{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}
[5-6التكاثر]
من يتعلم علم اليقين؛ يرى جهنم في المعاصي، وقد يصل الأمر إلى أن بعض الناس يرون الخلائق على هيئتهم الباطنية، فنحن جميعاً مثل بعض ظاهرياً، ولكن الصورة الداخلية: يظهر فيها حقيقة الإنسان، ونيَّته، ولبُّه. فهناك أناس يعيشون في الدنيا ، وكل همهم الإقبال على شهوة الطعام والشراب، وهؤلاء يقول عنهم الله: {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [12محمد] وهناك أناس ليس لهم همٌّ في الدنيا إلا شهوة الفرج، ويقول عنهم الله: {أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}. [179 الأعراف] فالذي عنده يقين؛ يمنعه هذا اليقين عن معصية الله عزَّ وجلَّ . إذاً ما الذي يمنع الإنسان من المعاصي؟ لا يوجد شئ إلا حجاب العلم الإلهي، وحاجز النور الرباني الذي ينزل في القلب، ويمنعه من هذه المعاصي، ويريه هذه الطاعات ، ويعرِّفه أنها رياض الجنَّات ، فيرى المجلس الذي نحن فيه الآن ، ليس مجلس علم فقط ولكنه روضة من رياض الجنَّة، وهذه حقيقة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: {إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنَّةِ فارْتَعُوا ، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذِّكْرِ}، وفى رواية: {مجالِسُ العِلْمِ}{1} فالإنسان الذي يرى هذه المجالس روضة من رياض الجنة، ماذا يفعل؟ يجري ويسارع إلى هذه المجالس لطاعة الله عزَّ وجلَّ، ويرى هذه المشاهد - وهي كثيرة وكثيرة - يراها العارفون والواصلون والمتحققون بعد صفاء اليقين، وبعد عمارة قلوبهم بنور ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، حتى أنك تسمع أن بعضهم يرى الشخص ويعرف إن كان جُنُباً أو طاهراً؟، ويقول له: قم واغتسل، ويرى الشخص ويعرف إن كان عاقاً لوالديه؟، أو باراً بهما؟، ويرى آخر ويعرف إن كان صادقاً؟، أو كذاباً؟، أو مغتاباً .... الخ. يعرف هذا كله عندما ينظر في وجه الشخص الذي أمامه؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [273البقرة]
وهذا في الأنبياء والمرسلين، وفي المقربين بعدهم إلي يوم الساعة:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} [75الحجر]
فهم الذين يرون بنور الله الأشياء الخفيَّة الموجودة في صدور ورؤوس عباد الله. وهذه الحالات إذا تمكن فيها المرء: يرى في هذه اللحظات الصادقين والمرسلين والنبيين، لأنه قد بدأ يمشي على الطريق الصحيح الموصل إلي الله، يأتونه ليعلِّموه ويوصِّلوه ويبشِّروه؛ فكلما ينام، أو إذا قوى في عالم المثال، يرى نفسه مع نبيِّ من أنبياء الله، يتكلم معه، ويأخذ منه شيئاَ مما أعطاه له الله عزَّ وجلَّ. فدائماً عندما ينام يجد نفسه مع فرد من الأفـراد الوارثين، أو مع ولى من المقربين، أو مع صدِّيق من الصديقين، فهو إذن ينام مع الأرواح النورانية؛ فيساعدوه، ويغذُّوه، ويعضدوه، ويبشروه؛ لكي لا تفتر عزيمته، ولا يكلّ ولا يملّ، ويظلّ في الإتجاه الصحيح إلي الله عزَّ وجلَّ. فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالرؤية الصالحة: أصبح فيه قبساَ من نور القلوب، قال صلوات ربى و تسليماته عليه: {الرُؤْيَا الْصَالِحِةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ}{2} فيكون فيه جزء من النبوَّة يدفعه إلي بقية الأجزاء، و بالتالي يعرج إلي الله، والمعارج إلي الله هي نفس المعارج التي عرج عليها رسول الله، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [1 الإسراء] فلو قال بنبيِّه أو برسوله، لكان الباب بالنسبة لنا مغلقاً، ولكنه تعــالى قال: {بِعَبْدِهِ}؛ أي أن كل شخص أصبح فيه صفات العبودية الكاملة لله يعرج بروحه إلي الله عزَّ وجلَّ، والفارق بينه وبين رسول الله هو أن الشخص العادي يعرج بروحه، أمَّا النبي فكان معراجه بالروح والجسد معاً، وفي سبيل عروجه إلي الله يمرُّ بسبع طرائق، وهي التي أشار إليها رسول الله بالسموات السبع. ففي السماء الأولى كان سيدنا آدم، وفي الثانية شاهد سيدنا عيسى، وفي الثالثة إدريس، وفي الرابعة شاهد سيدنا يوسف، وفي الخامسة سيدنا هارون، وفي السادسة سيدنا موسى، وفي السابعة شاهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وبعد ذلك وجد البيت المعمور؛ وهي السبع مراحل التي يمرُّ بها السالك حتى يكون قلبه بيتاً معموراً بأنوار الله وبأسماء الله وبجمالاته عزَّ وجلَّ. فلما يُمَتَّع بالرؤيا المنامية والتزكية الروحية من الأنبياء و المرسلين؛ يخرج من طور الآدمية وصفاتها التي تنازعه لكي يتجمَّل بالجمال الروحاني، فلا يحرمه الله من شئ، بل يقول له خذ ما تريده، ولكن كما أريد أنا وليس كما تريد لنفسك. فإذا أخذ كلَّ ما أُمِرَ وفق شرع الله، ومتأسياَ فيه بفعل النبي؛ أصبح يمشي على الصراط المستقيم، وعلى النهج القويم، فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ واستطاع بنور البصيرة أن يخرج من صفاته الآدمية؛ مثل الغضب، الجهل، المنازعة .. الخ، ويتجمَّل بالصفات المحمَّدية، ويرقى عن رتبة الآدمية؛ فيحييه الله كما أحيى ( يحيى ) الحياة الإيمانية الروحانية، السليمة، ويُلْقى عليه روحاً من عنده، كما ألقى على عيسى عليه السلام: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [15غافر] يُلقى عليه الله روحاَ من عنده؛ فيجعل حياته كلها روحانية نورانية، ويبدأ في مقام المدارسة؛ ليس للكتب ولكن للإشراقات الإلهية والعلوم الربانية في الكائنات، لأن الله عزَّ وجلَّ أودع في الكائنات من العلوم والكنوز ما يحتار فيه العقلاء والعلماء؛ ولكنه لا يبيحه إلا لمن صفت قلوبهم، وطهرت نفوسهم، وأصبحت قلوبهم مشرقة بنور الله عزَّ وجلَّ . وبعد أن يدرس الآثار الكونية، والأسرار الربانية، والعلوم الوهبية ؛ يتجلى الله عليه بجمال روحاني، كالجمال اليوسفي الذي متّع به يوسف، فكل من يراه يحبُّه، وكل من تقع عينه عليه يريد أن يجالسه ويأتنس به، ويكون معنياً بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم: {إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِني أُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ}{3} {1} رواه الإمام أحمد فى مسنده ، و الترمذى فى سننه عن أنس بن مالك ، وفى مجمع الزوائد وجامع المسانيد عن ابن عباس، وفى الترغيب والترهيب عن أبى هريرة وفيها: (المساجد). {2} رواه أحمد وابن حبان والدرامي والحاكم ، عن رواة عدة منهم عبد الله بن عمر وابن عباس رَضِيَ الله عنهم - وفى بعض الروايات: «جُزْءٌ منْ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ »، وفى سنن أبى داود عن ابنِ عَبَّاسٍ: (أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال: ياأيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ). {3} جامع المسانيد و المراسيل عن أبى هريرة رضِيَ الله عنه، وتمامه: (وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدَاً دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِني أُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضْهُ، فَيَبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبغْضَاءُ فِي الأَرْضِ)، ورواه ابن أبى شيبة وأحمد و الطبرانى عن أبى أمامة رضِيَ الله عنه. | ||
Islam is religion of peace
الاثنين، 20 أبريل 2015
الجمال الروحاني
السبت، 18 أبريل 2015
معراج المحبة
فبشرى بمعراج الحَبيب وإسراه وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه الحمد لله كلنا حفظنا القصة ... قصة الإسراء والمعراج، وما ظهر فيها وما حدث فيها، وبعضنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن جال في خاطري شئٌ من معاني هذه القصة؛ عبرة للسالكين، ونوراً للواصلين، وبهجة للمقربين، فأحببت أن أبين بعض ما تفضَّل به الله عزَّ وجلَّ عليّ. والقصة تبدأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان نائماً، بعض الروايات ذكرت أنه كان نائماَ في حجر سيدنا إسماعيل، وبعضها قالت أنه كان نائماَ بالقرب من زمزم، وبعضها قال أنه كان نائماً في دار بنت عمه السيدة أم هانئ رضى الله عنها وأرضاها - والكل يتفق أنه كان نائماَ - ثم جاء سيدنا جبريل عليه السلام ، و الكل يتفق أنه أيقظه من نومه ، ثم قال له كما روى بعض الصالحين: قم يا نائم فقد هُيئّت لك الغنائم. قال: ماذا يا أخي يا جبريل؟ قال: الكريم يدعوك إليه، قال: وماذا يفعل بي؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: هذا لي ، فما لأبنائي ؟ وعيالي؟ وأطفالي؟، قال: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [5الضحى]. قال : الآن طاب قلبي ، ها أنا ذاهب إلى ربي. وبعد ذلك نزل جماعة من الملائكة مع جبريل - كما تذكر الروايات - وأضجعوه وأناموه بجوار الكعبة، وشقُّوا عن صدره، ثم أخرجوا قلبه، ووضعوه في طست، وغسلوه بماء زمزم ، ثم نزلت جماعة أخرى من الملائكة، ومعهم طست مملوءاً إيماناَ وحكمة ، وملؤا قلبه بالإيمان والحكمة من هذا الطست، ثم جاء بالبراق، وركب البراق، وشاهد الآيات التي في عالم الملك (عالم الدنيا) - وكلنا و الحمد لله نحفظها - وصلَّى بالأنبياء في بيت المقدس، ثم نزل المعراج، فعرج به في السماوات العلى، وصلى بأهل كل سماء ركعتين لله عزَّ وجلَّ ، حتى وصل إلى سدرة المنتهى ، إلي آخر القصة التي نعرفها ما العبرة التي نأخذها من هذه الأحداث التي ذكرناها الآن؟ قصة الإسراء و المعراج: هي قصة الوصول إلى الله ، وقصه معرفة الله ، وقصة إشراق الأنوار وظهور الأسرار بقلب اتصل بنور الله، وهي قصة الخروج من الظلمات إلي النور ، وأيضاَ قصة المسافرين الذين يسافرون - ليس من بلادهم أو محافظاتهم - و لكن يسافرون من أنفسهم وحظوظهم، وشهواتهم وأهوائهم؛ إلى ربهم عزَّ وجلَّ ، فكأنهم يقولون ما قاله الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه: منى أسافر لا من كوني الداني أفردت ربي لا حورٍ و ولدان أي أسافر من نفسي، وليس ممن حولي، فالسفر الحقيقي إلى الله عزَّ وجلَّ كيف يبدأ؟، وكيف ينتهي؟، وما مكاشفاته؟، وأنواره؟، وتجلياته؟ كل هذا موجود في قصة الإسراء و المعراج، بل إن شئت قلت: كل هذا موجود في آية واحدة من كتاب الله عزَّ وجلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [1الإسراء] كل شئ موجود في هذه الآية، من بداية القصة إلي نهايتها، وإن كان يغيب عن الناس العاديين، لكن أنتم والحمد لله - بما آتاكم الله من نورانية وشفافية - تظهرلكم لمعات، وتظهر لكم قطفات من الأنوار في هذه الآيات، تعرفون بها بعض فضل الله علينا، وعليكم، وعلى الأمة المحمدية كلها. فالإنسان منا يكون نائماَ - في بداية شأنه - عن الواجب عليه نحو مولاه، ولكنه يقظ لمطالب جسمه، ونفسه، وشهواته، نائماً عن المطلب العالي للروح؛ والروح ليس لها مطلب منَّا، إلا مطلب واحد: أن تصلهـا بمبدعها ومنشئها عزَّ وجلَّ. فهي لا تريد أكلاً، ولا شرباً، ولا لفَّـاً، ولا دورانـاً، بل كل ما تريده مطلبٌ واحدٌ: أن تحظي بالفضل و الرضوان في معيَّة الحنَّـان المنَّـان عزَّ وجلَّ. وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه تحنُّ الروح للعليا و تهوى منازل أنســـها بعــد البيــــان وعند شرابها للراح صرفا تمزّق حجب أعراض الكيان فالروح تحنُّ للمطالب العليا من الأنوار، والأذكار، والأسرار، والفتوحات، والمكاشفات، ولا تحن لأكل ولا شرب ولا نكاح، فهي لا تحنُّ إلا لجمال الله، أو أي شئ يتصل بكمال الله عزَّ وجلَّ، لأنها منبع الكمالات فيك. لكن النفس لأن صفتها النقص دائماً، ترسلك إلي ما يشابهها. فلما يتحقق مطلوب الروح ويأذن الله عزَّ وجلَّ بالفتوح، يرسل الله رسول الإلهام، ورسول الإلهام هذا ملك، فكل شخص معه ملك يرشـده، ويوجِّهه، ويلهمه، ومعه شيطانٌ يزيِّن له، ويوسوس له. ولما يأذن الله بالقرب للعبد: قد يكون نائماً في أودية الدنيا، سواء كان محجوراً عليه من النفس، حجرته في الملذات والشهوات والحظوظ، فهذا يكون مثل النائم في السجن، أو نائماَ في الطمأنينة وراحة البال ونعيم الدنيا، ونسى الآخرة ومطالب الروح ومطالب الله عزَّ وجلَّ، فيأتي ملك الإلهام ويوقظه، ويقول له: قم يا نائم، من نومة الغفلة، أو رقدة الجهالة، فقد هُيّئت لك الغنائم الإلهية من الإسراء، والفتوحات، والمكاشفات، والملاطفات. فإذا استجاب: لابد أن يمسك مشرط المحبة، ولا يوجد شخص يمشى في طريق الله إلا على براق المحبَّة؛ لأن المحبَّة هي التي ستهوِّن عليه الطريق، وتسهِّل له كل صعب - وذلك حتى في الدنيا: فعندما يحبُّ الإنسان المال، يتحمل في سبيله ويترك زوجته وأولاده، وينام في الغربة، ولا يأكل ما يحبُّ، وكل هذه الأشياء في سبيل الحصول على مطلوبه؛ لأنه يحب المال، ومع أن هذا مطلب دنىٌّ، فمن الممكن أن يتعرض للإساءة والهجر والقطيعة، ويتحمل هذا كله في سبيل الحصول على المال، مثال آخر: شخص يحب امرأة، وجائز أهلها لا يريدونه، فتجده يلفُّ من هنا وهناك كي يحصل عليها. ولكن حبَّ الله أرقى وأرفع، لأنه عزَّ وجلَّ قال: لا تصفوا حبَّ الله بشئ في الدنيا - مثل حبِّ المال أو الآباء أو الأولاد أو الأمهات، ولكن قولوا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ} [165البقرة] فكلُّ الحبِّ للأشياء الأخرى لا يعادل ذرَّة من محبَّة المؤمنين لربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، هذا الحبُّ هو الذي يهوِّن الصعاب، ويسهِّل الطريق، ويعين الإنسان على بلوغ المراد، ويفتح بواسطة الحبِّ صدره ويخلع منه حظَّ الشيطان، ويملأ القلب إيماناً وحكمة. إشراقات الإسراء- ج1_ط2 منقول من كتاب {إشراقات الإسراء- الجزء الأول} اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً | ||
السبت، 4 أبريل 2015
صلاة النبى النافلة هيئتها وآدابها
كانت هيئة صلاته صلى الله عليه وسلم النافلة في الليل على أنواع ثلاثة:
أولها: أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته قائماً.، فعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: {مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ – نافلته - قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا}{1} وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قاعداً ويركع قاعداً، كما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها: {كَانَ يُصَلِّي لَيْلا طَوِيلا قَائِمًا، وَلَيْلا طَوِيلا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا}{2} وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قاعداً فإذ بقي يسير من قراءته قام فركع قائماً، كما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها {أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي – أي النافلة - جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ}{3} وكان صلى الله عليه وسلم يرشد للحفاظ على المداومة: فمن نام عن حزبه من الليل فليأتي به ما بين صلاتى الفجر والظهر، فيقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ}{4} وكان صلى الله عليه وسلم أيضاً يُصلي صلاة الضحى، ولم يكن له عدد محدود، ولا وقت معين، فكان يُصليها من بعد الشمس بثلث ساعة إلى قبل الظهر بثلث ساعة، وأحياناً كان يُصلي الفجر ثم يمكث يذكر الله حتى تطلع الشمس، وبعد الشمس بثلث ساعة يقوم إلى الصلاة، ويقول صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت: {مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ}{5} {بَعَثَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجَلٌ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ: مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلُ غَنِيمَةً وَأَسْرَعُ رَجْعَةً، قَوْمٌ شَهِدُوا صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً}{6} أكثر من هؤلاء في السرعة والغنيمة من عند الله، وكانوا يسمونها الغنيمة الباردة، أي التي لا تأتي عن طريق ضرب برمح أو سيف، ولكن تأتي عن طريق ذكر باللسان، وطاعة لله بالأبدان. وهى الغنيمة الإلهية من السكينة والطمأنينة والخشوع والخضوع والرضا عن الله وحلاوة طاعة الله وغيرها من الغنائم التي يفيضها الله على عباده الصالحين الذين يحرصون على هذه الأوقات. وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يصلي الضحى ركعتين. وأحياناً يصليها أربع ركعات. وأحياناً يصليها ست ركعات. وأحياناً يصليها ثماني ركعات. وأحياناً يصليها اثني عشر ركعة. كل هذا وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: {صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِي مِنَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ}{7} وقالت السيدة أم هانيء بنت أبي طالب بنت عم رسول الله: {لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ وَسَتَرَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ}{8} وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من صلى الضُّحى ثِنْتَيْ عشْرَةَ ركعةً بَنَى الله له قصراً في الجنة من ذهب}{9} إذاً لا حد لأقلها، ولا حد للزيادة في شأنها، كل إنسان يعمل في شأنها بقول الله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن16 لكن يقول فيها صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ: الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى صَلاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ}{10} ويقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى لا يَقُولُ إِلا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ}{11} هذه بعض الآداب المتعلقة بالصلاة، فكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على هذه النوافل لله. أما الصيام فقد ذكرناه بالتفصيل في كتابنا: (الصيام شريعة وحقيقة) اضغط هنا لتحميل الكتاب والحج ذكرناه في كتابنا: (زاد الحاج والمعتمر) اضغط هنا لتحميل الكتاب والأذكار ذكرناها في أكثر من كتاب من كتبنا وخاصة كتاب: (أذكار الأبرار) اضغط هنا لتحميل الكتاب والدعاء ذكرناه في كتابنا: (مفاتح الفرج) اضغط هنا لتحميل الكتاب وجمعنا الأذكار والأدعية والأوراد فى كتابنا (جامع الأذكار والأوراد) اضغط هنا لتحميل الكتاب {1} صحيح مسلم وسنن الترمذي {2} صحيح مسلم وسنن أبي داود {3} صحيح مسلم وسنن الترمذي {4} صحيح مسلم وسنن الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {5} سنن الترمذي عن أنس {6} جامع الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {7} مسند أحمد {8} المعجم الكبير للطبراني {9} سنن الترمذي وابن ماجة عن أنس {10} معجم الطبراني عن أبي هريرة {11} سنن أبي داود ومسند أحمد عن معاذ بن أنس | ||
الخميس، 26 مارس 2015
the formal site of sheikhFawzy Mohammed Abuzeid
|
| |||||||||
|
|
الأربعاء، 25 مارس 2015
صفة العبادة على المنهج النبوي
وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً للعابدين، هذا المنهج مرتبط بآيات الله، وبما علَّمه مولاه، فعندما ذكر الله بركات أهل الجنة قال في حقهم: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{111}التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ}التوبة
أول صفة قبل العبادة التائبون، لا بد أن يدخل الإنسان على العبادة مجملاً بمقام التوابين حتى يُحبه الله {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}البقرة222 وما جُعلت الطهارة قبل بداية الصلاة إلا تذكيراً للمرء بالتوبة قبل لقاء الله. فالإنسان قبل أن يناجي الله إن كان في الصلاة أو في تلاوة كتاب الله أو في ذكر لله أو تسبيح أو تحميد أو تقديس لله لا بد أن يبدأ أولاً بالتوبة النصوح لله حتى يدخل على اللهوقد أُحيط بإطار محبة الله. والتوبة هنا ليست مرة واحدة، بل تكون التوبة مع كل أوبة، كلما يئوب إلى مولاه يُقدم التوبة بين يدي الله، كلما يريد أن يرجع إلى طاعة الله وإلى عبادة الله بأي عبادة سنَّها لنا رسول الله لا بد أن يبدأ قبلها بالتوبة لله ولذلك استحسن سلفنا الصالح أجمعون أن الإنسان التقي النقي عندما يريد أن يبدأ جلسة مع الله إن كانت تلاوة قرآن أو ذكر لله لا بد أن يبدأها أولاً بالتوبة والاستغفار لله ثم بعد ذلك يناجي الله، ويُقبل على حضرة الله، حتى أصحاب الأوراد الطويلة استحسنوا أن يبدأ صاحب هذا الورد أولاً بمائة مرة استغفار لله، ثم يدخل بعد ذلك على أي ذكر لله. إذا دخل الإنسان ميدان العبادة: فإنه يمتثل لمنهج النبوة، ومنهج النبوة هو أقوم المناهج وأقواها وأفضلها عند الله تعالى وأهداها، وأعدلها في آداء الحقوق وأكملها. وهو أبين طرق التقرب إلى الله تعالى وأقربها، ومهما جاء العابد بمشاق العبادات وأتى بعظائم من الطاعات لا يقربه ذلك إلى الله تعالى زلفى كما تقربه السنة المحمدية التى سنها رسول اللهصلى الله عليه وسلم في الطاعات والعبادات وأولاها: أن يقوم الإنسان العابد لله بآداء جميع الحقوق التي كلَّفه بها مولاه دون أن يشغله حق عن أداء حق، ولا يحمله أداء واجب على إهمال واجب آخر، لا يتفرغ لأداء حق الله ثم يترك حق الزوجة، أوحق الأولاد، أو حق الكسب الحلال، لا بد أن يؤدي جميع الحقوق لله، فالثلاثة الذين أرادوا أن يتفرغوا لطاعة الله، فذهبوا إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
اللهعليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي}{1}
ونوى سيدنا عثمان بن مظعون – وكان حبيباً إلى حضرة النبي – أن يقوم بهذه الأعمال التي ذكرها هؤلاء كلها في نفسه، وإذا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يُخاطبه ويقول: {يَا عُثْمَانُ، أَرَغْبَةً عَنْ سُنَّتِي؟ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ، قَالَ: فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَقمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ}{2} لو جاءك ضيف في نهار رمضان هل تتركه وتقرأ وردك من القرآن؟ لا يصح، لأن الضيف له حق، والقرآن قد تعوضه في اليوم التالي، قال صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: {إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا}{3} أي الذي يزورك له حق عليك فالشرط الأول في منهج الحَبيب أن يُعطي الإنسان لكل حق حقه، يُعطي حق الله، ويُعطي حق الزوجة، ويُعطي حق الأولاد، وحق البدن، وحق الجيران، وحق الأهل، وحق الأقارب ... يقوم بالحقوق كلها كما ينبغي، فهذا هو المنهج الذي يقول فيه الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}الأحزاب21 الأمر الثاني: أن يتخير العابد لنفسه منهجاً يُطيقه، ولا يُحمل نفسه فوق طاقته فلا يستطيع أن يُكمل عبادته وينقطع، فقد كان صلى الله عليه وسلم كما قيل في شأنه: {كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً}{4} أي يداوم عليه ورأى صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه يفرضون على أنفسهم أعمالاً شاقة عليهم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ}{5} حتى أنه صلى الله عليه وسلم في هذا المنهاج أمر المؤمن أن يضع له منهجاً يناسب كل مراحله حتى يكبر سنه ويوهن جسده ويلقى الله كان سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص جلداً وفتياً في طاعة الله جل وعلا، فكان يقوم الليل على الدوام، ويصوم النهار، ويختم القرآن كل يوم وليلة مرة، ومتفرغ لطاعة الله، فأراد أبوه أن يُهدِئ من روعه في عبادة الله فزوَّجه، فترك زوجه، وكان عمرو يتعهدها فسألها مرة: كيف حال عبد الله معك؟ قالت: نِعم الرجل عبد الله لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً، فحاول معه فلم يستطع، فذهب إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال له ألقني به، فقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله: {أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ قُمْ وَنَمْ وَصُمْ وَأَفْطِرْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ، وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ على نفسي ولم أقبل رخصة النبي ? فَشُدِّدَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ، قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: نِصْفُ الدَّهْرِ}{6} وصدق الذي لا ينطق عن الهوى، فطال العمر بعبد الله، وأصبح رجلاً كبيراً وكهلاً وشيخاً وضعيف البنية، فكان يقول: يا ليتني أطعت رسول الله وأخذت بنصيحته. ودائماً عندما ترى الإنسان في فترة الإقبال على العبادة له شره كشره الطعام ويريد أن يستكثر، لكن النفس لها شره ولها فترة كسل وملل، فخير الأمور الوسط، لأنه إذا حدث الكسل والملل وتوقف - كما يحدث من كثير من الناس - بالكلية أُصيب بالأمراض الجسمانية والنفسية، فمعظم الأمراض الجسمانية والنفسية سببها التوقف عن العبادات التي يعملها الإنسان ويُديم عليها. إذا كان الإنسان في حالات المرض الشديد يصف له الطبيب – وخاصة في الأمراض النفسية – أدوية شديدة، ويحذره من تركها مرة واحدة ولكن بالتدريج، وكذلك إذا أقبل الإنسان على العبادات وفتح لنفسه الأمر ولم يراع الوسطية تحدث له صدمة باطنية داخلية عندما يتوقف عن هذه العبادات بالكلية، تُعكر صفو حياته، وتعكر صفاء نفسه، وتعكر علاقاته مع الآخرين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ فإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ، وَلا ظَهْرًا أَبْقَى}{7} المنبت هو الذي يضرب دابته حتى تسبق من معه، حتى تقف أو تموت من أثر الضرب، فيسبقه الذين معه، ويظل هو لا أرضاً قطع لأنه وقف، ولا ظهراً أبقى لأنه لم يستطع أن يُكمل، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ}{8} أي اجعل لك وقت في أول النهار، ووقت في آخر النهار، ووقت في وسط الليل، ونسق نفسك على ذلك، قال الله تعالى: {ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ سَاعَةٌ أَكْفِكَ مَا بَيْنَهُمَا}{9} فالإنسان لا يُكلف نفسه فوق طاقته من العبادات، وإياك ثم إياك أن تفعل العبادات وأنت تشعر بالكسل والملل، فإن هذا لا ينبغي في دين الله قط، أي التكلف، قال صلى الله عليه وسلم: {أَلا وَإِنِّي بَرِئٌ مِنَ التَّكَلُّفِ}{10} دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: {مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَرقد}{11} وقال صلى الله عليه وسلم: {إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ}{12} فالعبادة تحتاج أن يكون الإنسان في حالة النشاط، وفي حالة الإقبال، وفي حالة السرور على الله، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما كان الصالحون من عباد الله. ما الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُطيل العبادة؟ حبَّب الله إليه العبادة، وأخذ نفسه بالرفق في طريق العبادة، ولذلك كان يقول عندما يحين موعدها: {أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلالُ}{13} ليس أرحنا منها، ولكن أرحنا بها لأن الصلاة فيها الراحة ويقول صلى الله عليه وسلم: {وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ}{14} وقرة العين أي غاية المنى في الصلاة؛ لأنه يناجي فيها الله جل وعلا، ويتمتع فيها بالأنوار العالية والمشاهد الراقية مع حضرة الله جل في علاه. وكان على هذا الدرب ولا يزال الصالحين من عباد الله، سيدنا إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه كان يقول عن عبادته: "نحن في لذة لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بسيوفهم" لذة طاعة اللهونعيم عبادة الله. وكان بعضهم يقول عن عبادته: "لو كانت الجنة كالحال الذي نكون فيه مع الله في العبادة لكانت شيئاً طيباً" هذا من حلاوة العبادة التي يتمتع بها مع الله جل وعلا؛ لأنه أخذ نفسه بالرفق والتؤدة وعدم الملل، وهذا كان المنهج النبوي لسيدنا النبى صلى الله عليه وسلم. {1} صحيح البخاري وابن حبان عن أنس {2} مسند أحمد وسنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها {3} الصحيحين البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو {4} الصحيحين البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها {5} صحيح البخاري عن عائشة رضي اللهعنها {6} صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو {7} سنن البيهقي ومسند الشهاب عن جابر بن عبد الله {8} صحيح البخاري وسنن النسائي عن أبي هريرة {9} حلية الأولياء لأبي نعيم ،والزهد للإمام أحمد عن أبي هريرة {10} تاريخ دمشق لابن عساكر عن الزبير بن أبي هالة {11} الصحيحين البخاري ومسلم عن أنس {12} الصحيحين البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها {13} معجم الطبراني وسنن أبي داود {14} سنن النسائي ومسند أحمد عن أنس http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...5&id=578&cat=4 منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه} اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً
| ||||
الأحد، 22 مارس 2015
آداب المجالس
تَرَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ: كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا، وَلا يَعِيبُهُ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ ليستجلبونهم، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ
{وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ} أى لا يبحث عن المستور، جريمة الناس في هذا الزمان، يبحثون عن الأشياء المستورة ليكشفوها، الأخ الذي يبحث عن عورة أخيه وصفه الله في قرآنه بأنه شرُّ من الغراب: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} المائدة31 وستراً لعورات الأحبة كلهم وعفوا عن الزلات فالعفو أرفق سألوا أبو الدرداء رضي الله عنه وكان له أخ قد زلّ: فلان أخاك زلّ في كذا فماذا أنت صانع؟ فقال لهم رضي الله عنه: أرأيتم إن وقع أخاكم في بئر ماذا أنتم فاعلون؟ قالوا: نمد أيدينا إليه لننقذه، قال: كذلك أخاكم إن وقع في الذنب وقال في ذلك الإمام أبو العزائم رضي الله عنه: "كن أقرب إلى أخيك عندما يكون قريباً من إبليس" لا تتركه للشيطان يصطاده وينسج عليه خيوطه وحبائله، لكن اقترب منه لترده إلى طريق الله، ولا تجعله يقع في أَسْر عدو الله وهو الشيطان الرجيم. {وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ}، يُفكر ثم ينطق، لا ينطق ثم يُفكر، لأن الذي ينطق ثم يُفكر يقع في أخطاء، ثم يلوم نفسه ويعتذر، ويظهر بمظهر غير حميد، الروية مطلوبة، فكر وقدِّر لنفسك، فإذا كان الكلام لك فأمضه، وإذا كان عليك فأخفه، وقد قال بعض الصالحين: "من عدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه". {وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ}، عندما وُصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف كانت له هيبة، ومن هذه الهيبة أنه إذا تكلمأطرق جلساؤه، لأن له هيبة في النفوس، يستمعون بآذان قلوبهم: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} الحاقة12 ويودون أن الحديث لا ينتهي. {كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ}، هيئتهم عند سماع حديثه صلى الله عليه وسلم كمن وقف على رأسه طائر يريد أن يصطاده، فلا يتحرك بل يسكن تماماً حتى يتمكن من اصطياد هذا الطائر، لا حركة ولا همهمة ولا همسة، كانوا يكتمون ما لا غِنى لهم عنه في مجلسه صلى الله عليه وسلم تأدباً مع حضرته صلوات ربي وتسليماته عليه وكان صلى الله عليه وسلم إمامهم في ذلك، فقد قيل في وصفه: "كان إذا جلس بين أصحابه لا يمد رجليه في وسطهم، كان يمد رجليه فإذا دخل أحدهم يضم رجليه، ولا يُخرج شيئاً لا من أنفه، ولا من أُذنه، ولا من فمه، ولا من عينه وهو جالس بين إخوانه، قالوا في ذلك:"كان يحفظ أطرافه" وقد علَّمهم ذلك، وتعلموا ذلك. {فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ}، يتكلمون مع بعضهم همساً. {وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ}، أدبهم مع بعضهم أن يستمعوا لمن يتكلم حتى ينتهي من حديثه، أين ذاك في مجالس المسلمين الآن؟ وهذا أدب علَّمهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم. {حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ}، بمعنى إذا أرادوا أن يتكلموا يُراعوا الترتيب، الأول فالأول في الدخول، أو الأكبر فالأكبر بحسب السن، أو الأتقى فالأتقى بحسب الرؤية، المهم تقديم ذوي التقديم، لأن هذا مقام كريم بين يدي النبي العظيم صلى الله عليه وسلم. {يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ}، كان صلى الله عليه وسلم من أدبه العالي يتنزل لهم ويعاملهم كأنه أحدهم: فيضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه. ولذلك دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالُوا لَهُ: {حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ؟ "كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، بَعَثَ إِلَيَّ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكُنَّا إذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا، ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ، ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ، ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم}{1} ساعات خفيفة يشاركهم فيها من أجل الأُنس والتنزل ليألفوه.. لا يجوز أن تأخذ الحديث كله في العلم، لأن ذلك يسبب مللاً .. لكنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزل لهم ويألفهم ويأنس بهم فيشاركهم في بعض هذه الأحاديث. {وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ}، إذا جاء غريب ليس من القوم، وحديث عهد بالإسلام، فكان يصبر له، وتحكي كُتب السيرة وقائع كثيرة في هذا الأمر، لأن الغريب لم يتعلم بعد، ولم يتهذب، ولم يتأدب، ويأمر أصحابه أن يُهذبونه، ويؤدبونه، ويُعلمونه. {حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ ليستجلبونهم}، كان أصحابه لشدة أدبهم يكفون عن السؤال حياءاً من حضرته، فكانوا يأتون بالغرباء فيسألوا حضرة النبي ليستفيدوا هم من أسئلة هؤلاء الغرباء. {وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ}، يشجعهم النبي صلى الله عليه وسلم على قضاء مصالح إخوانهم، ومعاونته ومساعدته ليبلغ هذه المصلحة وهذه المنفعة. {وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ} أي مقابل، إما أن يكون إنساناً آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وثبت إيمانه، فيستمع لمديحه وثناءه عليه، لأنه عرف أنه صادق الإيمان، لكنه لا يسمع للمنافقين، لأن الله قال له في شأنهم: {وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}المنافقون4 فكان لا يستمع إليهم صلى الله عليه وسلم ولا يُشجعهم على الكلام وإما أن يكون المكافيء إنساناً أسدى له النبي صلى الله عليه وسلم خدمة وأراد أن يشكر النبي عليها، فلا مانع من أن يسمع الثناء من هذا الرجل ويوجه الثناء إلى الله، لكن لا يسمع الثناء من الكافر ولا من المنافق، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم لا تجعل لكافر علي يدا فيحبه قلبي}{2} {وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ}، لا يقطع حديث أحد حتى يتزيد في الحديث عن الحد، فيوقفه، أو يستأذن فيقوم، وفي رواية أخرى: {وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُور} أي يتجاوز الحد في الإثم فيتكلم في غيبة أونميمة، فيستأذن صلى الله عليه وسلم ويقوم. آداب المجالس يجب أن نُطبقها في مجالسنا أجمعين، إن كانت مجالسنا في المساجد، أو في بيوتنا، أو في مصالحنا، أو في أي مكان، فهذا هو بداية السلوك الصحيح إلى الله، لقوله تعالى: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأنعام68 {1} أخرجه التِّرْمِذِي، في"الشَّمائل" عن زيد بن ثابت ،المسند الجامع. {2} رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس: من حديث معاذ بن جبل، تخريج أحاديث الإحياء العراقي | ||
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
