعُلو الهمّة وبالرقُىّ فى الأخلاق والأعمال والأحوال! فتنطبع عليها أحوال الملائكة وأعمالهم فتصير نفساً ملكوتيّة!، ومن الممكن أن تصبح النفس شيطاناً وأدنى، إذا اتصفت بأوصاف الشياطين كالخِسّة والدناءة والمكر والدهاء .... وما شابه ذلك من الأوصاف الإبليسيّة التى تجعل الإنسان كما قال الرحمن :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوْحِيْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوْرًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوْهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُوْنَ. (سورة الأنعام أية 112وربما تكون النفس حيواناً وأضّل إذا كان همّها كله فى الشهوات الحيوانيّة من مأكلٍ وملبسٍ ومشربٍ ومنكحٍ، وليس لها همٌ غير ذلك .. فبذلك تدخل فى قول الله (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [179 الأعراف]
والإمام أبو العزائم له فى ذلك المقام قصيدةٌ بسيطةٌ فى الألفاظ، راقيةً فى المعانى يقول فيها:
بهجة النفس بالجمــال العلـــىّ =لا بمُلكٍ يفنى وحظٍّ دنـــىّ
وابتهاج الشيطان حسد وكبر =بفساد وفُرقة وبغى
وابتهاج الشيطان أكل وشرب =ونكاح وذلك قصد القصى
وابتهاج النفوس بعد زكاها = رغبة الفوز بالمقام الهنى
هى نفسٌ إن طهُرت وتزّكت =تتهنّى بحُظوةٍ بالولىّ
وهى إبليس إن أبت وتعالت =وتعامت عن سرّها الآدمىّ
وهى حيوانٌ بل أضّل سبيلاً = إن تسلتّ عن حُسنها بالدنىّ
بين تلك النفوس بونٌ بعيــدٌ =فى خفاءٍ عن مدرك الألمعىّ

هذه القصيدة موجودة فى كتاب معارج المُقربين للإمام أبى العزائم وأرضاه ، وهى تُبيّن أن النفوس تتفاوت، فمن الجائز أن يكون إنساناً؛
لكنّ صورته الباطنة المُهيمنة والمُسيطرة عليه ملّكٌ وأعلى لأنه دخل فى قول الله:ومن الجائز أن يكون إنساناً يتصف بأوصاف الشياطين أو طباع البهائم، فينزل عن درجته التى أكرمه بها الكريم:
﴿ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ ..﴾ [70 الإسراء]
إلى درجة دنيّة إن كانت حيوانيّة أو إبليسيّة، ويراه الناس فى صورة إنسان، لكن أهل البصائر يرونه فى صورة حيوان أو فى صورة شيطان والعياذ بالله !!.. فالنفس قابلة للتنوّع وللتفاوت بحسب أوصافها وأحوالها وأعمالها.
 طرق تزكية النفس
كيف تكون تزكية النفس؟
بإختصارٍ شديد تزكية النفس أو مراقى النفس لها أنواع، فمن الممكن لكل واحدٍ أن يدخل فى نوعٍ من هذه الأنواع ويكتفى به، وإما أن يترقى - وهذا للأفراد - فى هذه الأنواع كلها، وهى أربعة أنواع.
تزكية النفس يكون إما عن طريق الصُحبة، أى صُحبة العارفين والصالحين والمُتقين والروحانيين، وهذا النوع من أسرع الطُرق فى تزكية النفس، لأن الإنسان سريع النقل ممن يجالسه .. حتى أن الإنسان إذا داوم الجلوس مع بعض الناس أو مع إنسان آخر تجده بعد مُدّة ـ طالت أو قصُرت ـ يتشبّه بهم فى الأقوال والأفعال حتى الحركات لأن العدوى تُصيبه وهو لا يشعر!! ولذلك أسرع طريق لتزكية النفس هو صُحبة الصالحين، وهذا هو ما قال الله فى كتابه(119التوبة):( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
هل يستطيع الإنسان أن يُزّكى نفسه بنفسه ؟
لا يستطيع أى إنسان بنفسه أن يُجاهد نفسه، لأنه لا يعلم وسائل الجهاد ولا طُرق وميادين الجهاد، ولا عقبات الجهاد، ولا المراقى التى يترّقى فيها أثناء الجهاد، إن كانت معارك سيرقى فيها، أو مدارج والعياذ بالله سيهوى فيها، لا يعلمها إلاّ خبير علمّه البشير النذير وسلَّمه إذنٌ من العلىّ الكبير .
فالميدان الأول فى تزكية النفس أو تطهيرها يكون بصّحبة الصالحين والمُتقين، أو بالسماع، كسماع القرآن الكريم من صوتٍ خاشعٍ، أو سماع العلم والمواعظ والخُطب من عالمٍ عامل مُتمكن أقامه الله ورسوله فى ذلك، ويساعد على ذلك قراءة سيَّر الأنبياء والمرسلين
والوارثين والصالحين ... فهذا أيضاً يساعد على تزكية النفس لكن لا يُزكى بمفرده، أو سماع المواجيد النظميّة لأنها تهُزّ أرجاء النفس وتُبين لها اللبس والمعانى الكمالية والأكملية التى تحث النفس المُطّهرة القُدسيّة على الوصول إليها فى هذه الأطوار الكونيّة وفى حياتها السلّوكيّة.
ولذلك تجد المريد الذى يريد تزكية نفسه مشغولٌ بهؤلاء، إمّا فى صحبة شيخه، وإمّا فى سماع القرآن، وإمّا فى سماع مواعظ ودروس علمٍ توضّح له الطريق وتُقرّبه إلى الرحمن، وإمّا فى مطالعةٍ لسيَّر الصالحين والمتقين والنبيين والمرسلين.الإمام الجُنيد وأرضاه كان يقولحكايات الصالحين تُثبّت المريدين، وتُقّوى جهاد السالكين)، فقالوا: وهل عندك من دليل؟ قال: نعم اقرأ معى قول الله عندما أمر رسوله وقصّ عليه القصص:( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [120 هود] فقصّ الله على الحبيب قصص الأنبياء والمرسلين لتثبيت الفؤاد، وكذلك للمريدين يكون التثبيت أقوى }وهذا باب فى تزكية النفس، وكل هذا الباب شحذ للعزيمة وتكسير للذات، ووضع الخُطّة لتزكية النفس وإصلاحها. فإذا ألمَّ المريد بذلك يدخل بعزيمة صادقة على جهاد النفس، فى أى شئ يجاهد النفس؟ جهاد النفس فى قهرها على ترك الشهوات التى تطالب المرء بها فى كل الأوقات، فهى تحتاج إلى القهر، فلا ينفع معها اللين ولا ينفع معها السياسة، لابد من قهرها، لأن الشهوات هى التى تحرم الإنسان من سلوك طريق القرب إلى الله ومن متابعة سيد السادات .. فكيف يقهرها؟ لابد أن يمنعها من حظوظها وشهواتها، وسيَّر الصالحين مليئةٌ بالجهاد:
وخالف النفس والشيطان واعصهما **وإن هما محضّاك النُصح فاتهما
إذا كان حظّ النفس فى الأغانى .. أمنعها بالكليّة عن سماع الأغانى، أو شهوتها فى مشاهدة المُسلسلات .. أمنعها بالكلية من مشاهدة ومتابعة ذلك ، أو شهوتها فى الحديث فى الغيبة والنميمة وكثرة الكلام .. لابد أن أمنعها منعاً باتّاً من شهوة الكلام ـ وسيَّر الصالحين مليئة بالجهاد فى هذا المضمار.وكذلك لو شهوتها فى الظهور، فتحب فى أى مجلس تجلس فيه أن يقول الناس : فلان هذا عمل كذا وكذا .. لابد أن أعرّفها مكانتها وأجعلها فى عُبُوديتها لله ترضى بأمر الله لأن: (من كان يُحب الظهور فهو عبدٌ للظهور، ومن كان يُحب الخفاء فهو عبدٌ للخفاء، ومن كان عبداً لله فسواءٌ عليه أظهره أم أخفاه).
واستعان الصالحون فى قهر النفس بالتقليل من الطعام، والتقليل من الكلام، والتقليل من المنام، والتقليل من مخالطة الأنام.فإذا قهرها عن شهواتها وحظوظها واستسلمت، يبدأ فى تقليل بعض المباحات التى يبيحها الشرع له:فالشرع أباح له فى غير رمضان الفطر ... فلا بد أن يكون له بعض الأيام فى الصيام، الشرع أباح له النوم ليلاً ... لابد أن يوقظها فى جوف الليل الآخر والناس نيام، الشرع أباح له اللهو أحياناً ... فيجعل لهوه على ما كان عليه الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام .... إذاً يقلل من بعض المباحات التى أباحها له الشرع إلى أن يصل إلى درجة يكتفى بالضرورات، وهذا حال الصالحين، ويُسمّى هذا الطور بالجهاد، فلابد من الجهاد وكما قلنا:
( كل مريد لا يريد أن يجاهد نفسه فلا يطمع أن يجد ولو شمّة فى طريق الله حتى ولو كان شيخه قُطب الوقت ) 
االموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد

تقرير بمشاركة سيئة  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق