Disqus for ومضات إيمانية

الاثنين، 25 مارس 2013

ادب الخلاف والاختلاف




الخلاف

كانت أخلاق المؤمنين مضرب المثل في كل زمان ومكان لم يكن بينهم أحزاب ولا تحزبات ولا سباب ولا شتائم ولا عصبيات كانوا يختلفون والخلاف وارد ولكنهم كانوا يقولون: الخلاف لا يفسد للود قضية اختلف عبد الرحمن ابن عوف مع خالد ابن الوليد في رأي والخلاف في الرأي وارد والدين لا يجبر أحد على رأي غير ما يرضاه ما دام هذا الرأي ليس في شرع الله ولا في دين الله فله حرية اختيار الرأي الذي يراه بغير إكراه من أحد من خلق الله فذهب رجل إلى خالد ابن الوليد وقال: أما سمعت ما قال في شأنك عبد الرحمن؟ قال: وما قال؟ قال: قال في شأنك كذا وكذا قال: لا إن ما ذكرت لا يوجد بيننا فقد ربانا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن لا تتطاول الألسنة فيما بيننا على بعضنا 

يختلفون لكن لا يتسابون ولا يتشاتمون ولا يشنعون على إخوانهم بما ليس فيهم ولا يحاولون أن يظهرونهم بالوجه القبيح لأنه مؤمن وأنت مؤمن وهل مؤمن يقبح وجه أخيه المؤمن؟ وهل مؤمن يباح له أن يتعالى بالسباب أو الشتائم أو المخازي نحو أخيه المؤمن؟ إذا كان المؤمن يقول فيه النبي الكريم {لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ}[1] من يرى من أهل الغرب فضائياتنا ومن هم منسوبون إلى العلم بيننا وقد تعالت أصواتهم بالسباب والشتائم والتكفير لإخوانهم المسلمين أتراهم بعد ذلك يشكرون في هذا الدين ويثنون على أهله؟ 

من ينزل منهم إلى سوق من أسواق المسلمين وينظر إلى ما فيه من الأيمان الكاذبة والكذب في الأقوال والغش في البضاعة والغش في الكيل والوزن ماذا يقول؟ أهذه سوق للمسلمين أم سوق للمنافقين؟ إن أسواق المسلمين أسست على التقوى والورع وأصحابها كلهم ورعون عنوانهم{خَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ}[2] وكان تجارهم على هذه الشاكلة قد يدافع المؤمنون عن قضيتهم ويقولون كان في العدالة عمر بن الخطاب وكان في القيادة خالد بن الوليد وكان في التجارة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وأرضاهم وكان في كذا فلان وفلان أين هؤلاء الآن؟ أين أمثالهم يا أمة القرآن؟ أين الذين يسيرون على هديهم؟ أين الذين يمشون على أخلاقهم؟ أهؤلاء طالبهم الله بالالتزام بهذا الدين وتركنا نمشي على هوانا كما نحب ونبغي ونحن ننتسب إلى دين الله ونسمى عند الله مسلمين؟ 

هذه هي المهمة التي قصَّرنا فيها أجمعين أخذنا الإسلام من باب واحد العبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج وليتنا نقوم في هذا الباب كما ينبغي فلو قمنا بالصلاة فقط كما يحب الله ويرضى فإن الصلاة يقول فيها الله { إنَّ الصَلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ونحن ندعو الله في كل ركعة ونقول {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم فإذا خرجنا من الصلاة فلا بأس من الكذب وهل الكذب من الصراط المستقيم؟ ولا بأس من الغيبة ولا بأس من النميمة ولا بأس من السب والشتم واللعن وغيرها من أخلاق الجاهلية التي نوه عنها وحذر منها خير البرية صلوات ربي وتسليماته عليه 

إن هذه الثنائية التي وقعت في مجتمعنا هي التي أساءت إلى ديننا فالمسلم ملتزم بدين الله في كل أحواله في كل شئونه في كل حركاته في كل سكناته ملتزم بدين الله في بيعه وشرائه كما هو ملتزم به في صلاته وصيامه ملتزم بالصدق والأمانة لأنه لا إيمان لمن لا أمانة له فإذا فقدت الأمانة فقد الإيمان وإن كان يصلي مع المسلمين ويتظاهر بالعمل بشرائع الإسلام لكن الدين التزام بكل ما جاء به الحبيب المصطفى من عند الملك العلام 

فإذا كان المسلم على هذه الشاكلة وكان يبغي الله والدار الآخرة فإنه يكون صورة مثلى تقدم الإسلام إلى الأنام ولو سارت قرية واحدة أو شارع واحد من بلدان المسلمين على هذه الحالة الفريدة لدخل الناس في دين الله أفواجا فإن المسلمين الأولين لم يفتحوا البلدان بالسيوف ولا بالخطب ولا بالكتب ولا بالمحادثات وإنما بالأمانة في البيع والشراء والصدق في الأقوال والعمل بتشريع الله في كل الأحوال فرأى منهم الناس نماذج فريدة لأخلاق إلهية كريمة فرأوهم فاهتدوا بهديهم ومشوا على دربهم ودخلوا في دين الله أفواجا قال صلي الله عليه وسلم {مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ}[3] 

[1] سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد
[2] المستدرك وسنن البيهقي
[3] سنن الترمذي وأبي داود ومسند الإمام أحمد

أمراض الأمة وبصيرة النبوة

منقول من كتاب [أمراض الأمة وبصيرة النبوة]

اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً

الخلاف Book_Amrad _Alomma_Wabaseerato_alnebwaa.jpg


الأحد، 24 مارس 2013

سيدنا أسامة وروضة المصطفى صل الله عليه وسلم





روى المقدسي في الأحاديث المختارة ج: 4 ص: 105‏ والطبراني في المعجم الكبير ج 1 ص 166‏ وابن حبان كما في موارد الظمآن ج: 1 ص: 485‏ واللفظ له
كلهم من طرق عن وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن صالح بن كيسان ‏عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد عن عبيد الله بن عبد الله قال رأيت أسامة بن زيد (زاد في المختارة: مضطجعا على باب حجرة عائشة رافعا عقيرته يتغنى ورأيته) يصلي (وعند الطبراني: يدعو) عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال تصلي إلى قبره ‏(وفي المختارة: تصلي عند قبره ) فقال إني أحبه فقال له قولا قبيحا ثم أدبر فانصرف أسامة بن زيد فقال له يا مروان إنك آذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يقول إن الله يبغض الفاحش المتفحش وإنك فاحش متفحش
فهذا الحديث صححه ابن حبان وحسنه شعيب الأرناؤوط في تحقيق الإحسان وكذا محقق المختارة.
وذكرة الامام الذهبي في سير اعلام النبلاء في ترجمة سيدنا أسامة بن زيد
وذكرة الامام القرطبي في تاريخة


في كتاب سؤالات عبد الله بن أحمد بن حنبل لأحمد قال:
" سألت أبي عن مس الرجل رمانة المنبر يقصد التبرك, وكذلك عن مس القبر ", فقال:" لا بأس بذلك".

انظر كشاف القناع (2/150).
وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه: سألته عن الرجل يمس منبر النبي (صلّى الله عليه و سلّم) و يتبرك بمسّه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك.
العلل لأحمد بن حنبل (2/492).
قال المرداوي في كتابه الإنصاف (من أهم مراجع الفقه الحنبلي) (2\456):
يجوز التوسل بالرجل الصالح على الصحيح من المذهب، وقيل يُستحب. قال الإمام أحمد للمروذي: يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه. وجزم به في المستوعب وغيره.

سيدنا عمر رضي الله عنه كما جاء في صحيح البخاري
الجزء الاول صحيفة 58
عن سيدنا عمر رضي الله عنه (قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلي فنزلت الاية(واتخذوا من مقام ابراهيم مصلي))
فالذي يعظم مقام سيدنا ابراهيم عيه السلام كيف لا يعظم مقام نبية صلي الله عليه وسلم ويتهم من قام بالصلاة وزيارتة بالشرك؟؟

لماذا توسل الفاروق بالعباس ولم يتوسل بالنبى صل الله عليه وسلم ؟






معنى توسل عمر بالعباسأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – كانوا إذا قحطوا – استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ] .
وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب من طريق غيره هذه القصة بأبسط من هذا ، وتلخيصها :
عن عبد الله بن عمر قال : استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة [بفتح الراء وتخفيف الميم] سميت بذلك لكثرة تطاير الرماد لاحتباس المطر بالعباس ابن عبد المطلب ، فخطب الناس فقال : ياأيها الناس إن رسول الله صل الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد ، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صل الله عليه وسلم في عمه العباس ، واتخذوه وسيلة إلى الله : أدع يا عباس فكان من دعائه رضي الله عنه : اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة ،
وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث واحفظ اللهم نبيك في عمه ، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ، ويقولون له : هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر – رضي الله عنه – ذلك : هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه ، وفي ذلك أنشد عباس بن عتبة ابن أخيه أبياتاً منها :
بعمي سقى الله الحجاز وأهله :: عشية يستسقى بشيبته عمر
وقال ابن عبد البر : وفي بعض الروايات فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجبال حتى استوت الحفر بالآكام
وأخصبت الأرض وعاش الناس ، فقال عمر رضي الله عنه : هذا والله الوسيلة إلى الله عز وجل ، والمكان منه .
وقال حسان بن ثابت :
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت مخضرة الأجناب بعد الياس
وقال الفضل بن عباس بن عتبة :
بعمي سقى الله الحجاز وأهله عشية يستسقى بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب راغباً فماكر حتى جاء بالديمة المطر

وفي رواية: وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.
كذا في الاستيعاب لابن عبد البر في ترجمة العباس .
وكان الحق لعمر في أن يؤم الناس مستسقياً لهم لكنه تأخر عن حقه وقدم العباس للاستسقاء تعظيماً لرسول الله صل الله عليه وسلم وتفخيماً لأهله وتقديماً لعمه صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه مبالغة في التوسل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما استطاع ، وحث الناس على اتخاذ الناس لعباس وسيلة إلى الله جل شأنه وكذلك اتخذه هو وسيلة بتقديمه ليدعو ليقيمه بذلك مقام رسول الله r حين كان حياً فاستسقى لهم بالمصلى ليكون أبلغ في تعظيمه والإشادة بفضل أهل بيته.
وبين عمر ذلك في دعائه حيث قال : [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا] .. يعني كنا نتوسل إليك بخروجه بالناس إلى المصلى ودعائه لهم وصلاته بهم ، وإذ قد تعذر ذلك علينا بوفاته عليه الصلاة والسلام فإني أقدم من هو من أهل بيته ليكون الدعاء أرجى للقبول وأرجى للإجابة .

ولما دعا العباس توسل برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :
وقد تقرب القوم بي لمكاني من نبيك أي لقرابتي منه فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، يعني اقبل دعائي لأجل نبيك .
فالقضيـة في الاستسقـاء ولا صلـة لها بالتوسل الذي نحن بصدد الكلام عنه والذي وقع فيه الخلاف وهذا أمر يعرفه كل ذي عينين لأن القصة تدل على هذا بوضوح فقد أصابهم القحط واحتاجوا إلى إقامة الاستغاثة بصلاة الاستسقاء وهذا يحتاج إلى إمام يصلي بهم ويدعو لهـم ويقيـم هـذه الشـعـيـرة الإسـلاميـة الـتي كــان يقيمهـا النبي صل الله عليه وسلم لما كان في دار التكليف كغيرها من شعائر الدين من إمامة وجمعة وخطبة فهي وظائف تكليفية لا يقوم بها أهل البرزخ لانقطاع التكليف عنهم واشتغالهم بما هو أعظم من ذلك .


ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل برسول الله صل الله عليه وسلم
لأن العباس حي والنبي ميت فقد مات فهمه وغلب عليه وهمه ونادى على نفسه بحالة ظاهرة
أو عصبية لرأيه قاهرة ، فإنما عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله r تلمح ذلك في قوله
وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا وهو بذلك قد توسل برسول الله صل الله عليه وسلم على أبلغ الوجوه .

وقد بعد عن الصواب كل البعد من رمى المسلمين بالشرك بسبب ذلك مع قوله بجواز التوسل بالحي ،
فإن التوسل لو كان شركاً ما جاز بالحي ولا الميت ، ألا ترى أن اعتقاد الربوبية واستحقاق العبادة لغير الله من نبي
أو ملك أو ولي هو شرك وكفر لا يجوز هنا في حياته الدنيا ولا الآخرة .
فهل سمعت من يقول : إن اعتقاد الربوبية لغير الله جائز إذا كان حياً أما بعد وفاته فشرك ، وقد عرفت أن اتخاذ المعظم وسيلة إلى الله تعالى لا يكون عبادة للوسيلة إلا إذا اعتقد انه رب كما كان ذلك شأن عباد الأوثان مع أوثانهم فإذا لم يعتقد ذلك فيه وكان مأموراً منه عز وجل باتخاذه وسيلة كان ذلك الاتخاذ عبادة للآمر سبحانه .


إمام الدعاة الشيخ الشعراوى ولماذا توسل سيدنا عمر بسيدنا العباس
ولم يتوسل بسيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم 

ولإمام الدعاة الشيخ محمد متولى الشعراوى فيديو على اليوتيوب
يبين فيه لماذ توسل سيدنا عمر بسيدنا العباس ولم يتوسل بسيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم
قال فيه: نتوسل إليك بعم نبيك العباس لماذا ؟ لأنهم فى وقت الضراعة والضراعة نشأت عن حاجة
ومن المحتاجين عم نبيك فإن كنا لا نستحق فاسقنا من أجل عم نبيك ، فيأتى البعض ويقولوا : أن معنى هذا أنه لا يصح التوسل بالميت ولا يستعان به لأنه ميت بدليل أن عمر فى الإستسقاء لم يتوسل برسول الله
فنقول له صدقت لكنه عندما توسل هل توسل بالعباس أم توسل وقال ( بعم نبيك ) توسل بعم نبيه إذن لقد آلت إلى النبى ، أذن هذا الحديث أعطانا حجة ليس فى التوسل به صل الله عليه وسلم فحسب
بل أيضاً بالتوسل بأقاربه صل الله عليه وسلم 

ولماذا نقل الأمر من التوسل بالنبى إلى التوسل بعم النبى ؟ 
لأن رسول الله قد انتقل إلى ربه ولا ينتفع الآن بالماء والذى ينتفع الآن بالماء هو عم نبيه صل الله عليه وسلم
فنقول يارب : عم نبيك عطشان لكن لايصح هنا أن نقول نبيك يحتاج للماء لأنه انتقل إلى الرفيق الأعلى
اذن فالذين أرادوا أن يأخذوا من هذا الحديث دليلا على عدم جواز التوسل بذوى الجاه عند الله
نقول لهم ان الحديث ضدكم وليس لكم لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله صل الله عليه وسلم

سيدنا بلال يشد الرحال إلى روضة النبى وتخريجها






بلال رضي الله عنه
بعد انتقال النبى صل الله عليه وسلم
ذهب بلال رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله عنه يقول له:
يا خليفة رسول الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول:
أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله...
قال له أبو بكر: (فما تشاء يا بلال؟) قال:أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت...

قال أبو بكر: (ومن يؤذن لنا؟؟)... قال بلال رضي الله عنه وعيناه تفيضان من الدمع: إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله....
قال أبو بكر: (بل ابق وأذن لنا يا بلال)....

قال بلال رضي الله عنه: إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له... قال أبو بكر: (بل أعتقتك لله يا بلال) ....
فسافر إلى الشام رضي الله عنهحيث بقي مرابطا ومجاهدا


يقول عن نفسه:
لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أراد أن يؤذن وجاء إلى"أشهد أن محمدًا رسول الله"تخنقه عَبْرته، فيبكي، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين

وبعد سنين رأى بلال رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم- في منامه وهو يقول:

(ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟)... فانتبه حزيناً، فركب إلى المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم- وجعل يبكي عنده ويتمرّغ عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويضمهما فقالا له: (نشتهي أن تؤذن في السحر!)... فعلى سطح المسجد فلمّا قال: (الله أكبر الله أكبر)....


ارتجّت المدينة فلمّا قال: (أشهد أن لا آله إلا الله)... زادت رجّتها فلمّا قال: (أشهد أن محمداً رسول الله)... خرج النساء من خدورهنّ، فما رؤي يومٌ أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم
وعندما زار الشام أمير المؤمنين عمر-رضي الله عنه- توسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا رضي الله عنه على أن يؤذن لهم صلاة واحدة، ودعا أمير المؤمنين بلالا رضي الله عنه ، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها، وصعد بلال وأذن ......

فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبلال رضي الله عنه يؤذن، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا، وكان عمر أشدهم بكاء...

وعند وفاته رضي الله عنه تبكي زوجته بجواره، فيقول: 'لا تبكي..

"غداً نلقى الأحبه ... محمداً وصحبه"


تخريج أثر زيارة سيدنا بلال لقبر المصطفى صل الله عليه وسلم 

تمهيد :

أعلم وفقني الله واياك الى ما يحبه ويرضاه ؛ ان الامام الذهبي رحمه الله قد اعترف بإن رجال السند ليس فيهم ضعيف ، ماعدا شخص واحد قال بانه مجهول ..

حيث قال الذهبي في تاريخ الاسلام في ترجمة " إبراهيم بن محمد بن سليمان الشامي " بعد ان ذكر هذه القصة : ( إسناده جيد ما فيه ضعيف ، لكن إبراهيم مجهول ) ..

وبإعتراف الحافظ الذهبي بتوثيق رجال السند كلهم مع جهالة أحدهم فقط ؛ سيكون هذا هو المرتكز الذي سنكمل عليه ان شاء الله ..

فقد كفانا الذهبي مؤنة الكلام عن رجال السند ، فلله دره ..

وسنبدأ ان شاء الله بتخريج الحديث والكلام عنه بإذن المولى الجليل ..


تخريج الأثر :

هذا الاثر أخرجه ابن الاثير في ترجمة " أبو رويحة الخثعمي " ، وأخرجها ايضاً الحافظ ابن عساكر في تاريخه ( 7 / 136 - 137 برقم 493 ) في ترجمة " إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال " ، ومثله فعل الذهبي حيث اوردها في سير أعلام النبلاء ( 1 / 357 - 358 ) ، وفي تاريخ الاسلام كلهم من طريق : محمد بن الفيض نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال لما دخل عمر بن الخطاب الجابية سأل بلال أن يقدم الشام ففعل ذلك قال وأخي أبو رويحة الذي أخى بينه وبيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل داريا في خولان فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم قد جئناكم خاطبين وقد كنا كافرين فهدانا الله ومملوكين فأعتقنا الله وفقيرين فأغنانا الله فأن تزوجونا فالحمد لله وأن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله فزوجوهما .
ثم إن بلالا رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له : " ما هذه الجفوة يا بلال أما ان لك أن تزورني يا بلال ؟ " فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه وأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له يا بلال نشتهي نسمع اذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر ففعل فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما أن قال ( الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة فلما أن قال ( أشهد أن لا إله إلا الله ) زاد تعاجيجها فلما أن قال ( أشهد أن محمدا رسول الله ) خرج العواتق من خدورهن فقالوا أبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رئي يوم أكثر باكيا ولا باكية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم )

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء بعد ايراده : ( إسناده لين وهو منكر ) !

ولكنه قال في تاريخ الاسلام : ( إسناده جيد ما فيه ضعيف ، لكن إبراهيم مجهول )


قلت : وابراهيم بن سليمان المجهول هذا ؛ قد أورده الحافظ ابن عساكر في تاريخه ، فقال : ( إبرهيم بن محمد بن سليمان بن بلال ابن أبي الدرداء الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو إسحاق .
روى عن : أبيه .
روى عنه : محمد بن الفيض ) اهـ


ثم ختم ترجمته بقوله : ( قال أبو الحسن محمد بن الفيض توفي إبراهيم بن محمد بن سليمان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين )
فالرجل لم يرو عنه الا راوٍ واحد فقط


كلام العلماء عن هذا الاثر :

أعلم وفقني الله واياك الى كل خير وفلاح ؛ ان من العجز ان تأتي بطعن العلماء وتهمل قبول الآخرين لهذا الاثر كما يفعل البعض هدانا الله واياهم ..

وفي هذا الفصل سترى كيف ان العلماء قد اعتدُّوا بهذا فجوّدوه تارة ، واستشهدوا به تارة أخرى ..

وهذا ما حاول البعض اخفاءه لحاجة في نفس يعقوب !! ..

وسترون صنيع العلماء وتعاملهم مع هذا الاثر ان شاء الله ..


أولاً : ذكر من جوّد إسنادها من أهل العلم ..
1) منهم الحافظ السبكي في شفاء السقام ( ص 39 ) ، حيث قال : ( روينا ذلك بإسناد جيد وهو نص في الباب ..... )

ثم ذكر الاثر من تاريخ ابن عساكر ، ثم قال : ( وسليمان بن بلال بن أبي الدرداء : روى عن جده وأبيه بلال ، روى عنه ابنه محمد ، وأيوب بن مدرك الحنفي ، ذكر له ابن عساكر حديثا ، ولم يذكر فيه تجريحا ( 1 ) .
وابنه محمد بن سليمان بن بلال : ذكره مسلم في الكنى ( 2 ) ، وأبو بشر الدولابي ( 3 ) ، والحاكم أبو أحمد ، وابن عساكر ( 4 ) ، كنيته أبو سليمان ( 5 ) ، قال ابن أبي حاتم ( 6 ) : سألت أبي عنه فقال : " ما بحديثه بأس " .
وابنه إبراهيم بن محمد بن سليمان أبو إسحاق: ذكره الحاكم أبو أحمد، وقال: كناه لنا محمد بن الفيض، وذكره ابن عساكر، وذكر حديثه، ثم قال: قال ابن الفيض: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ( 7 ) .
ومحمد بن الفيض بن محمد بن الفيض أبو الحسن الغساني الدمشقي: روى عن خلائق، روى عنه جماعة منهم: أبو أحمد بن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر ابن المقرئ في معجمه ، ذكره ابن زبر وابن عساكر في التاريخ ( 8 ) ، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة ، ومولده سنة تسع عشرة ومائتين ، ومدار هذا الإسناد عليه .
فلا حاجة إلى النظر في الإسنادين اللذين رواه ابن عساكر بهما وإن كان رجالهما معروفين مشهورين.
وليس اعتمادنا في الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط ، بل على فعل بلال ، وهو صحابي ، لا سيما في خلافة عمر رضي الله عنه ، والصحابة متوافرون ، ولا يخفى عنهم هذه القصة.
ومنام بلال ورؤياه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يتمثل به الشيطان، وليس فيه ما يخالف ما ثبت في اليقظة ، فيتأكد به فعل الصحابي ) انتهى

-------

هامش :

( 1 ) انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور .

( 2 ) الكنى لمسلم.

( 3 ) قال عنه الدولابي في الكنى : ( أبو سليمان محمد بن سليمان بن أبي الدرداء ، عن سعيد بن عبد العزيز )

( 4 ) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر ( 53 / 115 برقم 6411 )

( 5 ) وذكره ابن مندة في الكنى له ، فقال : ( أبو سليمان محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء حدث عن أبيه روى عنه هشام بن عمار وكناه ) .
وذكره ايضاً الذهبي في الكنى له ، برقم ( 2849 ) ، فقال : ( محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، الدمشقي ، عنه هشام ابن عمار )
قلت : وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير ( 1 / 98 برقم 274 طبعة دار الفكر ، بتحقيق السيد هاشم الندوي ) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وهذا يعني انه محتمل الحديث كما نص على ذلك البخاري نفسه ، فيما نقله الحافظ المتقن ابن يربوع ..
وذكره ابن حبان في الثقات ( 9 / 43 برقم 15085 طبعة دار الفكر الطبعة الأولى ، 1395 - 1975 ، بتحقيق السيد شرف الدين أحمد ) .

( 6 ) انظر الجرح والتعديل ( 7 / 267 برقم 1460 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ، 1271 - 1952 ) : ( محمد بن سليمان بن بلال بن ابى الدرداء أبو سليمان . روى عن امه عن جدتها عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه سليمان بن شرحبيل وهشام ابن عمار سمعت ابى يقول ذلك ، حدثنا عبد الرحمن قال وسألت ابى عنه فقال : " ما بحديثه بأس " )

( 7 ) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر ( 7 / 136 - 137 برقم 493 ) .

( 8 ) انظر تاريخ ابن عساكر ( 55 / 96 - 97 - 98 برقم 6910 )
قلت : وقد وثقه الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 14 / 427 ) ، فقال : ( محمد بن الفيض ابن محمد بن الفياض المحدث المعمر المسند أبو الحسن الغساني الدمشقي ولد سنة تسع عشرة ومئتين وحدث عن صفوان بن صالح المؤذن وهشام بن عمار وإبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ودحيم ومحمد بن يحيى بن حمزة والوليد بن عتبة وأحمد بن أبي الحواري وجده محمد بن فياض وأحمد بن عاصم الأنطاكي وعدة .
حدث عنه موسى بن سهل الرملي مع تقدمه وأبو عمر بن فضالة وجمح بن القاسم وأبو سليمان بن زبر ومحمد بن سليمان الربعي وأبو بكر بن المقرئ وأبو أحمد الحاكم وآخرون .
وهو صدوق إن شاء الله ما علمت فيه جرحا مات في شهر رمضان سنة خمس عشرة وثلاث مئة وكان صاحب حديث ومعرفة .... )


*****



2) الشوكاني في نيل الأوطار ( 5 / 156 طبعة إدارة الطباعة المنيرية ) ، حيث قال : ( وقد رويت زيارته صلى الله عليه وآله وسلم عن جماعة من الصحابة منهم بلال عن ابن عساكر بسند جيد ، وابن عمر عند مالك في الموطأ وأبو أيوب عند أحمد وأنس ذكره عياض في الشفاء وعمر عند البزار وعلي عليه السلام عند الدارقطني وغير هؤلاء ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لذلك إلا عن بلال لأنه روى أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بداريا يقول له : " ما هذه الفجوة يا بلال أما آن لك أن تزورني ؟ " .
روى ذلك ابن عساكر ) اهـ


3) محمد يوسف الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد ، في سيرة خير العباد ( 12 / 359 ) ، حيث قال : ( وروى ابن عساكر بسند جيد عن بلال أنه ... )


4) السمهودي في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى في الباب الثاني في فضل الزيارة والمسجد النبوي ومتعلقاتهما - الفصل الاول ، حيث قال : ( ..... وروى ابن عسكر بسند جيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قصة نزول بلال بن رباح بداريا .... )


ثانياً : ذكر من استشهد بهذه القصة وأقرها من أهل العلم :


1) منهم الحافظ عبد الغني في كتابه " الكمال " في ترجمة سيدنا بلال ، حيث قال : ( لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي الا مرة واحدة في قدمة قدمها المدينة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم طلب اليه الصحابة ذلك فأذن ولم يتم الاذان ، وقيل انه اذن لابي بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته )
انتهى النقل من شفاء السقام من الباب الثالث على هذا الرابط :


http://www.hakikatkitabevi.com/displ...&KID=11&SID=63




2) الامام النووي في تهذيب الاسماء ( 1 / 144 ) ، حيث قال : ( وكان بلال يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حياته سفرا وحضرا، وهو أول من أذن فى الإسلام.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الشام للجهاد، فأقام بها إلى أن توفى، وقيل: إنه أذن لأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، مدته، وأذن لعمر، رضى الله عنه، مرة حين قدم عمر الشام، فلم ير باك أكثر من ذلك اليوم ، وأذن فى قدمة قدمها إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب ذلك منه الصحابة، فأذن ولم يتم الأذان ) انتهى

3) ابو بكر الحصني في رده على ابن تيميه في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد ( ص 103 - 104 طبعة المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة ، بتحقيق محمد زاهد بن الحسن الكوثري )


4) وابن الضياء في تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام ، فقال بعد ان ذكر القصة : ( ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال .
وليس الاعتماد في الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط ، بل على فعل بلال وهو صحابي لا سيما في خلافة عمر رضي الله عنه ، والصحابة متوافرون ولا تخفى عنهم هذه القصة ، فسفر بلال في زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إبراد عمر بن عبد العزيز البريد من الشام في زمن صدر التابعين فلا يقل من لا علم له: إن السفر لمجرد الزيارة ليس بسنة.
وأنشد بعضهم:

تمام الحج أن تقف المطايا ... على ليلى وتقرئها السلاما ) .


5) ابن الاثير في اسد الغابة حيث أخرجها مسنده ( 1 ) مستشهداً بها على صحبة أبو رويحة الخثعمي ، فقال : ( أَبو رويحَة ، عَبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي، أَخو بلال بَن رباح، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
له صحبة، نزل الشام ، ولست أَقف على اسمه ونسبه ، قاله أَبو موسى عن الحاكم أَبي أَحمد. قال أَبو موسى: وقد ذكره أَبو عبد الله - يعني ابن منده - وقال: هو أَخو بلال، له صحبة.
أَخبرنا محمد بن أَبي الفتح بن الحسن الواسطي النقاش، أَخبرتنا زينب بنت عبد الرحمن الشعري، أَخبرنا زاهر الشحامي، أَخبرنا أَبو سعد، أَخبرنا الحاكم أَبو أَحمد، أَخبرنا أَبو الحسن محمد بن العميص - الصحيح محمد بن الفيض - الغساني، أَنباأنا أَبو إِسحاق إِبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال، عن أُم السرداءِ عن أَبي الدرداءِ قال : لما رحل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية ، سأله بلال أن يقِره بالشام ، ففعل ذلك .
قال: وأَخي أَبو روَيحة ، آخى بيني وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنزل دَاريا في خولان ، فأقبل هو وأَخوه إِلى حي من خولان فقالا لهم : أَتيناكم خاطبين ، قد كنا كافرين فهدانا الله عز وجل ، ومملوكين فأعتقنا عز وجل ، وفقيرين فأغنانا الله عز وجل ، فإِن تزوجونا فالحمد لله ، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إِلابالله ، فزوجوهما.
أَخرجه أَبو موسى ، وقال: " أورده أَبو عبد الله في كتاب الكنى " ، وليس فيما عندنا من نسخ كتاب أَبي عبد الله في الصحابة في الكنى ترجمة لأَبي روَيحة، فإن كان أبو عبد الله صنف كتاباً في الكنى ولم نره فيمكن ..
أبو رويحة الفزعي ) انتهى ..

قلت : وهذا دليل واضح من تأييد ابن الاثير لهذه القصة التي بها يستدل على صحبة " أَبو رويحَة " ..

ومنه ايضاً نستخلص بإن ابي أحمد الحاكم شيخ الامام الحاكم قد اثبت صحبة الرجل " أبو رويحة الخثعمي " من هذه الطريق ! ، يعني من طريق " إبراهيم بن محمد بن سليمان " ! ، وهذا دليل منه على قبول روايته هذه التي ينكرها الوهابية ..


6) أبو أحمد الحاكم كما مرّ ، حيث اثبت صحبته من هذه الطريق ، حيث قال ابن الاثير : ( .... أَخو بلال بَن رباح، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
له صحبة ، نزل الشام ، ولست أَقف على اسمه ونسبه ، قاله أَبو موسى عن الحاكم أَبي أَحمد ) اهـ .


وقبول روايته يترتب عليها صحبة الرجل عنده ! ، ورد روايته يترتب عليها رد صحبته ..

بل ان الحافظ ابن حجر في الاصابة حاول اثبات صحبته من طريق آخر فلم يجد ، فقال : ( أبو رويحة الخثعمي: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين بلال المؤذن ويقال اسمه عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي.
وأبو رويحة لم يسند عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً ثم ساق من طريق محمد بن إسحاق قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فكان بلال مولى أبي بكر مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين فلما دون عمر الديوان بالشام قال لبلال: إلى من تجعل ديوانك؟ قال مع أبي رويحة لا أفارقه أبداً للأخوة المذكورة فضمه إليه وضم ديوان الحبشة إلى خثعم لمكان بلال فهم مع خثعم بالشام إلى اليوم.
وقال أبو أحمد الحاكم : له صحبة ولست أقف على اسمه.
قال أبو موسى: وقد ذكره أبو عبد الله بن منده في " الكنى " وليس فيما عندنا من كتابه في الصحابة ثم ساق من طريق أبي أحمد الحاكم قال حدثنا أبو الحسن محمد بن العيص الغساني حدثنا إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال لما رجع عمر من فتح بيت المقدس وسار إلى الجابية سأله بلال أن يقره بالشام ففعل فقال وأخي أبو رويحة آخى بيننا النبي صلى الله عليه وسلم فنزل داريا في بني خولان فأقبل هو وأخوه إلى حي من خولان فقال: أتيناكم خاطبين قد كنا كافرين فهدانا الله عز وجل ومملوكين فأعتقنا الله عز وجل وفقيرين فأغنانا الله عز وجل فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله فزوجوهما.
وقال أبو عمر: روى عن أبي رويحة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعقد لي لواء وقال " اخرج فناد: من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن " .
قلت ( الحافظ ) : وهذا تقدم في ترجمة ربيعة بن السكن وفرق أبو موسى بين الفزعي والخثعمي وتعقبه ابن الأثير بأن الفزع بطن من خثعم وهو الفزع بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل وهو خثعم وفاته أن الأول اسمه ربيعة بن السكن وأخو بلال اسمه عبد الله بن عبد الرحمن وقد ذكرت في ترجمته ما يدل على أنه غير من آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين بلال. وقد أورد ابن عساكر حديث الفزعي في ترجمة الخثعمي فكأنهما عنده واحد. والله أعلم ) انتهى .

فنستفيد من هذا الكلام الذي مر : ان ابو أحمد الحاكم شيخ الامام الحاكم قد اثبت صحبة الرجل " أبو رويحة الخثعمي " من هذه الطريق ! ، يعني من طريق " إبراهيم بن محمد بن سليمان " ! ، وهذا دليل منه على قبول روايته هذه التي ينكرها الوهابية ..

وكذلك فعل ابن الاثير ! ، حيث اثبت صحبة " أبو رويحة الخثعمي " من طريق " إبراهيم بن محمد بن سليمان " ..

وهذا منهما تأيداً لهذه الرواية ..


فتنبه لهذا !!

قلت : وقال الذهبي في تاريخ الاسلام في ترجمة " إبراهيم بن محمد بن سليمان الشامي " : ( مجهول ، لم يروِ عنه غير محمد بن الفيض الغسّاني ، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
قال أبو أحمد الحاكم : نا ابن الفيض، نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلاد بن أبي الدرداء: حدثني أبي، عن أبيه سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال لما دخل عمر الشام سأله بلال أن يقره به، ففعل ونزل دارياً. ثم إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول " له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ " أما آن لك أن تزورني، فانتبه حزيناً وركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه. فأقبل الحسن والحسين، فضمهما وقبلهما، فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك. ففعل، وعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة. فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله. خرج العواتق من خدورهن، وقبل: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما رُؤي يوم أكثر باكياً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم ) .

ثم قال الذهبي : ( إسناده جيد ما فيه ضعيف ، لكن إبراهيم مجهول )



وأما قول الحافظ في لسان الميزان عن هذه القصة في ترجمة " إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء " : ( ... وهي قصة بينة الوضع ) !

فكلام غريب ! ..

فكيف يحكم على هذه القصة بالوضع وليس في اسنادها وضاع ؟؟

ولو انه انكر متنها لكان الاجدر ان يقول : ( وهي قصة منكرة ) ..

واما الحكم عليها بالوضع فليس بسديد ويخالف قواعد المصطلح ..

وأظن أن هذا سبق قلم من الحافظ ليس الا ..

فثبت ولله الحمد ان " إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء " قد قبل أهل العلم روايته هذه في كتبهم ، لانها مرتبطه بإثبات صحبة " أبو رويحة الخثعمي " ، ونفيها يوقعهم في حرج من هذا كما حدث للحافظ في الاصابة حيث لم يتكلم عن هذا الاسناد كما فعل في اللسان ، لان الامر هنا مختلف تماماً ..


وبهذا فقد أحسن العلماء عندما جوّدوا اسنادها كما فعل : الحافظ السبكي ، الشوكاني ، السمهودي ، ومحمد يوسف الصالحي .

أو اللذين قبلوها كما فعل : ابو أحمد الحاكم ، وابن الاثير ، والامام النووي ، وعبد الغني المقدسي ، وابو بكر الحصني ، وابن الضياء .

فرحم الله جميع موتى المسلمين ، ورضي الله عن هؤلاء الائمة الاعلام جميعاً ..



تنبيه :

يحاول البعض اعلال الرواية بـ (محمد بن سليمان بن بلال ) ! .

وهذا ليس بسديد ..

فقد اغتروا بقول ابن عبد الهادي عنه في الصارم المنكي ( ص 320 ) : ( رجل غير معروف ، بل هو مجهول الحال قليل الرواية، لم يشتهر بحمل العلم ونقله ، ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمناه ، ولم يذكر له البخاري ترجمة في كتابه، وكذا ابن أبي حاتم، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء ) اهـ

وهذا تقصير فاضح من ابن عبد الهادي رحمه الله ..

فالرجل قد وثقه ابو حاتم الرازي في الجرح والتعديل ، فقال فيه : ( ما بحديثه بأس ) اهـ ( 2 )

وبهذا فقد خرّ السقف على القوم ولم تبقى لهم حجة في هذا ..

فرحم الله أمرىء عرف قدر نفسه ..



وهذا آخر ما تيسر لنا في الحديث عن هذا الاثر ، والله ولي التوفيق ..

فإن أصبت فمن الله وحده ، وان أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان ..



وكتبه الفقير الى مولاه الجليل محمد اليافعي سامحه الله ..
وتم الانتهاء منه في الأحد 4 من شهر ربيع الأول 1430 لهجرة سيد المرسلين ، وخير خلق الله أجمعين ،
-----

هامش :

1 ) وقد ذكرها ايضاً ابن الاثير في أسد الغابة ( 1 / 244 - 245 ) بلاسند ترجمة بلال مستشهداً بها ولم يعلق عليها ، فقال : ( ثم إن بلالاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول‏:‏ ‏"‏ما هذه الجفوة يا بلال‏؟‏ ما آن لك أن تزورنا‏"‏ فانتبه حيزناً، فركب إلى المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يقبلهما ويضمهما، فقالا له‏:‏ نشتهي أن تؤذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال‏:‏ ‏"‏الله أكبر، الله أكبر‏"‏ ارتجت المدينة، فلما قال‏:‏ ‏"‏أشهد أن لا إله إلا الله‏"‏ زادت رجتها، فلما قال‏:‏ ‏"‏أشهد أن محمداً رسول الله‏"‏ خرج النساء من خدورهن فما رئي يوم أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم‏. ) اهـ


( 2 ) انظر الجرح والتعديل ( 7 / 267 برقم 1460 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ، 1271 - 1952 ) : ( محمد بن سليمان بن بلال بن ابى الدرداء أبو سليمان . روى عن امه عن جدتها عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه سليمان بن شرحبيل وهشام ابن عمار سمعت ابى يقول ذلك ، حدثنا عبد الرحمن قال وسألت ابى عنه فقال : " ما بحديثه بأس " )

وذكره ابن حبان في الثقات ( 9 / 43 برقم 15085 طبعة دار الفكر الطبعة الأولى ، 1395 - 1975 ، بتحقيق السيد شرف الدين أحمد ) .

وترجم له البخاري في التاريخ الكبير ( 1 / 98 برقم 274 طبعة دار الفكر ، بتحقيق السيد هاشم الندوي ) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وهذا يعني انه محتمل الحديث عنده كما نص على ذلك البخاري نفسه ، فيما نقله الحافظ المتقن ابن يربوع ..


وقد ترجم له الحافظ ابن عساكر في تاريخه ( 53 / 115 - 116 - 117 برقم 6411 ) ، فقال : ( محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء عويمر بن زيد بن قيس أبو سليمان الأنصاري من أهل دمشق روى عن أبيه سليمان وأمه وإبراهيم بن صالح القرشي وسعيد بن عبد العزيز روى عنه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وأبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي وابنه إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل وأبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر قالا أنبأنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن أنبأنا الحاكم أبو أحمد الحافظ أنبأنا محمد بن محمد ابن سليمان حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن سليمان بن أبي الدرداء حدثنا إبراهيم ابن صالح القرشي عن أبيه أن ابن عباس أوصى رجلا فقال لا تتكلم بما لا يعنيك فإن ذلك فضل ولست آمن فيه عليك الوزر ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعا فرب متكلم في غير موضعه قد عنت لا تمارين حليما ولا سفيها فإن الحليم يغلبك وإن السفيه يؤذيك واذكر أخاك إذا توارى عنك بما تحب إذا تواريت عنه ودعه مما يحب أن يدعك منه فإن ذلك العدل واعمل عمل امرئ يعلم أنه مجزي بالإحسان مأخوذ بالإجرام أخبرناه أبو الحسن الفرضي وعلي بن زيد قالا أنبأنا أبو الفتح نصر بن إبراهيم زاد الفرضي وعبد الله بن عبد الرزاق قالا أنبأنا أبو الحسن بن عوف أنبأنا أبو علي بن منير أنبأنا أبو بكر بن خريم حدثنا هشام بن عمار حدثنا محمد بن سليمان فذكر نحوه وقال إذا توارى عنك بما تحب أن يذكرك إذا تواريت عنه أنبأنا أبو الغنائم بن النرسي ثم حدثنا أبو الفضل أنبأنا أبو الحسين بن الطيوري وأبو الغنائم واللفظ له قالا أنبأنا أبو أحمد الواسطي أنبأنا أبو بكر الشيرازي أنبأنا أبو الحسن المقرئ أنبأنا البخاري ( انظر التاريخ الكبير ( 1 / 98 برقم 274 طبعة دار الفكر ، بتحقيق السيد هاشم الندوي ) قال : محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أبو سليمان الأنصاري سمع أمه عن جدتها قالت قالوا يا رسول الله هل يضر الغبط قال نعم كما يضر الشجرة الخبط قاله لي هشام بن عمار أنبأنا أبو الحسين القاضي وأبو عبد الله الأديب قالا أنبأنا عبد الرحمن بن محمد أنبأنا حمد إجازة ح قال وأنبأنا أبو طاهر أنبأنا علي قالا أنبأنا ابن أبي حاتم ( انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ( 7 / 267 برقم 1460 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة الأولى ، 1271 - 1952 ) قال محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أبو سليمان روى عن أمه عن جدتها عن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه سليمان بن شرحبيل وهشام بن عمار سمعت أبي يقول ذلك سألت أبي عنه فقال : " ما بحديثه بأس " .
أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس أنبأنا أحمد بن منصور بن خلف أنبأنا أبو سعيد بن حمدون أنبأنا مكي بن عبدان قال سمعت مسلما يقول أبو سليمان محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء سمع أمه روى عن هشام بن عمار قرأت على أبي الفضل بن ناصر عن جعفر بن يحيى أنبأنا أبو نصر الوائلي أنبأنا الخصيب بن عبد الله أخبرني عبد الكريم بن أبي عبد الرحمن أخبرني أبي قال أبو سليمان محمد بن سليمان بن أبي الدرداء قرأنا على أبي الفضل أيضا عن أبي طاهر بن أبي الصقر أنبأنا هبة الله بن إبراهيم بن عمر أنبأنا أبو بكر المهندس حدثنا أبو بشر الدولابي قال أبو سليمان محمد بن سليمان بن أبي الدرداء عن سعيد بن عبد العزيز أنبأنا أبو جعفر محمد بن أبي علي أنبأنا أبو بكر الصفار أنبأنا أحمد بن علي بن منجوية أنبأنا أبو أحمد الحاكم قال أبو سليمان محمد بن سلميان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري سمع أمه عن جدتها وأبي الدرداء حديثه في الشاميين روى عنه هشام بن عمار )

*****

التوسل بروضة النبى صل الله عليه وسلم






التوسل بقبر النبي صل الله عليه وسلم بإرشاد السيدة عائشة
قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه السنن [باب ما أكرم الله تعالى نبيه r بعد موته] : حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، فقالت : أنظروا قبر النبي r فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق ، ومعنى كوا أي نافذة). اهـ سنن الدارمي ج1 ص43 .
فهذا توسل بقبره صل الله عليه وسلم لا من حيث كونه قبراً ، بل من حيث كونه ضم جسد أشرف المخلوقين وحبيب رب العالمين ، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة واستحق بذلك المنقبة الكريمة .تخريج الحديث :
أما أبو النعمان فهو محمد بن الفضل الملقب بعارم شيخ البخاري ، قال الحافظ في التقريب عنه : - ثقة ثبت – تغير في آخر عمره .
قلت : وهذا لا يضره ولا يقدح في روايته لأن البخاري روى له في صحيحه أكثر من مائة حديث وبعد اختلاطه لم تحمل عنه رواية ، قاله الدارقطني ، ولا ينبّئك مثل خبير .
وقد ردّ الذهبي على ابن حبان قوله: (بأنه وقع له أحاديث منكرة) فقال: ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً فأين ما زعم؟(كذا في ميزان الاعتدال ج4 ص8).
وأما سعيد بن زيد فهو صدوق له أوهام ، وكذلك حال عمرو بن مالك النكرى كما قال الحافظ ابن حجر عنهما في التقريب .
وقد قرر العلماء بأن هذه الصيغة وهي – صدوق يهم – من صيغ التوثيق لا من صيغ التضعيف (كذا في تدريب الراوي) .
وأما أبو الجوزاء فهو أوس بن عبد الله الربعي وهو ثقة من رجال الصحيحين فهذا سند لا بأس به ، بل هو جيّد عندي ، فقد قبل العلماء واستشهدوا بكثير من أمثاله وبمن هم أقل حالاً من رجاله .

السيدة عائشة وموقفها من قبر النبي صل الله عليه وسلم :
أما قول بعضهم : بأن هذا الأثر موقوف على عائشة وهي صحابية ، وعمل الصحابة ليس بحجة ، فالجواب هو أنه وإن كان رأياً لعائشة إلا أنها رضي الله عنها معروفة بغزارة العلم ، وفعلت ذلك في المدينة بين علماء الصحابة . ويكفينا من هذه القصة أنها دليل على أن عائشة أم المؤمنين تعلم أن رسول الله صل الله عليه وسلم لا زال بعد وفاته رحيماً وشافعاً لأمته وأن من زاره واستشفع به شفع له ، كما فعلت أم المؤمنين ، وليس هو من قبيل الشرك أو من وسائل الشرك كما يلغط به هؤلاء المكفرون المضللون ، فإن عائشة ومن شهدها لم يكونوا ممن يجهلون الشرك ولا ما يمت إليه .
فالقصة تدمغ هؤلاء وتثبت أن النبي صل الله عليه وسلم يهتم بأمته في قبره حتى بعد وفاته ، وقد ثبت أن أم المؤمنين عائشة قالت : كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صل الله عليه وسلم وأضع ثيابي ، وأقول إنما هو زوجي وأبي ، فلما دفن عمر معهما فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة حياء من عمر . (رواه أحمد) .

قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ج8 ص26) ورواه الحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يعترضه الذهبي بشيء (ج4 ص7) .
ولم تعمل عائشة هذا باطلاً بل هي تعلم أن النبي صل الله عليه وسلم وصاحبيه يعلمان من هو عند قبورهم .
وقد قال النبي صل الله عليه وسلم لمعاذ لما أرسله لليمن : فلعلك تمر بقبري ومسجدي . (رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات إلا يزيد لم يسمع من معاذ ((كذا في مجمع الزوائد ج10 ص55)) ) فتوفي رسول الله صل الله عليه وسلم وجاء معاذ إلى قبر النبي صل الله عليه وسلم باكياً . وشاهده عمر بن الخطاب على هذا الحال وجرت بينهما هذه المحادثة كما رواها زيد ابن أسلم عن أبيه قال : خرج عمر إلى المسجد فوجد معاذ بن جبل عند قبرالنبي صل الله عليه وسلم يبكي ، قال : ما يبكيك ؟ قال : حديث سمعته عن رسول الله صل الله عليه وسلم (اليسير من الرياء شرك)) . قال الحاكم : صحيح ولا يعرف له علة ، ووافقه الذهبي فقال : صحيح ولا علة له . (كذا في المستدرك ج1 ص4) .
وقال المنذري في الترغيب والترهيب : رواه ابن ماجه والبيهقي والحاكم وقال : صحيح لا علة له ، وأقره أعني المنذري (ج1 ص32) .
التوسل بقبر النبي صل الله عليه وسلم في خلافة عمر رضي الله عنه
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا : حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي r فقال : يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله صل الله عليه وسلم في المنام فقال : (( ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون ، وقل له : عليك بالكيس الكيس )) ..
فأتى الرجل فأخبر عمر ، فقال : يارب ! ما آلو إلا ما عجزت عنه .وهذا إسناد صحيح .
[كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج1 ص91) في حوادث عام ثمانية عشر] .
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري – وكان خازن عمر – قال : ((أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي r فقال : يارسول الله صل الله عليه وسلم استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتى الرجل في المنام فقيل له : ائت عمر ، الحديث .
وقد روى سيف في الفتوح : أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال ابن الحارث المزني أحد الصحابة . قال ابن حجر : إسناده صحيح اهـ .
(صحيح البخاري كتاب الاستسقاء) ، [ فتح الباري ص415 ج2 ](14) [2].
ولم يقل أحد من الأئمة الذين رووا الحديث ولا من بعدهم ممن مر بتصانيفهم من الأئمة أنه كفر وضلال ولا طعن أحد في متن الحديث به ، وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم ، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل

قصة العتبى في التوسل
قال الإمام الحافظ عماد الدين ابن كثير :
ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل (( الحكاية المشهورة )) عن العتبى قال : كنت جالساً عند قبر النبي صل الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشد يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه :: فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه :: فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صل الله عليه وسلم في النوم فقال : [إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له] .
فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص498 ، ورواها أيضاً الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى : } وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ { .. الآية .
ورواها أيضاً الشيخ أبو محمد ابن قدامة في كتابه المغني (ج3 ص556)، ونقلها أيضاً الشيخ أبو الفرج ابن قدامة في كتابه الشرح الكبير (ج3 ص495)، ونقلها أيضاً الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه المعروف بكشاف القناع من أشهر كتب المذهب الحنبلي (ج5 ص30)(16)[4].
وذكر الإمام القرطبي عمدة المفسرين قصة تشبهها في تفسيره المعروف بالجامع، قال: روى أبو صادق عن علي قال : قدم علينا أعرابي بعد ما دفنَّا رسول الله صل الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر رسول الله صل الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال : قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ) .. الآية ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر : إنه قد غفر لك .[تفسير القرطبي ج5 ص265] .

هذه قصة العتبى وهؤلاء هم الذين نقلوها وسواء أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول هل نقل هؤلاء الكفر والضلال ؟ .. أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور ؟ .
إذا كان الأمر كذلك فأي ثقة فيهم أو في كتبهم ؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .

أبيات العتبي على شباك النبي صل الله عليه وسلم
تقدم ذكر البيتين الذين أنشدهما الأعرابي عند زيارته للنبي صل الله عليه وسلم ، ورواها العتبى وهي :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وهذه الأبيات مكتوبة بفضل الله على المواجهة النبوية الشريفة في العامود الذي بين شباك الحجرة النبوية يراها القاصي والداني منذ مئات السنين حتى في عهد المرحوم الملك عبد العزيز ، فالملك سعود فالملك فيصل فالملك خالد رحمهم الله تعالى ، فالملك فهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ، وستبقى بإذن الله بناء على توجيهات خادم الحرمين بالمحافظة على كل ما في المسجد النبوي الشريف وعدم إزالة أي أثر قديم .
] ] ] 




*أخرج ابن أبي خيثمة في تاريخه - (ج 1 / ص 444) قال:حَدَّثَنا إبراهيم بن الْمُنْذِر ، قال : حدثنا سفيان بن حمزة ، عن كثير بن زيد ، عن المطلب بن حنطب ، قال : جاء أبو أيوب الأَنْصَارِيّ يريد أن يُسَلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء مَرْوَان وهو كذلك فأخذ برقبته ، فقال : هل تدري ما تصنع ؟ فقال : قد دريت أني لم آتِ الخدر ولا الحجر ولكني جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تبكوا على الدين ما وليه أهله ، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله".
قلت:إسناده حسن،وصححه الحاكم والذهبي وحسنه السّبكي والسمهودي والصالحي الدمشقي،والمناوي.


وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده من طريق آخر قال:حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ:أَقْبَلَ مَرْوَانُ يَوْمًا فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ نَعَمْ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ وَلَكِنْ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ.
وأخرجه كذلك الحاكم في المستدرك وابن عساكر في تاريخ دمشق - (ج 57 / ص 249) من طريق عبد الملك بن عمرو العقدي ، ثنا كثير بن زيد ، عن داود بن أبي صالح ، قال : أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر ، فأخذ برقبته وقال : أتدري ما تصنع ؟ قال : نعم ، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، فقال : جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر.
وقال: « هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه »،وأقرّه الذهبي في التلخيص.


وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق شيخيه هارون بن سليمان أبي ذر، وأحمد بن رشدين قال: حدثنا سفيان بن بشر الكوفي قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب به.
وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي أيوب إلا بهذا الإسناد تفرد به حاتم.اهـ وليس كما قال فقد تابعه عبد الملك بن عمرو العقدي الثقة الحافظ،والصدوق سفيان بن حمزة كما تقدّم معك،وتابعهما أيضا عمر بن خالد عن أبي نباتة عن كثير بن يزيد عن المطلب به كما في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى - (ج 1 / ص 59) للسمهودي،إلا أن حاتم بن إسماعيل وسفيان بن حمزة وأبا نباتة رووه عن زيد بن كثير عن المطلب بن حنطب،وخالفهم عبد الملك بن عمر العقدي،فقال: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ به،ورواية الجماعة هي المحفوظة،والأصح،


وقد غفل عن هذه العلة أحد المعاصرين واعتمد رواية العقدي واضطر لتضعيفها بسبب جهالة داود بن صالح،ولم يطلع على طريق ابن أبي خيثمة المحفوظة وليس فيها داود بن أبي صالح.والحديث مداره على زيد بن كثير،قال الحافظ في التقريب: كثير بن زيد الأسلمى السهمى ، من الطبقة : 7 : من كبار أتباع التابعين ،روى له : ( البخاري في جزء القراءة خلف الإمام وأبو داود والترمذي وابن ماجه )،وقال : صدوق يخطىء،وقال الذهبي : قال أبو زرعة : صدوق فيه لين.قلت: وثقه أحمد وضعفه النسائي،وهو صدوق حسن الحديث،ويخطئ أحيانا.،ولو لاه لحكمنا على الحديث بالصّحة.
الملائكة مع عظم مكانتها تزوره صلى الله عليه وآله وسلم كوكبة تلو الأخرى،

فقد روى الدرامى فى مسنده حدثنا عبد الله بن صالح حدثنى الليث خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن نبيه بن وهب أن كعبا دخل على السيدة عائشة رضى الله عنها فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب: (ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبى صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج فى سبعين ألفا من الملائكة يزفونه) الجزء الأول من مسند الدارمى.والإمام مالك رحمة الله قال لأبى جعفر المنصورى أثناء زيارته للروضة الشريفة: (إن حرمته ميتا كحرمته حيا)

كيف لا ننوى زيارة روضته وهى روضة من رياض الجنة ؟
كيف لا نذهب لنأتنس به ونشكره وفاءا وإقرارا بفضله والأنبياء أحياء بل هم فى أكمل حياة
روي الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله الدرامي في كتابه السنن - الذي يعتبر من كتب الأصول الحديثية الستة - قال: أخبرنا مروان بن محمد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد وكان لا يعرف وقت الصلاة إلاَّ بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر معناه[7] أ. هـ ذكر الشيخ ابن تيمية هذه الوقائع في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجداً أو وثنا يُعبد ثم قال (ولا يدخل في هذا الباب ما يروي من أن قوماً سمعوا ردَّ السلام من قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره من الصالحين وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الآذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك)[8] أ. هـ[9] ثم قال في موضع آخر: وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتي واستحباب الاندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك
كيف لا نزوره وننوى زيارته ونشد الرحال إليه وقد شد الرحال إليه من هو أفضل منا ؟
وروى ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قصة نزول بلال بن رباح بداري بعد فتح عمر رضي الله عنه بيت المقدس قال :" ثم إن بلالا رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له:" ماهذه الجفوة يابلال ؟ أما آن لك أن تزورني!" فانتبه حزينا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ومرغ وجهه عليه. " وقال الحافظ تقي الدين السبكي في كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام:" وممن روي ذلك عنه من الصحابة بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم روينا ذلك بإسناد جيد إليه ." وفي تحفة ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال:" لما رمس رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضي الله عنها فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول : ماذا على من شم تربة أحمد أن لايشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا . " وروى الإمام أحمد في المسند أن مروان أقبل يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال:" أتدري ما تصنع؟ " فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال:" نعم ! جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر! سمعت رسول الله يقول:" لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله." وأخرجه من هذا الوجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي في التلخيص . وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى:"{ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك…} الآية روى عن علي قال:" قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث أيام فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه فقال:" قلت يارسول الله فسمعنا قولك ووعيت عن الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك {ولو أنهم ظلموا أنفسهم …..}الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر :" أنه قد غفر لك !"

ذكر الحافظ ابن عساكر والحافظ عبد الغنى المقدسى الحنبلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلالا فى منامه حينما كان بالشام فى ضيافة معاوية وقال له: أوحشتنا يا بلال، فإنتبه حزينا وركب راحلته قاصدا المدينة فأتى قبرالنبى صلى الله عليه وسلم فجعل يبكى ويمرغ وجهه على القبر ويقول: (أوحشتنى يارسول الله) >

وذكر أيضا الحافظ ابن عساكر والحافظ عبد الغنى المقدسى الحنبلى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما قدم بيت المقدس أيام خلافته وأسلم على يديه كعب وكان من عظماء أحبار يهود فرح بإسلامه وقال له: هل لك أن تسير معى إلى المدينة وتزور قبر النبى صلى الله عليه وسلم وتتمتع بزيارته فقال أفعل ذلك وسار معه. وذكر ابن الجوزى فى كتابه (مثير العزم الساكن إلى زيارة أشرف الأماكن) أن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه كان يبعث البريد من الشام إلى المدينة يقول: سلم لى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا نظرنا إلى ما حول القبر من الروضة التى هى قطعة من الجنة والمنبر الذى نال الشرف الأعلى بالحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وسيكون يوم القيامة على حوضه العظيم، وإلى الجذع الذى حن إليه حنين الثكلى وسيكون يوم القيامة فى جنة الخلد وسط أشجارها، وقد قيل أنه دفن فى موضعه بالمسجد فلا أظن أن عاقلا حريصا على الخير يتوقف عن الدعاء فى هذه البقاع،


.

التوسل بالنبى صل الله عليه وسلم بعد انتقاله






التوسل بالنبى فى حياته وبعد انتقاله 

التوسل بالنبى فى حياته الأمة كلها أجمعت عليه ولم يشذ أحد عن هذا الإجماع ،
لكن وقع الخلاف فى مسألة التوسل بالنبى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى 

جانب كبير من علماء أهل السنة والجماعة ومن بينهم علماء الصوفية يعتقدون أن التوسل بالنبي في حياته وبعد وفاته هو أمر متفق عليه بين المسلمين طيلة فترة السلف ولم يكن محل نقاش إلا بعد مضي ستة قرون على وفاة النبي محمد فكان أن أثير الخلاف في التوسل بالنبي بعد مماته والتوسل بغيره كالأئمة ووالأولياء، ويستشهدون بنصوص من الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح من بينها الحديث الذي رواه عثمان بن حنيف وقصة الرجل مع عثمان بن عفان والتي صححها الطبراني وغيره، والذي ورد فيه النص التالي بجواز التوسل بالنبي محمد في حياته وبعد وفاته: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمــد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي" [13]. واستمر جمهور العلماء يجمعون على جواز التوسل بالنبي والرجال الصالحين إلى أن أعيد النقاش قبل حوالي مائتي عام. ويرى هذا الجانب من علماء أهل السنة والجماعة أن ابن تيمية هو أول من ابتدع القول بحرمة التوسل 
ومنهم من قال أنه لا يجوز التوسل بأحد من الخلق إلاّ بالنبي محمد وحده دون التفريق بين حياته أو مماته،
ومن القائلين بهذا الإمام العز بن عبد السلام

بينما السلفية: يعتقدون بجواز التوسل بدعاء النبي واستغفاره في حياته دون مماته. أما التوسل إلى الله بذات النبي وذوات غيره من الأنبياء والصالحين (كأن يقول: اللهم إني أسألك بفلان، أو أتوسل إليك بحق فلان، أو بجاه فلان)، فهي عبادة غير مشروعة لم ترد بها نصوص صحيحة، ولم يفعلها أحد من السلف،
وإن كانوا يقرون بأنها مسألة خلافية لا يجوز الغلو في الإنكار على فاعلها، أو تكفيره


يقول محمد بن عبد الوهاب في فتاواه:
"وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه، فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، ولكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أكثر مما يدعو الله ويقصد القبر يتضرع عند ضريح..يطلب فيه تفريج الكربات..، فأين هذا ممن يدعو الله أحدًا ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك أو..بعبادك الصالحين، أو يقصد قبرًا معروفًا أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله..فأين هذا مما نحن فيه" (فتاوى محمد بن عبد الوهاب، مجموعة المؤلفات، القسم الثالث، ص 68، منشورات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)


وما دام هناك إجماع على التوسل بالنبى فى حياته فلا داعى لأن نفرد له صفحات
أو نأتى بالأدلة على إثباتها فالأمة كله مجمعة عليها
ولكن سنذكر الأدلة على التوسل بالنبى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى
وكذلك التوسل بالصالحين والتبرك بآثار الأنبياء والأولياء إن شاء الله 





فقد ورد عن رسول الله أنه قال

" من خرج من بيته الى الصلاة فقال : اللهم أسألك بحق السائلين عليك . و بحق ممشاي هذا . فانى لم أخرج أشر ولا بطرا ........)

رواة ابن ماجه عن أبى سعيد الخدرى
قال المنذري في الترغيب والترهيب ج3 ص119 : رواه ابن ماجه بإسناد فيه مقال ،وحسنه شيخنا الحافظ أبو الحسن .
وقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ج1 ص272 : هذا حديث حسن ، أخرجه أحمد وابن خزيمة في كتاب التوحيد ، وأبو نعيم وابن السني .
وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ج1 ص323 عن الحديث : بأنه حسن.
وقال الحافظ البوصيري في زوائد ابن ماجه المسمى ((بمصباح الزجاجة)) ج1 ص98 : رواه ابن خزيمة في صحيحه .
وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابع ص471 : إسناده حسن إن شاء الله .
وذكر العلامة المحقق المحدث السيد علي بن يحي العلوي في رسالته اللطيفة هداية المتخبطين : أن الحافظ عبد الغني المقدسي حسّن الحديث ، وقبله ابن أبي حاتم،


وبهذا يتبين لك أن هذا الحديث صححه وحسنه ثمانية من كبار حفاظ الحديث وأئمته ، وهم :
ابن خزيمة والمنذري وشيخه أبو الحسن والعراقي والبوصيري وابن حجر وشرف الدين الدمياطي وعبد الغني المقدسي وابن أبي حاتم ، وهؤلاء منهم
فهل يبقى بعد قول هؤلاء كلام المتكلم ، وهل يصح من عاقل أن يترك حكم هؤلاء الفحول من الرجال الحفاظ المتقنين إلى قول المتطفلين على موائد الحديث.
{ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ . }
{ . فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } .

وما رواه الطبرانى و ابن حيان و الحاكم عن أنس رضى الله عنه" لما ماتت فاطمه بنت أسد أم على ابن طالب

" دخل الرسول صل الله عليه وسلم الغير فاضطجع و قال الله الذى يحيى و يميت و هو حي لا يموت أغفر لأمى فاطمه بنت أسد و لقنها حجتها و وسع عليها مدخلها بحق نبيك و الأنبياء الذى من قبلى فأنك أرحم الراحمين "رواه ابن ابى شيبه عن جابر . و كذا رواه ابن عبد البر عن ابن عباس رضى الله عنهم أجمعين .

جاء في مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب إنها لما ماتت حفر رسول الله صل الله عليه وسلم لحدها بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صل الله عليه وسلم فاضطجع فيه فقال : ((الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين . وكبر عليها أربعاً وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم)) ..

. رواه الطبراني في الكبير والأوسط . وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم ، وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح . [ كذا بمجمع الزوائد ج9 ص257 ] .
واختلف بعضهم في [روح بن صلاح] أحد رواته ، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات ، وقال الحاكم : ثقة مأمون ، وكلا الحافظين صحح الحديث ، وهكذا الهيثمي في [مجمع الزوائد] ورجاله رجال الصحيح(11)[1].
ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة عن جابر ، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم ، فطرقه يشد بعضه بعضاً بقوة وتحقيق(12) .
قال الشيخ الحافظ الغماري في إتحاف الأذكياء ص20 : وروح هذا ضعفه خفيف عند من ضعفه كما يستفاد من عباراتهم ، ولذا عبر الحافظ الهيثمي بما يفيد خفة الضعف كما لا يخفى على من مارس كتب الفن . فالحديث لا يقل عن رتبة الحسن بل هو على شرط ابن حبان صحيح .
ونلاحظ هنا أيضاً أن الأنبياء الذين توسل النبي r بحقهم على الله في هذا الحديث وغيره قد ماتوا فثبت جواز التوسل إلى الله [بالحق] وبأهل الحق أحياء وموتى .


و فى الحديث الذى رواه الترميزى و النسائى و البيهقىو الطبرانى باسناد صحيح عن عثمان ابن حنيف رضى الله عنه

" أن رجل رجل ضرير البصر أتى البى فقال ادعوا الله أن يعافينى ’ قال ان شئت دعوت و ان شئت صبرت خير لك قال فادعه ؟ قال فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء و يدعو بهذا

( اللهم أنى أسألك و أتوجه اليك نبيك محمد نبى الرحمة انى توجهت بك الى ربى فى حاجتى هذه لتقض لى اللهم شفعه فيّ ). فعاد و قد أبصر .
والسبب فى رواية سيدنا عثمان بن حنيف لهذا الحديث هى : أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه فى حاجة له أثناء توليه إمارة المؤمنين _فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر فى حاجته

فلقى عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف :ائت الميضأة فتوضأ فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة ، يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى لتقضى لى حاجتى وتذكر حاجتك ورح إلى حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال لهثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيدة فأدخله على عثمان بن عفان وأجلسه وذكر حاجته لعثمان فقضاها له وقال له : ما كانت لك من حاجة فائتنا وخرج الرجل من عنده ولقى عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر فى حاجتى حتى كلمته فىّ فقال عثمان : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صل الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير ثم ذكر الحديث ، والقصه تدل على ما يدل عليه الحديث وتغلق الباب وتسد الطريق على من حاول أن يزعم أن الحديث خاص بحياة النبى صل الله عليه وسلم وقد صحح هذا الحديث

الحاكم والترمذى وصححه الألبانى أيضا قال عنه إسناده صحيح فى التعليق على صحيح بن خزيمه 1219
ورواة الطبرانى فى الصغير والبيهقى فى دلائل النبوة والمنذرى فى الترغيب والترهيب 


قال الطبراني: "والحديث صحيح" ففيه دليل على أن الأعمى توسّل بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في غير حضرته، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علّمه رسول اللّه، ثم دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم والنبي لم يفارق مجلسه لقول راوي الحديث عثمان بن حُنيف: "فواللّه ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا وقد أبصر".
والهيثمى فى مجمع الذوائد والمباركفورى فى تحفة الأحوذى
صحابي توسل واستغاث بالنبي في حضرة عمر ولم ينكر عليه

روى البيهقي (1) بإسناد صحيح عن مالك الدار (وكان خازن عمر)

قال [أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام فقال:
إيت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم يسقون وقل له:عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبر عمر فقال:
يا رب ما ءالو إلا ما عجزت] اهـ. وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المزني الصحابي

، فهذا الصحابي قد قصد قبر الرسول للتبرك فلم ينكر عليه عمر ولا غيره.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2) ما نصه

[وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان

عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى

قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك

فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر . . . الحديث.

وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو

بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة] ا.هـ.
------------
(1) انظر البداية والنهاية (7/ 91-92) (2) فتح الباري شرح صحيح البخاري (2/495-496)
وخازن عمر يقولون أنه مجهول وردنا أنه لو لم يكن ثقة لما اختارة الفاروق رضى الله عنه ليكون خازنه 

الإمام الجنيد علم من أعلام التصوف




أعلام, التصوف, الجندى, الإمام


أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلامالتصوف السني في القرن الثالث الهجري[1]، أصله نهاوند في همدان (مدينة اذرية)، ومولده ومنشؤه ببغداد. 
المربى بفنون العلم المؤيد بعيون الحلم المنور بخالص الإيقان وثابت الإيمان ، العالم بمودع الكتاب والعامل بحلم الخطاب ، الموافق فيه للبيان والصواب 
هو شيخ الصوفية ولد سنة نيف وعشرين ومائتين وتفقه على أبي ثور ، وسمع من السري السقطي وصحبه ، ومن الحسن بن عرفة ، وصحب أيضا الحارث المحاسبي وأبا حمزة البغدادي ، وأتقن العلم ، ثم أقبل على شأنه ، وتأله وتعبد ، ونطق بالحكمة ، وقل ما ورى كان كلامه بالنصوص مربوطا وبيانه بالأدلة مبسوطا ، فاق أشكاله بالبيان الشافي واعتناقه للمنهج الكافي ولزومه للعمل الوافي . 
قال عنه أبو عبد الرحمن السلمي: «هو من أئمة القوم وسادتهم؛ مقبول على جميع الألسنة»[1].
صحب جماعة من المشايخ، وأشتهر بصحبة خاله سري السقطي، والحارث المحاسبي. ودرس الفقه على أبي ثور، وكان يفتي في حلقته وهو ابن عشرين سنة. توفي يوم السبت سنة 297 هـ[1]



أساتذته
محمد بن إبراهيم البغدادي البزاز أبو حمزة ،بشر بن الحارث ،سري السقطي

أصحاب الجنيد 
أبو بكر الشبلي ،أبو محمد الجريري وأبن الأعرابي أبو العباس أحمد بن محمد بن زياد إسماعيل بن نجيد ،
علي بن بندار أبو الحسن الصيرفي ،عبد الله بن محمد الشعراني أبو محمد الرازي الأصل
أبو الحسين علي بن هند القرشي الفارسي، من كبار مشايخ الفرس وعلمائهم

سيرته :

هو إمامٌ ضُرب بعلمه وحاله وسلوكه أروع المثل، وقدّم من جوهر صوفيته وتحقُّقه أنصع البراهين وأقوى الحجج على أن التصوف يُمثِّل أعلى قِمّة في الإسلام، يظل لواؤها صفوة عباد الله.


"وكان قد سمع الحديث عن الكثير من الشيوخ، وشاهد الصالحين وأهل المعرفة، ورُزِق من الذكاء وصواب الجوابات في فنون العلم ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من قرنائه، ولا ممن أرفع سنّا منه، ممن كان ينسب منهم إلى العلم الباطن والعلم الظاهر، في عفاف وعزوف عن الدنيا وأبنائها". 
حصّل الجنيد العلم الضروري الذي لا يحصل إلا بالنقل وهو علم الفقه والحديث على أبي ثور، وكان يُفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة، ولم يكد يبلغ الثلاثين من عمره حتى رأى السري السقطي أنه أصبح مُؤهّلاً للجلوس والتدريس وإدارة حلقات العلم بالمساجد، غير أنه تحشّم ولم يجد نفسه أهلا لذلك، حتى رأى ليلة في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة، فقال له صلى الله عليه وسلم: تكلّم على الناس، فانتبه من نومه وأتى باب السري السقطي قبل أن يصبح...، فقال له السري: لم تُصدِّقنا حتى قيل لك...، وكان أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسما، فقعد الجنيد في غدٍ للناس بالجامع.
"وكانت مجالسه هي جامعة بغداد الكبرى، كان عُشّاق الأدب يحضرون مجالسه ليتزودوا بالمُضِيء من القول، والمُشرِق من البيان، ويحُف به الفقهاء ينشدون لديه القول الفصل والحكم المبين، ويحيط به الفلاسفة ليتفقهوا دقائق الحكمة وأسرار النفوس والأكوان، ويلوذ به المتكلمون ليأخذوا عنه طرائق البحث وفنون الحديث، ويتبعه رجال التصوف، فهو النبع الذي يتدفق رحيقه من عرش الإيمان".

وجلوس الجنيد -رحمه الله تعالى- في حلقة بالمسجد يفتي ويدرس ويناقش، مكنّه من إرساء قواعد العلم الصوفي كواحد من العلوم الإسلامية جنبا إلى جنب مع علم الفقه والحديث والتفسير وغيرها، وذاع صيته حتى أصبح المرجع الديني الأكبر للعامة والخاصة في بغداد وفي المشرق العربي على امتداده، في حقبة تاريخية عصيبة تمثلت في صراع الفقهاء مع علماء الكلام.

طائفة من أقوال ابن تيمية فى الإمام الجنيد : 
( قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوةً إلا بالله. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعلميا وتأديبا وتقويما ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا. فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالاً ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه)
( والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى )
( ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى )
( فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم ) . 

وقد أثنى عليه ابن القيم كثيرا في كتابه مدارج السالكين 

وقال عنه " ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه أبدا وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيديجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته ودخل عليه ابن عطاء وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة فقال اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبا القاسم الجنيد أنا وجماعة من أصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا فقال له بعض أصحابه ما هذا يا أبا القاسم فقال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد هذا.
وقت يؤخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ودخل عليه شاب وهو في مرضه الذي مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلي إليها فقال وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه وقال أبو محمد الجريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ القرآن فقلت له يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال يا أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ في ختمة أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيدفي النوم فقلت ما فعل الله بك فقال طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه فقال الجنيد العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن وقال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال علامته طاعة من آمنت به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول.- فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه ما أتبعه لسنة الرسول وما وما أقفاه 

رأى علماء عصره فيه 
لقد نال الجنيد مرتبة عالية، وإعجابا كبيرا، وثناء عجيبا من علماء الأمة ومؤرخيها، إذ اتفقوا "... على قبوله، والاعتداد بقوله، وعدُّوه وليّا من أولياء الله تعالى...". [9]

قال السبكي: سيد الطائفة ومقدم الجماعة وإمام أهل الخرقة وشيخ طريقة التصوف وعَلم الأولياء في زمانه.

قال إسماعيل بن نجيد فيما يرويه عنه صاحب تاريخ بغداد: "كان يقال: إن في الدنيا من هذه الطبقة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام". [10]

ويضيف البغدادي: "قال جعفر بن محمد الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير أبي القاسم الجنيد، وإلا فأكثرهم كان يكون لأحدهم علم كثير ولا يكون له حال، وآخر يكون له حال كثير وعلم يسير، وأبو القاسم الجنيد كانت له حال خطيرة، وعلم غزير، فإذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا رأيت علمه رجحته على حاله". [11]

وشهد له ابن الأثير بالإمامة، قال: "... وكان إمام الدنيا في زمانه...". [12]

وقال عنه ابن خلكان: "الزاهد المشهور...، وكان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مُدوّن...". [13]

وروى الجامي عن أبي عبد الله بن خفيف [14] قوله: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلِّموا أحوالهم: الحارث المحاسبي، والجنيد، ورويم، وابن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي، قدس الله أسرارهم، لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق". [15]

وقال الشيخ أبو جعفر الحداد: "لو كان العقل رجلا لكان الجنيد". [16]

ومن العلماء المتأخرين الذين أثنوا على الجنيد الإمام الشوكاني، قال:

ولكم مشى هذي الطريقة صاحب لمحمد فمشوا على أعقابـــــــه

فبها الغفاري قد أنــــــــاخ مطيـه ومشى بها القرني بسبق ركابه

وبها فضيـل والجنيد تجاذبــــــــــا كأس الهوى وتعللا برضابــــه [17]

قال عبد الواحد بن علوان : سمع الجنيد يقول : علمنا - يعني التصوف - مشبك بحديث رسول الله .

وعن أبي العباس بن سريج : أنه تكلم يوما فعجبوا ، فقال : ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد.

وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة : رأيت لكم شيخا ببغداد يقال له الجنيد ، ما رأت عيناي مثله ، كان الكتبة - يعني البلغاء - يحضرونه [ ص: 68 ] لألفاظه ، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه ، والمتكلمون لزمام علمه ، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم .

قال الخلدي : لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد . كانت له حال خطيرة ، وعلم غزير ، إذا رأيت حاله رجحته على علمه ، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله .

أبو سهل الصعلوكي : سمعت أبا محمد المرتعش يقول : قال الجنيد : كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين ، فتكلموا في الشكر ، فقال : يا غلام ، ما الشكر ؟ قلت : أن لا يعصى الله بنعمه ، فقال : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك . قال الجنيد : فلا أزال أبكي على قوله .

السلمي : حدثنا جدي ابن نجيد قال : كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل ، فيسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة .

وعنه قال : أعلى الكبر أن ترى نفسك ، وأدناه أن تخطر ببالك - يعني نفسك .

أبو جعفر الفرغاني : سمعت الجنيد يقول : أقل ما في الكلام سقوط هيبة الرب جل جلاله من القلب ، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان .

قيل : كان نقش خاتم الجنيد : إن كنت تأمله فلا تأمنه .

وعنه : من خالفت إشارته معاملته ، فهو مدع كذاب .

وفي رأي عبد الحليم محمود، كان الإمام الجنيد "متزنا كامل الاتزان، وكان متعبدا على علم، وكان عالما كأجمل وأعمق ما يكون العلم...، وكان الجنيد إماما لهم، ومرشدا، وأخذ بأيديهم إن قصروا، ومهدئا لهم إن زاد بهم الوله: لقد كان قائدا يفرح بالنابه من جنده، ويشد أزر من تعثر به الطريق، ويرد جماح الجامحين، والكل يدين له بالفضل ويعترف له بالتقدير". [18]

ووصفه الإمام ابن تيمية بأنه إمام من أئمة الهدى، قال: "... ولهذا كان الجنيد -رضي الله عنه- سيّد الطائفة إمام هدى...". [19]

أما فريد الدين العطار، فأثنى عليه بما هو أهله، في قوله: "وكان في جميع العلوم ماهرا، وفي الفنون كاملا، وفي الأصول والفروع مُفتياً، وفي المعاملات والرياضات والإشارات العالية سابقا على الأقران، ومن أول حاله إلى آخر حاله حميدا مقبولا. والكل متفق على أمانته وكماله، وكلامه حجة في علم الطريقة، وما استطاع أحد أن يعترض عليه بمخالفة السنة".[20]

لقد حظي الجنيد بمكانة متميزة بين السابق واللاحق، فأثنوا عليه الثناء الحسن، وأنزلوه المنزلة الرفيعة، أهَّله لذلك حُسْنُ سَمْتِهِ وأخلاقه ومنهجه السلوكي التربوي، القائم على مجاهدة النفس وترويضها، والالتزام بصالح الأخلاق والأعمال، انطلاقا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والتسليم، فاستحق بذلك لقب سيد الطائفة وتاج العارفين، رضوان الله عليهم أجمعين.

"وقلّما حظيت شخصية صوفية باهتمام المؤرخين بمثلما حظيت به شخصية الجنيد. كيف لا وهو الجامع بين الشريعة والحقيقة والواضع للمريدين أصول الطريقة، وهو أول من صاغ المعاني الصوفية تعبيرا، وشرحها تفسيرا، وحررها تحريرا".[21] 

من أقواله وحكمه :
يَقُوْلُ: مَا أَخَذْنَا التَّصَوُّفَ عَنِ القَالِ وَالقِيْلِ، بَلْ عَنِ الجُوْعِ، وَتَركِ الدُّنْيَا، وَقَطْعِ المَأْلُوفَاتِ.
وَمُرَادُهُ: قَطْعُ أَكْثَرِ المَأْلُوْفَاتِ، وَتَرْكُ فُضُوْلِ الدُّنْيَا، وَجُوْعٌ بِلاَ إِفرَاطٍ.

فالسَّعَادَةُ فِي مُتَابَعَةِ السُّنَنِ، فَزِنِ الأُمُورَ بِالعَدْلِ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَالزَمِ الوَرَعَ فِي القُوْتِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ، وَاصْمُتْ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَى الجُنَيْدِ، وَأَيْنَ مِثْلُ الجُنَيْدِ فِي عِلْمِهِ وَحَالِهِ؟

يقول : " من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ، ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن ، ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية " .

"الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول". وقال: " من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ".

"يا ابن آدم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفئ, وعذاب لا ينفد أبداً، ونفس لا تموت، يا ابنَ آدم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مم في يديكَ لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابا، إنك ما تزال بخير ما دمت واعظاً لنفسك محاسباً لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك".

من مواعظ الجنيد البغدادي يقول : "إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فان أحسنت نزله وقِراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن الموت ءاتٍ وقد مات قبلك من مات".

"اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شئ، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحِب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزِدك إعجابُ أهلها زهداً فيها وحذراً منها فإن الصالحين كانوا كذلك". "اعلم يا ابن آدم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فل تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلِص عملك، واذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنّ أنجى الناسِ من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء".

من كرامات الإمام الجنيد 

عن أبي عمرو بن علوان قال: خرجتُ يوما إلى سوق الرحبة فرأيتُ جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت حتى يُدفن الميت في جملة الناس، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فألححتُ بالنظر فاسترجعتُ واستغفرتُ الله تعالى، ثم عدتُ إلى منزلي فقالت لي عجوز: يا سيدي ما لي أرى وجهك أسود، فأخذتُ المرآة، فنظرتُ فإذا وجهي أسود، فرجعتُ إلى سري أنظرُ من أين دهيت؟ فذكرتُ النظرة فانفردتُ في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوما، فخطر في قلبي أن زُرْ شيخك الجنيد فانحدرتُ إلى بغداد فلما جئتُ الحجرةَ التي هو فيها طرقتُ البابَ فقال لي ادخل يا أبا عمرو تُذنب بالرحبة ونستغفرُ لك ببغداد.

عن كتاب "صفوة الصفوة" لابن الجوزي.

اشتهر عنه كرامات منها أن الشيخ كان يتكلم على الناس فوقف غلام نصراني متنكرًا وقال: أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى" رواه الترمذي، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال له: أسلِم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام. والناس معتقدون أن هذا للجنيد كرامة واحدة وإنما فيه كرامتان إحداهما اطلاعه على كفر الغلام، والثانية اطلاعه على أنه سيسلم في الحال.

مؤلفاته :
ومن مسانيد حديثه 

ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ بها قال : حدثني بكير بن أحمد الصوفي بمكة ، ثنا الجنيد أبو القاسم الصوفي ، ثنا الحسن بن عرفة ، ثنا محمد بن كثير الكوفي ، عن عمرو بن قيس الملائي ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احذروا [ ص: 282 ] فراسة المؤمن ؛ فإنه ينظر بنور الله " ، وقرأ : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ، قال : للمتفرسين " . 

حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد ، ثنا عبدان بن أحمد ، ثنا عبد الحميد بن بيان ، ثنا محمد بن كثير ، ثنا عمرو بن قيس ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . 

سمعت علي بن هارون بن محمد يقول : سمعت الجنيد بن محمد يدعو بهذا الدعاء فجاءه رجل فشكا إليه الضيق ، فعلمه وقال قل : اللهم إني أسألك منك ما هو لك ، وأستعيذك من كل أمر يسخطك ، اللهم إني أسألك من صفاء الصفاء صفاء أنال به منك شرف العطاء ، اللهم ولا تشغلني شغل من شغله عنك ما أراد منك إلا أن يكون لك ، اللهم اجعلني ممن يذكرك ذكر من لا يريد بذاكره منك إلا ما هو لك ، اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما أطلبه منك ، اللهم املأ قلبي بك فرحا ، ولساني بك ذكرا ، وجوارحي فيما يرضيك شغلا ، اللهم امح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك ، وكل حب إلا حبك ، وكل ود إلا ودك ، وكل إجلال إلا إجلالك ، وكل تعظيم إلا تعظيمك ، وكل رجاء إلا لك ، وكل خوف إلا خوفا منك ، وكل رغبة إلا إليك ، وكل رهبة إلا لك ، وكل سؤال إلا منك ، اللهم اجعلني ممن لك يعطي ، ولك يمنع ، وبك يستعين وإليك يلجأ ، وبك يتعزز ، ولك يصبر ، وبحكمك يرضى ، اللهم اجعلني ممن يقصد إليك قصد من لا رجوع له إلا إليك ، اللهم اجعل رضائي بحكمك فيما ابتليتني في كل وقت متصلا غير منفصل ، واجعل صبري لك على طاعتك صبر من ليس له عن الصبر صبر إلا القيام بالصبر ، واجعل تصبري عما يسخطك فيما نهيتني عنه تصبر من استغنى عن الصبر بقوة العصمة منك له ، اللهم واجعلني ممن يستعين بك استعانة من استغنى بقوتك عن جميع خلقك ، اللهم واجعلني ممن يلجأ لجأ من لا ملجأ له إلا إليك ، واجعلني ممن يتعزى بعزائك ويصبر لقضائك أبدا ما أبقيتني ، اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال فاجعل سؤالي لك سؤال محابك ، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ ، بل يسأل القيام بواجب حقك .


صدر كتاب "رسائل الجنيد ((اول عمل يجمع كلا رسائل الامام الجنيد واقواله الماثورة))" عن دار اقرا، بتحقيق الدكتور جمال رجب سيدبي وتصدير الدكتور عاطف العراقي، الطبعة الأولى، 2005.[2]
قال المحقق الدكتور جمال رجب سيدبي في مقدمة الكتاب بعد حديثه عن أسباب عدم نشر وتحقيق رساتل الجنيد "لمثل هذين السببين اللذين اشرت اليهما آنفا ما دفعني إلى محاولة تحقيق المخطوطات، والبحث عن النسخ للمقابلة، واصبح مجمل هذه المخطوطات بعد التحقيق حوالي ستة عشر مخطوطا، ولم اكتف بهذا وحسب، بل اضفت إلى هذا العمل كل ما تركه الامام من رسائل واقوال متناثرة من مصادر التصوف الاصلية والقريبة العهد نسبيا بحياة الإمامالجنيد"
وصل بذلك عدد رسائل الجنيد إلى واحد وثلاثين رسالة وهي[2]:
1. كتاب القصد إلى الله.2. كتاب السر في انفاس الصوفية.3. كتاب دواء الارواح.4. كتاب دواء التفريط.5. كتاب ادب المفتقر إلى الله.6. الفرق بين الاخلاص والصدق.7. كتاب الفناء.8. كتاب الميثاق.9. في الالوهية.10. كتاب الجنيد إلى عمرو بن عثمان المكي تعالى.11. نسخة من كتابالجنيد إلى ابي يعقوب يوسف بن الحسين الرازي رحمة الله عليهما.12. رسالة ابي القاسمالجنيد إلى يوسف بن يحيى رحمة الله عليهما.13. رسالة ابي القاسم الجنيد بن محمد إلى يحيى بن معاذ رحمة الله عليهما.14. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.15. رسالة ابي القاسم الجنيد إلى بعض اخوانه.16. رسالة إلى بعض اخوانه.17. رسالة إلى جعفر الخالدي.18. رسالة في المعرفة.
19. رسالة الجنيد إلى ابي اسحاق المرستاني.20. رسالة إلى بعض اخوانه.21. رسالة إلى بعض اخوانه.
22. رسالة إلى بعض اخوانه.23. النظر الصحيح إلى الدنيا.24. رأي الجنيد في الذكر الخفي.
25. كتابه إلى ابي العباس الدينوري.26. عقبات الوصال.27. رسالة في الايمان.28. صفة العاقل.
29. رسالة في التوحيد.30. رسالة الجنيد إلى ابي بكر الكسائي.31. رسالة الجنيد إلى علي بن سهل الأصبهاني

وفاتـه:
وقال أبو محمد الجريري: "كنت واقفاً على رأس الجنيد وقت وفاته -وكان يوم جمعة- وهو يقرأ، فقلت: "أرفق بنفسك!" فقال: "ما رأيت أحداً أحوج إليه مني في هذا الوقت، هو ذا تطوى صحيفتي". وقال أبو بكر العطار: حضرت الجنيد عند الموت، في جماعة من أصحابنا، فكان قاعداً يصلي ويثني رجله، فثقل عليه حركتها، فمد رجليه وقد تورمتا، فرآه بعض أصحابه فقال: "ما هذا يا أبا القاسم!"، قال: "هذه نعم!. الله أكبر". فلما فرغ من صلاته قال له أبو محمد الجريري: "لو اضطجعت!"، قال: "يا أبا محمد! هذا وقت يؤخذ منه. الله أكبر". فلم يزل ذلك حاله حتى مات". وقال ابن عطاء: "دخلت عليه، وهو في النزع، فسلمت عليه، فلم يرد، ثم رد بعد ساعة، وقال: "اعذرني! فإني كنت في وردي"، ثم حول وجهه إلي القبلة ومات".
وغسله أبو محمد الجريري، وصلى عليه ولده، ودفن بالشونيزيه، بتربة مقبرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد، عند خاله سري السقطي. وصلى عليه جمع كثير من الناس قدر عددهم بالآلاف.
توفي رضي الله عنه سنة 297 هـ ومقامه في الجانب الغربي من مدينة بغداد مزار ظاهر على رؤوس الأشهاد.

خاتمة :
سرت بناس في الغيوب قلوبهم ****وجالوا بقرب الماجد المتفضل
ونالوا من الجبار عطفا ورأفة ***** وفضلا وإحسانا وبرا يعجل
أولئك نحو العرش هامت قلوبهم*** وفي ملكوت العز تأوي وتنزل

بعد شهادات كل هؤلاء العلماء والحفاظ وشيوخ الإسلام مازال بعض الصغار من أدعياء العلم والمتطفلين على موائد العلماء يهاجمون الأئمة والأولياء مازال البعض يتهجم ويجرح الخيرة من علماء الأمة يهاجمهم لأنه يختلف معهم فى الفهم والرأى أخاف أن يصدق في هؤلاء قولُ الذّهبي في المـوقظة :
وهو مقامٌ خَطِر ، إذ القادِحُ في مُحِقَّ الصُّوفية ، داخلٌ في حديث من عادَى لي وَلِيّاً فقد بارَزَني بالمُحارَبة .
لو رجم النجم جميع الورى * لم يصل الرجم إلى النجم
البعض من صغار العلماء يقدس ذاته ويعبد رأيه وينسب العصمة لذاته ويكفر من يخالف فهمه لأنه يظن أنه يحتكر الحقيقة ويملك صكوك الإيمان يوزعها كيف يشاء .. وهو لو وضع على ميزان العلماء لا يساوى شئ لا وزن له

المصادر :
[1]- ترجمته في:
- تاريخ بغداد أو مدينة السلام، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463ھ)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، د.ط، د.ت، 7/242.

- صفة الصفوة، جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (510-597ھ)، حققه وعلق عليه: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: محمد رواس قلعه جي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1399ھ/1979م، 2 /416- 424.

- سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت748ھ)، أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط11، 1422ھ/2001م، 14/66-70.

- مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكي (ت768ھ)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1390ھ/1970م، 2/231-233.
[2]- مجدي إبراهيم: التصوف السني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي، تصدير: عاطف العراقي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط2، 1427ھ/2006م،ص: 378.
[3]- حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الشافعي (ت430ھ)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1427ھ/2007م، 10/274.
[4]- أبو الحسن السري بن المغلس السقطي (ت251ھ): خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، إمام البغداديين وشيخهم في وقته. ترجمته في: حلية الأولياء، 10/119-132.
[5]- إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أبو ثور (ت240ھ): فقيه، كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا. ترجمته في: الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط17، 2007م،1/37.
]- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (608-681ھ)، حقق أصوله وكتب هوامشه: يوسف علي طويل، ومريم قاسم طويل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1419ھ/1998م، 1/347.

[8]- من أعلام التصوف الإسلامي، طه عبد الباقي سرور، مكتبة نهضة مصر ومطبعتها، مصر، د.ط، د.ت، 2/123.

[9]- الجنيد بن محمد وآراؤه العقدية والصوفية، عرض ومناقشة، نوال بنت عبد السلام بن إدريس فلاتة، (رسالة ماجستير)، إشراف: لطف الله بن ملا خوجه، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم العقيدة، المملكة العربية السعودية، 1429ھ، ص: 14.
**الكامل في التاريخ، ابن الأثير (ت630ھ)، تحقيق: خيري سعيد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، مصر، د.ط، د.ت، 6/456.
**الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، محمد علي الشوكاني (1173-1250ھ)، تحقيق وتخريج: محمد صبحي حسن الحلاق، دار الهجرة، صنعاء، ط1، 1411ھ/1990م، ص: 26.
**مجموعة الفتاوى، أحمد بن تيمية (ت728ھ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط، د.ط، د.ت، 5/297.
**تذكرة الأولياء، فريد الدين العطار (ت627ھ)، ترجمة: محمد الأصيلي الوسطاني الشافعي، تحقيق: محمد أديب الجادر، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط1، 1430ھ/2009م، ص: 429.