Disqus for ومضات إيمانية

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

شاشة الأسماء والصفات الألهية




صلوا عليه وسلموا بقلوبكم فهو الحبيب وشمسه قد أشرقت
يا نور قلبى نظرة لمتيَّم يحيا بها فالروح منىَّ شُوِقت
كيف نصلى عليه؟ نَصِلُ قلوبنا بقلبه صلى الله عليه وسلم ، وحتى توصل القلوب بالحبيب لابد أن تطهر من الغير وتطيب ، كما قال الإمام أبوالعزائم رضي الله عنه:

واخلع سوانا فى الجمع طُرّاً فالخلع يهدى والجمع يُفنى
وقال أيضاً:

فاخلع سواه وكن صبابة مغرم وبعه نفسك والأموال يُعطيك

إذا كان الأنبياء والمرسلون وأولو العزم منهم كانوا يتنافسون فى حبِّ سيد الأولين والآخرين حتى ينالوا العطاءات التى يريدونها من الله ، فموسى كليم ونجيه وصفيه كان كل أمله نظرة من مولاه، إذ أخبرعنه الله: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} الأعراف143

أى لن ترانى وأنت فى عالم الأشباح والأجسام والمبانى ولكن إنظر إلى الجبل ، إلى القلب الذى جعله الله محلاً للقرب والتدانى ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ فى مَكَانَهُ على حبِّ ربه وعلى حبِّ حَبيبه ولم يتغير ولم يتحول فَسَوْفَ تَرَانِي

عرف سيدنا موسى الحقيقة فطلب من الله أن يكون على طريقه صلى الله عليه وسلم حتى يتملى بشهود جمالات الله فى ذاته ، لأنه عرف أنه لن يشهد أحدٌ الله إلا فى مظهر ، إلا الحبيب الأكرم ، فطلب من الله أن يجعله يقف على طريق المظهر ليشهد هذه الجمالات والكمالات فيه:

وإنما السرُّ فى موسى يردده ليجتلى حُسن مولاه حين يشهده

ليرى أنوار الله التى تجلت فى حَبيب الله ومُصطفاه ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو شاشة الأسماء والصفات الإلهية ، لا تظهر الأسماء الإلهية والصفات الربانية إلا فى مظهر أكمل وهو الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وفيه وبه ومنه يشهد الشاهدون ويلوح جمال الله للمرادين والمطلوبين لأنه عز وجل جعله صلى الله عليه وسلم الشاشة التى يتجلى فيها للأنبياء والمرسلين والصالحين والمقربين من بدء البدء إلى نهاية النهايات

ولذا وقف موسى عليه السلام على طريق سيدنا رسول الله ويرده ليس من أجلنا فى الحقيقة- لأنه يعلم علم اليقين أن الله إذا أمرنا بأمر قوانا وأعاننا عليه ؛ فلو فرض علينا خمسين صلاة لأعاننا عليها- ولكنه يريد أن يتمتع بما كان يتمناه وهو شهود وجه الله فى حَبيب الله ومُصطفاه ، لأنه المظهر الأكمل الذى لاح فيه جمال الله لأنبياء الله ورسل الله

وحذارِ أن تعتقد أن هذا الجمال حسىٌ ، فهناك جمال روحانى وهناك جمال ربانى وهناك جمال صفاتى وهناك جمال أسمائى وهناك جمال ذاتى وهناك الجمال الحسى المشهود ، وهذا الجمال الحسى كان صلى الله عليه وسلم له فيه الغاية القصوى ، ولذلك سيدنا يوسف الذى انبهر من جماله الحسى النسوة وقطعن أيديهن أوتى نصف جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسى ، قال صلى الله عليه وسلم: {أُعطى يوسف شطر الحُسن}{1}

أى أن سيدنا يوسف أوتى نصف الجمال الحسى ومع ذلك لما رأته النسوة وكان فى يد كل واحدة تفاحة وسكين قطعن أيديهن بدلاً من التفاح عند مشاهدتهن لجمال يوسف الحسى ، فما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الروحانى؟ وما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الربانى؟ وما بالك بجمال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاتى؟

عين الحسِّ تشهد الحسَّ ، وعين القلب تشهد أنوار حضرة الرب ، وعين الفؤاد تشهد الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم بلا بعاد ، وعين الروح تشهد الجمالات الإلهية الظاهرة فى خير البرية ، وعين النفخة القدسية تشهد الجمالات الذاتية التى اختص بها الله الحضرة المحمدية ، كلها جمالات وكلها كمالات ، وبدءها ومنتهاها العشق الكامل لهذه الذات

فلو أن إنسان أحب إنسانة ويريد أن يُظهر لها أنه متعلق بها فيبعث إليها خطابات وتحيات وينظر إليها بنظرات ويستقبلها ويودعها بابتسامات ، متى تستجيب له؟ إذا تأكدت أنه صادق فى هذا الأمر ، إحدى الصالحات ضربت مثلاً لمريد فى هذا الأمر بعد أن ادَّعى أنه يحبها ، فقالت له: أنت تحبنى أكثر أم فلانة التى وراءك؟ فالتفت خلفه ، فضربته على وجهه وقال: أنت لا تنفع لنا لأنك التفت لغيرنا:

من لفتةٍ حجبة والحجب نار لظى من فوق نار الغضى سيرى لمنان

فالذى يحب الحبيب لابد أن يعيش دوماً هايم فى جمال الحَبيب ، إذا مشى لا يوجد غيره على باله وإذا نام لا يوجد غيره فى خياله وإذا تكلم لا يسمع فى كلامه إلا نغمات كلامه ، وإذا تكلم الخلق معه لا يسمع إلا من فمه ويتلذذ بكلامه ، فيعيش كما يقولون: {كلى بكلك مشغول أيا أملى} 

وهذه هى الأحوال التى بها ارتقى الصالحون والمحبون لسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، وبلغوا المنازل العليا ، ولذا ورد أن الله تعالى: {أوحى اللـه تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى أتُريد أن أكون أقرب إليك من كلامك إلى لسانك ، ومن وسواس قلبك إلى قلبك ، ومن روحك إلى بدنك ، ومن نور بصرك إلى عينيك؟ قال: نعم يا رب ، قال: فأكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم}{2}

جمالك فى عينى وذكرك فى فمى ونورك فى قلبى فكيف تغيب


{1} رواه أبو يعلى ، وكذا مسلم عن أنس رضي الله عنه وغيرهما
{2} تفسير البحر المديد ، وحلية الأولياء

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

أول وثيقة لحقوق الإنسان وحقوق الأسرى


وثيقة لحقوق الإنسانوثيقة لحقوق الإنسان

إن من يدعون الرفق بالحيوان ويؤلفون جمعيات الرفق بالحيوان ، وتبلغ عنايتهم البالغة بالحيوانات أن يجعلوا لها مصحات ومستشفيات خاصة بها ، بل يفتحون كوافيرات لتصفيف شعر الكلاب والحيوانات ويصنعون من أجلها أصناف الجاتوهات والحلويات ، وفي نفس الوقت يعتدون على بني الإنسان ويأكلون حقوق البشر ويدعون أنهم رسل الإنسانية وأنهم حملة المبادئ الإنسانية في الحياة العصرية

لقد تناسى الذين ينادون بحقوق الإنسان أن أول وثيقة لحقوق الإنسان هي خطبة الوداع للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أن وقف يودع المسلمين على جبل عرفات فوضح لهم ما لهم وما عليهم وبين لهم كل ما يحتاجه الإنسان من أخيه الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

إن الذين يطالبون المعتدين الغادرين من الأوربيين وغيرهم بتطبيق الوثيقة الدولية لحقوق الأسرى يعلمون علم اليقين أنهم لم يستطيعوا تطبيقها كما طبقتها الجيوش الإسلامية فهذه وصية أبو بكر رضي الله عنه لجيش أسامة حين وداعه لهم يقول فيها: {يَا أَيُّها النَّاسُ قِفُوا أُوصِيكُمْ بِعَشْرٍ فَاحْفَظُوهَا عَني: لاَ تَخُونُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدُرُوا وَلاَ تُمَثلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا طِفْلاً صَغِيرَاً وَلاَ شَيْخَاً كَبِيرَاً وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ تَعْقِرُوا نَخْلاً وَلاَ تَحْرِقُوهُ وَلاَ تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً وَلاَ تَذْبَحُوا شَاةً وَلاَ بَقَرَةً وَلاَ بَعِيرَاً إِلاَّ لمأْكَلَةٍ ، وَسَوْفَ تمرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ}{1}

أتى نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم بكل شئ يهمكم في أنفسكم وأسركم ومجتمعكم ودولكم بل وفي العالم أجمع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ}{2}

إننا حتى لو نظرنا إلى الأدواء الجسمانية التي انتشرت بيننا في حياتنا الدنيوية فإنه صلى الله عليه وسلم وضع لكل مسلم البرنامج الشامل الذي لو اتبعه لا يحتاج إلى طبيب ، ولذا عندما أهدى إليه المقوقس حاكم مصر طبيباً ، رد الطبيب رداً حسناً وقال: {إرجع إلى قومك فنحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع}{3}

وفى الأثر: {فمن أين يأتينا المرض}


{1} جامع الأحاديث والمراسيل عن الحسن {2} متفق عليه {3} السيرة الحلبية ، وسيدنا محمد للشيخ رشيد رضا
وثيقة لحقوق الإنسانوثيقة لحقوق الإنسان

مقامات المعية والعنديّة واللدنيّة



{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}
الأحزاب56

سنتكلم على قدر أهل الإيقان والتسليم فى هذا المقام العظيم ، فقد تاه العلماء واحتار الحكماء فى هذه الآية التى أنزلها الله تفخيماً وتعظيماً لقدر حَبيبه ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم ، وكيف أن الله بدأ بذاته وثنَّى بملائكته ، كيف يصلى عليه الله؟ هناك من خَمَّن ومن قدح ذهنه ومن كدح فكره حتى يأتى بتأويل مناسب للآية: 


فمن يقول أن الصلاة من الله الرحمة ، والصلاة من الملائكة طلب المغفرة ، ومن يقول الصلاة من الله الرضوان ، والصلاة من الملائكة طلب الرحمة من الرحمن ، كل تلك المعانى راقية وجميلة ولكن كلام الرحمن له أسرارٌ أدق وأعجب، فالآية واضحةٌ وجلية ولا تحتاج إلا إلى قلوب خليَّة تسمع الآية عند نطقها من ربِّ البرية ، فيملأ الله فؤادها بالمعانى الإلهية التى ينبغى أن تفقهها البريَّة ، ولنتلمس معاً قبساًً من تلك المعانى

كان الله ولا شئ معه وأَحبَّ أن يُعرف فخلق الخلق ليعرفوه ، فبحَبيبه صلى الله عليه وسلم عرفوه ، فهو الواسطة بين الحق والخلق وهو الميزاب الذى يتنزل منه كل عطاءات الحق إلى الخلق ، فكل عطاءات الله إلى خلق الله بابها وميزابها وسر فيضها وسبب فضلها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك يقول تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} الإسراء20

بعض إخواننا العلماء أهل الفكر أخطأوا فقالوا {هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء} هم المسلمون والكافرون ، لكن هل الكافرين لهم عطاء من الله؟

لكنا نقول {هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء} هم السابقون واللاحقون ، ماقبله وما بعده ، ما قبله من النبيين والمرسلين وأممهم وما بعده من العلماء العاملين والورثة الرُوحانيين وأتباعهم ، أما ما يُعطى للكافرين فهو ابتلاء: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} النمل40

لكن العطاء إذا كان من الله لا يُسائل صاحبه يوم العرض والجزاء ، هل يسائل أحد صاحبه عن هدية أهداها له؟ فمصدر كل عطاء وباب كل خير للسابقين من الرسل والأنبياء واللاحقين من الورثة الروحانيين والصالحين والأولياء وأُممهم وأتباعهم كلهم ، ينزل العطاء أولاً على سيد الرسل والأنبياء ثم منه إليهم سر قوله صلى الله عليه وسلم: {اللهُ المعطِي وأنا القاسمُ}{1}

وهذا أمر إلهى صريح {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ص39

فأعلمنا الله فى الآية أن كل عناية وكل رعاية وكل هداية وكل سابقة حسنى أزلية وكل إمدادات رُوحانية أو باطنية أو نورانية أو شهودية أو إحسانية أو إيقانية وكل تفضلات إلهية غيبية ، فإنما تنزل من الله على خير البرية ثم منه يتم توزيع العطية على المستحق لذلك من أهل السابقية

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ} والصلاة فى المعنى العام صِلة ، فكل صِلات الله وكل عطاءات الله وكل فتوحات الله وكل إكرامات الله وكل نعم الله الخاصة لأهل عناية الله تنزل أولاً على رسول الله ، سواءاً النعم الذاتية من الحضرة الإلهية أو النعم التى تسوقها الملائكة من حضرة الربوبية

لأن حضرة الربوبية تربيَّة لكل البرية ، والذى يسوق العطايا من حضرة الربوبية إلى الخلق هم الملائكة الموكلون بها ، لكن نعم حضرة الله تنزل على قلوب الصادقين والمخلصين والصالحين مباشرة منه سبحانه ، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الفتح4

تنزل مباشرة بدون واسطة من الملائكة وكذلك قوله {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}الكهف65
المقام اللدنى

والمقامات الذاتية ياإخوانى ثلاثة مقامات: مقام المعيَّة ومقام العنديَّة ومقام اللدنيَّة ، والعطاءات تتنزل منها على قلوب المستحقين لها من أهل السابقية على حسب تقرير الحضرة المحمدية ، هو الذى يطلب العطاء ، ويتنزل بطلب سيد الرسل والأنبياء ، أو بتوجه سيد الرسل والأنبياء إلى حضرة الله ، فينزل العطاء على حضرته ، ثم يوزعه على عباد الله المملوءة قلوبهم بالحب الصادق لحضرته صلى الله عليه وسلم

لكن العطاءات فى مقام الربوبية تتصرف فيها الملائكة ، وهذه أيضاً تنزل كلها على سيدنا رسول الله، وهو يوزعها بما شاء على جميع خلق الله ، إذاً النعم الذاتية لأهل الخصوصية ، والنعم الربانية لجميع البرية ، فكل ذلك من الحضرة المحمدية ، ويأتى له ذلك من الحضرة الإلهية ، ولذلك قال الإمام الشافعى صلى الله عليه وسلم:{أمسينا وما بنا من نعمة ظاهرة أو باطنة فى دين أو دنيا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم سببها وهو الذى أوصلها إلينا}{2}

فأنبأنا الله وأخبرنا معاشر المؤمنين لحبه سبحانه لنا ، وحتى لا نتوه كما تاه السابقون ، وقال لنا عطائى كله مع هذا النبى وإكرامى كله مع هذا الصفى ، سواءاً الذاتى الذى أُنزله مباشرة ، أو الربانى الذى تنزله الملائكة مثل الرياح والأمطار والأشجار والنباتات ، فقال لنا الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}صِلوه دائماً تأتى لكم العطايا على الدوام ، كيف نصله؟ وضَّح لنا إمامنا ومرشدنا الإمام أبوالعزائم رضي الله عنه الأمر فقال:


صلوا عليه وسلموا بقلوبكم فهو الحبيب وشمسه قد أشرقت


صلِّ عليه بقلبك وليس بلسانك ، فبلسانك ستأخذ حسنات ، لكنك تريد صلات وعطاءات وهبات نورانيات وذاتيات فلابد من أن تُعَلِّق قلبك بالحَبيب ، ولا تجعل لأحد معه فى الهوى عندك له نصيب ، حتى ولو كان أقرب المقربين إليك والمحيطين بك من أهل أو قريب


{1} صحيح البخارى عن معاوية رضي الله عنه ، ونص الحديث «مَن يُردِ اللهُ به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين ، واللهُ المعطِي وأنا القاسمُ ولا تزالُ هذهِ الأمَّة ظاهرينَ على مَن خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون»
{2} وقال أحمد بن عجيبة فى تفسير البحر المديد فى الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم : {وفيها مِن شُكر الواسطة في نعم الله علينا المأمورين بشكره ، وما من نعمة لله علينا سابقة ولا لاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة إلا وهو صلى الله عليه وسلم السبب في وصولها إلينا وإجرائها علينا ، فوجب حقه علينا ووجب علينا في شكر نعمته ألا نفتر عن الصلاة عليه مع دخول كل نفس وخروج

الخميس، 18 ديسمبر 2014

الحلول النبوية لمشاكل الإنسانية



إذا تدبرنا مَليِّاً نجد كل ما يدُور في عصرنا من مشكلات في بلادنا أو في مجتمعنا أو في بيوتنا أو في نفوسنا أو في العالم أجمع كان منتشراً وبصورة أشرّ وأضرّ قبل ظهوره صلوات الله وسلامه عليه فقد كان القوي يأكل الضعيف ويفتخر بذلك ، وكانت المرأة قطعة أثاث مهملة في المنزل ويرثها الابن الأكبر بعدوفاة أبيه ، بل كان الرجلُ هو الذي يسعى بزوجته إلى الزنا فيختار رجلاً يُعْجبه شكله ولونه ، ويقول له: يا فلان سأرسل لك زوجتي لتُضاجعها فنحصل على سُلالة ممتازة منك ويتباهى بذلك


كان الظُلمُ دَيْدنهم والغشّ طبعهم والسفاهة خُلقهم ، وفساد الأخلاق دَأْبهم ، هذا الظلم كان كثيراً ومنتشراً في كل بقاع الأرض حتى كان الرجل يدفن ابنته وهي حيّة خوفاً من السُّبَّة والعار

كيف قضى على كل هذه الأمراض رسول الله صلى الله وسلامه عليه؟ وكيف طهرَّ البشرية كلَّها منها؟ فلم يطهر منها أهل مكة وأهل المدينة وأهل الجزيرة العربية فقط ، بل طهر منها مجتمعات كان لها الصَّوْلة والصّوْلجان في العالم وقتئذ ، مجتمع الفرس والروم وما أدراك ما الفرس والروم؟ كان القرار العالمي يصدر عنهم أو بمعرفتهم في ذلك الوقت

ولكن حكمة المُصطفى والأشْفية التي أنزلها الله عليه عالجت كل هذه الأمور وقضت على كل هذه المشكلات ، فقد جعلت الإنسان يمشي وحيداً من حضر موت أو صنعاء إلى بلاد الشام ، لا يجد من يعترضه في طريقه فيسرقه أو يسلبه أو يُروْعه بل المرأة كانت تمشي بمفردها كما قال صلى الله عليه وسلم: {يا عدي بن حاتم سيبلغ بك الأمر أن ترى الظغينة (المرأة) تمشي من صنعاء إلى بلاد الشام لا تخاف إلا الله}{1}

فلا تخاف من رجل يغتصبها أو يعاكسها أو يخادعها مع أنها تمشي في صحراء جرداء ليس فيها قانون ولا شرطة ولا مخابرات

ولكن شريعة الله التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفلت الحماية لجميع عباد الله مسلمين وغير مسلمين ، حتى كان التاجر وهو واقف في متجره إذا سمع الآذان ترك ماله وتجارته على حالته ، وكل ما هنالك أن يضع ستارة تشير إلى أنه غير موجود ويذهب ليؤدي الصلاة ثم يرجع ليجد كل شئ في مكانه ، مع أنه لم تكن هناك خزن حديدية يحفظ ماله ونفائسه فيها ولم تكن ظهرت أجزة الإنذار ، لكن الجميع أنذره المنذر الأكبر صلى الله عليه وسلم من غضب الله ومقت الله وحساب الله فراقبوا الله في السر والعلانية ، وأصبحوا غير محتاجين لرقيب عليهم بعد مراقبة الله ولسان حالهم يقول:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســـاعة ولا أن ما تخفى عليـه يغيب


كان الرجل منهم لا يذهب إلى أخيه ليطالبه بحقه بل إن أخاه كان هو الذي يذهب إليه بنفسه ليعطيه ماله ويستسمحه في التأخير ، وقد روى أن رجلاً منهم ذهب إلى أخ له في الله يطلب منه قرضاً ويرده له عند الميسرة ، فبكى الرجل بكاءاً شديداً ، فسأله الطالب: ما الذي يبكيك؟ إذا كان المطلوب غير متوافر معك الآن فلا يهم ، فقال الرجل: ليس لهذا السبب أبكي ولكن الذي أبكاني أني انتظرت حتى أتيت لتطلب مني ولم أشعر بحاجتك ، وهذا معناه أن إيماني به خلل لأني لم أشعر بأخي المؤمن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ الّذي يَبيتُ شَبْعاناً وَجَارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ}{2}


فكل المشكلات الإنسانية أوجد لها المُصطفى صلى الله عليه وسلم الأدوية القرآنية ، والتي ليس لها مثيل في دنيا الناس


{1} أخرجه مسند الحميدي عن عدي بن حاتم بلفظ: {كيف بك إذا أقبلت الظغينة من أقصى اليمن إلى قصور الحيرة لا تخاف إلا الله}
{2} رواه البيهقى عن ابن عباس والمستدرك للحاكم عن عائشة رضي الله عنها
آخر مواضيعي في منتديات احباب

شهادة رسول الله علينا وعلى الأمم السابقة





                                          
إذا تدبرنا كلمة واحدة من الآية التى يصف الله لنا فيها مهام النبى نحونا كأنها بلغة عصرنا خطاب التكليف لنبينا ، فإذا اختار رئيس الدولة رئيساً للوزراء يعطيه خطاب تكليف فيه مهام هذه الوزارة ، والله اختار نبيه لدعوة الخلق إلى الله وكلفه بذلك ، ما مهام هذه الدعوة؟ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً{46} وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً{47} الأحزاب

كم فضيلة وكم تكليف؟ خمسة ، لابد لكل مؤمن أن يتعرف ولو بتعريف بسيط على هذه التكاليف النبوية حتى يتعرف على نبيه ، لأن الله أمرنا أن نتعرف عليه من جهة نبوته ، ليس الشأن أن تعرفه من جهة جسده ومن جهة شكله ومن جهة لونه مع أن ذلك ثابت ، لا، لكن الشأن لنا أجمعين أن نعرفه من الجهة التى أرسله الله إلينا بها وهى جهة النبوة:

وسنتناول هنا تكليفاً واحداٌ من هذه التكليفات باختصار وهو مهمة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} يشهد على الأمم السابقة ويشهد علينا جماعة المؤمنين ، كيف يشهد علينا؟ هل هناك شاهدٌ يشهد على شئ لم تره عينه؟ لو كان كذلك فإنه سيكون شاهد زور ، لكنه قال لنا فى حديثه الصحيح:{حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْت مِنْ خَيْرٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ}{1}

مَن المحامى العام لجميع الأنام يوم الزحام؟ المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، وهل يليق بمحامى أن يترافع فى قضية لم يطلع على أوراقها ويعرف ما بها؟ فلكى يترافع عنا ويدافع عنا لابد أن يطلع على ملفاتنا ولذلك قال: {تُعرض علىَّ أعمالكم} إذا كان ربُّ البرية يقول فى بعض المؤمنين فى حديثه القدسى الذى يحدث به المصطفى صلى الله عليه وسلم:

{مَنْ عَادَى? لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ وَإِنِ اسْتَعَاذَنِي لأعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ}{2}

فإذا كان ذلك فى بعض المؤمنين فما بالكم بإمام الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، إن الله يتفضل عليه فيعطيه نوراً من نوره ويكشف له أسراره ولذلك قال الله لنا أجمعين: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} التوبة105

أرسله الله لنا بالإيمان وأركان الإيمان يقول فيها الرحمن: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} البقرة3

نحن نؤمن بالله وهو غيبٌ لا تراه العيون ولكن تشعر بعظمته القلوب ، ونؤمن بالجنة ولم نرها ونؤمن بالنار ولم نطلع عليها ، ونؤمن بالملائكة ولم نسمع حديثهم مع أنهم يرافقوننا ويبيتون معنا ويتحركون معنا ، ما الذى جعلنا نؤمن بهذا الغيب؟

أن الله أرسل لنا نبياً صادقاً أطلعه على هذا الغيب ثم حدثنا عن هذا الغيب حديث من رأى ومن سمع فآمنا به وصدقنا بالنور الذى أُنزل معه ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم عندما يتحدث عن الجنة أو النار يقول: {والذي نفسي بيده لقد عُرِضَتْ عليَّ الجنة والنارُ آنفاً في عرضِ هذا الحائط وأنا أُصلي ، فلم أرَ كاليوم في الخير والشرّ}{3}

أى أنه يصف الجنة وصف من يراها ، ولذلك قال يوماً: {ما دَخَلْتُ الجَنَّةَ إلا سَمِعْتُ خَشْخَشَةً ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقالوا: بِلالٌ ، ثُمَّ مَرَرْتُ بقصرٍ مشيدٍ بديعٍ ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذا؟ قالوا: لِرَجُلٍ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ ، فَقُلْتُ: أنا محمَّدٌ ، لِمَنْ هذا القَصْرُ؟ قالوا: لِرَجُلٍ منَ العربِ ، فقلتُ: أنا عربي ، لِمَنْ هذا القصرُ؟ قالوا: لِعُمَرَ بنِ الخطابِ ، فقالَ لبلال: بمَ سبَقْتَنِي إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: ما أَحْدَثْتُ إلا توضَّأْتُ ، وما توضَّأْتُ إلا صَلَّيْتُ ، وقالَ لعمرَ بن الخطابِ: لولا غَيْرَتُكَ لَدَخَلْتُ القَصْرَ ، فقالَ: يا رسولَ الله لَمْ أَكنْ لأغَار عَلَيْكَ}{4}

وعن البراء رضي الله عنه قال:{أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللّهِ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونُهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا ، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ}{5}


{1} الإمام البزار والطبرانى رضى الله عنهما {2} صحيح البخارى عن أبى هريرة رضي الله عنه {3} صحيح البخارى عن أنس رضي الله عنه {4} صحيح ابن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه {5} الصحيحين البخارى ومسلم


الأربعاء، 17 ديسمبر 2014

الرزق والأجل




اعلموا علم اليقين أننا عما قليل من الدنيا راحلون وإلى الآخرة مسافرون ويوم القيامة بين يدي الحق واقفون وعليه معرضون ، وفي هذا الوقت المعلوم عند انتهاء الأجل المحتوم يُغْلق ملفِّ الأعمال ، فلا يستطيع أي امرئ أن يزيد فيه حسنه ولا أن يُنْقص منه سيِّئه {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}الأعراف34

واعلموا أن كل امرئ منَّا لا ينال إلا ما قدَّره له الله ، فعندما يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر قمرية يأمر الله مَلكاً ينزل فيكتب بأمر ربه عمره ورزقه وعمله وشقي أو سعيد وعلى هذا فأمر الرزق قد فُرغ منه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا سرق سارق الا حُسِبَ من رزقه}{1}
وورد فى الأثر : {ولو صبر لأخذه من حلال} 

وقِسْ على ذلك: ما أخذ الغاشَّ إلا من رزقه أو نقص من رزقه وما أخذ المُخادع إلا من رزقه ، وهكذا وإليكم المثال على ذلك:

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه لزيارة أحد إخوانه المسلمين لمرضه وعندما وصل إلى الشارع الذي يسكن فيه وجد سائلاً يسألُ الناس ، فطلب منه أن يُمْسك بزمام بَغْلته حتى ينتهي من عيادة المريض ونَوَى في نفسه أن يُعْطيَه ديناراً نظير هذا العمل ، ولكن السائل عندما اختلى بالبغلة سوَّلت له نفسه فأخذ السِّرْج الذي كان عليها وأسرع به إلى السوق وباعه

فلما خرج عمر وجد البغلة وقد جردت من سرجها ولم يجد السائل ، فأسرع إلى السوق فوجد السرج مع أحد الباعة فقال له: اشتريته الآن؟ قال: نعم ، قال: بكم اشتريته؟ قال: بدينار ، فقال عمر رضي الله عنه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {ولا سرق سارق الا حُسِبَ من رزقه}

فالرزق مقسوم وقد قدره الرَزَّاق عز وجل ، فإذا تعفَّفت عنه في الحرام ساقه الله إليك في الحلال ، وكذلك إذا تعرَّضت لك فاتنة فتعفَّفت عنها فإن الله يعوِّضك بخير منها في الحلال ، وهذا ما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام عندما تعرَّضت له زُليخة وتعفف عنها خوفاً من الله

ردَّ الله لها شبابها بعد أن تجعَّد وجهها وتقوَّس ظهرها وأبيضَّ شعرها عندما تولَّى يوسف المُلْك وجاءه جبريل وأخبره أن الله يأمره أن يتزوج بها بعد أن ردَّ لها شبابها ، لأنه ما زهد عبد في شهوة في الحرام إلا أعطاه الله مثلها في الحلال.

ليت شبابنا يستوعب هذا الدرس وينتبه لهذه الوصية ويجعلها نبراساً له في حياته وهادياً له في سلوكياته ، فإنه لا يتورع شاب عن شئ في الحرام: امرأة أو مال أو شقَّة أو عمارة أو أي شئ من فتن الدنيا ، رغبة فيما عند الله وخوفاً من الله إلا وأعطاه الله مثله أو خيرا منه في الحلال ، ففى الحديث الشريف: {مَا تَرَكَ عَبْدٌ لله أَمْرَاً لاَ يَتْرُكُهُ إِلاَّ لله إِلاَّ عَوَّضَهُ الله مِنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ فِي دِينهِ وَدُنْيَاهُ}{2} 


يا أمة الإسلام عليكم بهدي المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، واقرأوا هذه الآية وكرروها لتروا ما فيها من جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}الأحزاب21


{1} مسند الحارث والمطالب العالية لابن حجر العسقلانى عن كعب رضي الله عنه
{2} أَخرجه ابنُ عساكر من حديث ابن عمر مرفوعاً

الاثنين، 15 ديسمبر 2014

ما أكرمنا الله به ببركة رسول الله



إن الله أكرمنا ببركة النبى وأعطانا فوق ما أعطى النبيين والمرسلين السابقين ، وانظروا معى إلى آيات كتاب الله وهى تحكى لنا ذلك ، نبى الله إبراهيم - وكان يُسمى أبو الأنبياء – كان يدعوا الله دوماً فيقول: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ{87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89} الشعراء

والخزى أى الفضيحة ، والفضيحة يوم القيامة - حفظنا الله جميعاً من ذلك – تكون لمن يحاسب علانية أى يحاسبه الله أمام جميع الخلق فيُخزى ويفتضح ويظهر شأنه أمام الجميع ، كان سيدنا إبراهيم يطلب من الله ألا يحدث له ذلك ، ابو الأنبياء يطلب ذلك أما نحن أُمة النبى صلى الله عليه وسلم فمنَّ الله علينا ببركة النبى ورفع عنا ذلك وبشرنا وقال لنا: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم8

حفظنا الله من عذاب الخزى ، إذاً كيف يكون حسابنا؟ من خصائص الله لنا وتفضيله لنا عن سائر الأمم ما قال فيه صلى الله عليه وسلم: {نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}{1}

أى نحن الآخرون فى البعث فى الدنيا ونحن الأولون فى الحساب غداً يوم القيامة ، وقال أيضاً: {نحن آخر الأمم وأول من يحاسب ، يقال أين الأُمة المحمدية؟ فنحن الأولون الآخرون} وفى رواية: {المقضى لهم قبل الخلائق}{2}

فنحن أظهر الله لنا فى القرآن مساوئ وعيوب الأمم السابقة ولكن الله لن يأتى بأحد بعدنا حتى لا يعرف أحد مساوئنا وعيوبنا إلا الله ، والله كريم يكرمنا ببركة النبى صلى الله عليه وسلم فيجعلنا أول الأمم فى الحساب ، كيف يكون الحساب؟ يكون الحساب لهذه الأمة دون سائر الأمم كما قال صلى الله عليه وسلم :

{يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عز وجل حَتَّى? يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فَيُعْطَى? صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى? بِهِمْ عَلَى? رُؤُوسِ الْخَلاَئِقِ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى? اللّهِ}{3}

لن يفتضح فى هذا اليوم من هذه الأُمة المرحومة إلا من جاهر بالكبائر واستمر يفعلها حتى الموت ولم يتب إلى الله منها ، مع أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار حتى تطلع الشمس من مغربها ، وقد اختار الله ذلك لهذه الأمة من قبل القبل

فقد روى فى الأثر أن الله لما خلق الأمم وهى أرواح قبل الأجسام والأشباح ، وخلق القلم ليكتب أقدار الأمم ، وأملاه الله: اكتب يا قلم ، أمة آدم من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار ، فكتب القلم ، فقال الله : أكتب ياقلم أمة نوح من أطاعنى دخل الجنة ومن عصانى دخل النار ، واستمر حتى قال أُمة محمد ، فهمَّ القلم أن يكتب ما كتبه لكل الأمم ، فناداه ربُّ العزة عز وجل: اسكت يا قلم ، فانشقَّ القلم من هيبة الله ، ثم قال له الله متفضلاً على هذه الأُمة وعلينا أجمعين: اكتب ياقلم ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم أُمةٌ مذنبةٌ وربٌّ غفور {ورد فى الأثر} 

ولذلك جعل الله لهذه الأمة المحمدية المرحومة خصوصية فى الحساب فى الآيات القرآنية التى يقول فيها ربُّ البرية: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} الأحقاف16

أكرمنا الله برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فجعلنا ببركته صلى الله عليه وسلم من أهل الشفاعة العظمى ، كيف ذلك؟ أبيِّنُ لكم : يشفع لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم وليس هذا فحسب بل ومنَّ الله علينا بأن جعل بعضنا يشفع فى بعض ياللرحمة

فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا كما يشفع فى الأمم السابقة كما وضح كتاب ربنا ، ففى الأمم السابقة يقول الله:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} النساء41

وفينا يقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143

فأوجب الله لنا شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطلق الله لنا الشفاعة فى بعضنا حتى قال نبينا صلى الله عليه وسلم:{اسْتَكْثِرُوا مِنَ الإخْوَانِ فَإنَّ لِكُل مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}{4}

لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة يعطيها له الله يشفع فيها فيمن يريد فضلاً من الله وإكراماً من الله وخصوصية لهذه الأمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم


{1} صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه {2} سنن ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما {3} الصحيحين البخارى ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما {4} ابن النَّجَّارِ في تاريخِهِ عن أنَسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ {جامع الأحاديث والمراسيل}
آخر مواضيعي في منتديات احباب الكلتاوية