Disqus for ومضات إيمانية

الثلاثاء، 31 يوليو 2012

الصيام عن الفضول

صيام عن الفضول




الصيام عن الفضول
{إذا رأيت المرء لا يكف عن الفضول
فاعلم أنه لا أمل له في الوصول}

فما هو الفضول؟ يريد أن يعرف كل شيء مثلاً أحد جيرانه خرج يريد أن يعرف لماذا خرج وسبب خروجه؟ ولو طلب أحد جيرانه رؤية أحد يريد أن يعرف لماذا طلبه وفي أي شيء سيكلمه؟ إذا لم يستطع الإنسان أن يقطع هذا الفضول فلا أمل له في الوصول ذو النون المصري جاءه رجل من جدَّة بالسعودية وقال له: يا سيدي سمعت أنك تعرف اسم الله الأعظم فجئت إليك طامعاً أن تعلمني اسم الله الأعظم فقال له: امكث عندنا فمكث احدي عشر عاماً والشيخ يراقبه لعله يقطع فضوله ووجد أن الفضول لا يقطع من عنده ولا يستطيع أن يبيح له بشيء من سرِّه ما دام الفضول كامن في نفسه والصالحون لا يبيحوا للمريدين شيئاً من علوم رب العالمين إلا إذا كان أعمي لا ينظر إلي أحد ولا تقع عينه إلا علي نور الواحد الأحد أصماً لا يسمع إلي الناس ولا تنتبه أذنه إلا إلي سماع كلام رب الناس أو سيد الناس أخرساً فلا يبدأ بالكلام إلا إذا كان ذكر للملك العلام فجاء الرجل بعد الإحدى عشر عاماً وقال: يا سيدي قد طالت مدتي وأريد أن أرجع إلي أهلي فعلمني اسم الله الأعظم فقال: تريد أن تعلم اسم الله الأعظم؟ قال: نعم، قال: غداً إن شاء الله وفي الغد جهَّز له صندوقاً وقال له: خذ هذا الصندوق وأوصله إلي أخي فلان بالروضة – وذي النون كان يسكن في الجيزة – حمل الرجل الصندوق ومشي علي كوبري الجيزة وإذا به يسمع خرخشة في الصندوق - ومعه الفضول - فقالت له نفسه: أتحمل الصندوق ولا تدري ما الذي فيه؟ هذا لا يصح والمريد دائماً يستمع إلي خواطر النفس ويسارع في تنفيذها ومع ذلك يطمع أن يفوز بمراد الله وهذا عجب العجاب "وخالف النفس والشيطان واعصهما" فأين مخالفة النفس؟ فكشف غطاء الصندوق وإذا بالشيخ كان قد وضع فيه فأراً فقفزت الفأرة في النيل ولم يستطع إرجاعها فرجع الرجل إلي الشيخ وهو كاسف البال حزين والشيخ عرفه عندما رآه قال: أوصلت الأمانة؟ فسكت قال يا أخي تريد أن تعرف اسم الله الأعظم وأنت لم تؤتمن علي فأرة؟ إذا كنت لم تؤتمن علي فأرة فكيف تؤتمن علي اسم الله الأعظم؟
هذب النفس إن رمت الوصول
غير هذا عندنا علم الفضول
والذي معه الفضول لن يسمح له بالوصول فعندما أراد الله أن يواجه إبراهيم وابنه إسماعيل بجمال الله وكمال الله وفضل الله أرسلهما إلي مكان ليس فيه شيء من مشاغل هذه الحياة ليتفرغا بالكلية إلي فضل الله وعطاء الله {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} لماذا؟ {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} كيف يقيم القلب الصلة بالله وهو مشغول بالشهوات والحظوظ والأهواء في هذه الحياة؟ هذا لا يكون وَحِّد حتى تنل المقصد فلا بد من الصيام عن الفضول والفضول يلخصه لنا الحبيب فيقول {مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المرْءِ تَرْكُهُ ما لا يعْنِيهِ} ما دام هذا الشيء لا يعنيني لماذا أشغل نفسي به؟ أشغل نفسي بما ينفعني أو بما يرفعني بما ينفعني في الدنيا أو بما يرفعني عند الله أما الذي يدفعني عن الله وعن طريق الله وهو شغلي بخلق الله – ماذا عمل فلان؟ وماذا سوَّى فلان؟وماذا كسب فلان؟ ماذا لى ولهذا الأمر إذا كنت مُعيَّناً في الجهاز المركزي للمحاسبات فمارس وظيفتك لكن لماذا أنت تعيِّن نفسك؟ عيِّن نفسك في الجهاز المركزي للمحاسبات علي نفسك حاسبها على هفواتها وعلى صغائرها وعلى خطراتها وعلى وارداتها وعلى أفعالها حتى تنال رضاء الله وهذا ما قال فيه الحبيب {طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ}[2] إذاً لمن يريد الفتح لا بد من الصيام عن اللغو ومعه الصيام عن الفضول لمن أراد الوصول إذا صام الإنسان عن لغو الكلام واختاره الله واجتباه ليكون من أهل الفتح وجَّهه نحو قلبه ووجَّه قلبه إليه وأعانه على الصيام الموصل وهو الصيام عن السهو لا يسهو لحظة عن مولاه إن كان في نوم أو في يقظة أو في أكل أو في شرب أو في نكاح أو في عمل {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} هذا لا يسهو وإن سها الساهون ولا يغفل وإن غفل الغافلون وإنما هو المقصود بقول رب العالمين {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} ومعناها الظاهر نحن نعرفه لكن معناها الحقيقي لأهل الحقيقة قياماً بحقوق العبودية لله وقعوداً عن رؤية النفس وفعلها وعلى جنوبهم ماتت نفوسهم وفنيت في الله فاحتيوا بالله وأصبح الذاكر على لسانهم هو الله إذاً هناك الصيام عن اللهو ثم الصيام عن اللغو ثم الصيام عن السهو وهذه هي الروشتة لمن أراد الفتح
وإن خطرت لي في سـواك إرادة
علي خاطري نَفَساً قضيت بردتي
هذا الصيام وهو صيام أهل الفتح حدده الله {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (لعلَّ) في القرآن بمعني اللام أي لتتقون أي لتصلوا إلي مقام من مقامات التقوى تصل إلى مقام الإحسان أو مقام الإيقان أو مقام المعية أو مقام العندية أو مقام اللدنية أو مقعد صدق عند مليك مقتدر أو تصوم الصيام الذي يقول فيه الحبيب{صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ}[3] صوموا من أجل رؤيته عز وجل والفطر هنا لا يكون إلا بعد رؤيته عز وجل فإن غم عليكم أي لم تصلوا إلى هذه الحقيقة فأكملوا عدة شعبان أي شَعِّبوا الجهاد وأكملوا العدة ثلاثين يوماً شَعِّب أنواع الجهاد وكَثِّر أنواع الجهاد حتى تنال المراد وهذا الذي يقول فيه الله في نص الحديث القدسي{ كلُّ عملِ ابن آدمَ له، إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجْزي به}[4] يعني: بأنا رؤية جمالي وكمالي هي جزاء الصائمين[5] {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}وهذا الصائم له فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه لأن فطره لا يكون إلا بعد لقاء ربه وهو ما تشير إليه الآية ويفقهها أهل العناية فلم يقل الله (فمن حضر منكم الشهر فليصمه) وإنما قال {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}{وَمَن كَانَ مَرِيضاً } لعدم استطاعته جهاد نفسه{ أَوْ عَلَى سَفَرٍ} ما زال يجاهد للوصول إلي ربه وهو مسافر إلى ربه لكنه لم يصل في سفره إلى{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى}{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يجاهد فيها نفسه ويصفي فيها قلبه ليفوز بما يبغيه من العطاء والنوال من ربه {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي يصومونه ولكن النفس تغالبهم وتنازعهم فـ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} من وجد أنه غير قادر علي جهاد نفسه فليفتح لنفسه أبواب الصدقات والعطاءات للفقراء والمساكين إطعام مسكين فإن زاد فهو خير له لأنه أسرع ما يوصل الإنسان إلي رضا الرحمن الإنفاق وكان النبي أجود بالخير في رمضان من الريح المرسلة حتى قيل فيه:
تعود بسط الكف حتى لو أنه
طواها لقبض لم تطعه أنامله
كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر وهذا أمر الصالحين من أعطى البعض أخذ البعض ومن أعطى الكل أخذ الكل ومقامك عند الله على قدر عطائك للفقراء من خلق الله حتى فرض الله على أهل الفتح ليفوزوا بالمناجاة أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة فقال {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ} والمناجاة هنا أي المصافاة في وقت الخلوة والسر {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وكان الذي يحافظ على هذا الأمر أهل الفتح فكان الإمام علي لا يذهب لمناجاة النبي إلا إذا قدم الصدقة ويقول قال الله: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لكن الذي معه لا بد أن يقدم {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} ثم بعد ذلك لا ترى نفسك أنك أنفقت كثيراً {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} من التقصير في الإنفاق ومن عدم بلوغ المراد في الإنفاق {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإياك أن تقل أنا عملت وأنفقت فإنك لن تبلغ ما بلغ الأولون ولا بعض ما بلغه الموفقون من الآخرين لأن الله تولاهم بولايته وجعلهم بعنايته في كل وقت وحين {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ونزه الله عن الزمان والمكان واحضر بروحك بين يدي الرحمن لتفقه سر الكلام من المتكلم به فإن القرآن لم ينـزل كله في رمضان
هيكـل المختـار ليـل جامع
كل أنواع الملائك والعبــاد
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}ولذلك قال الله للنبي وقال لنا أجمعين في شأن حبيبه{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} {وَإِذا} للقـِلَّة يعنى قليلاً ما يحدث هذا {سَأَلَكَ} لم يقل (وإذا سألني) أو (وإذا سأل) ولكن قال{وَإِذَا سَأَلَكَ } فلا بد أن يكون السؤال له صلى الله عليه وسلم {وَإِذَا سَأَلَكَ } مَنْ؟ من سألك؟ {عِبَادِي}عمَن سألوك؟{عَنِّي}فالذين يسألون عن الجنة كثير والذين يسألون عن التشريعات كثير{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ}{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ} {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ} كل هذه تشريعات يسأل عنها الكثيرون لكن الذي يسأل عن الله قلَّة قليلة هم المصطفون من خلق الله {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } قريب أين؟ عنده صلى الله عليه وسلم لأن الله قال لحبيبه { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} بمعاني التواب ومعاني الرحمة متجلِّياً فيها علي حضرة الرسول { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} صلى الله عليه وسلم { إِذَا دَعَانِ} قَرَّب الله لنا المسافة ويسَّر لنا الأمر وأعلمنا أن الدعوة المستجابة فوراً من الله هي دعوة حبيب الله ومصطفاه فمن أراد طلباً محقَّقاً ودعاء ورجاءاً يقع لا محالة فعليه أن يتوجه إلي رسول الله ويسأله ليسأل له مولاه فإنه إذا سأله{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فإن الله وعده أن يعطيه في كل سؤال حتى يرضى { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
[1] مسند الإمام أحمد عن حسين بن عليّ[2] أخرجه الديلمي في الفردوس والعسكري في الأمثال عن أنس[3] صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [4] صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله [5] كتاب شرح مختصر الزبيدى في حديث الصوم وكفى به حجة وبيان
منقول من كتاب [الصيام شريعة وحقيقة]
للتحميل أو المطالعة مجانا أضغط :

الصيام الفضول







الأربعاء، 25 يوليو 2012

مراتب ودرجات الصائمين



مراتب الصائمين
المرتبة الأولي: صوم العوام
وصوم العوام عن مقتضيات شهوة الجنس والشراب والطعام لا يعرفون غير ذلك بل ربما يمنون علي الله بذلك ويروا أنهم فعلوا فعلاً يستوجب من الله كذا وكذا من المطالب التي يطلبونها من حضرة الله مع أن صومهم على التحقيق ربما يكون داخلاً في قول رسوله { رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ }[1]
المرتبة الثانية: صوم العلماء
وهم الذين صاموا بالجوارح والجوارح سبعة وإذا انضم إليهم القلب صاروا ثمانية العين والأذن واللسان واليد والرجل والفرج والبطن والقلب وهؤلاء القوم صائمون طوال العام وإن أفطروا في غير رمضان وهؤلاء يقول فيهم النبي{ إِذَا جَاءَ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ }]2] فكما تُفَتَّح أبواب الجنان العالية تُفَتَّح أبواب الجنان في الإنسان وهي الجوارح إذا اشتغلت بطاعة الله ومتابعة حبيب الله ومصطفاه فالعين إذا اشتغلت بالنظر في كتاب الله وفي ملكوت الله وفي ملك الله كانت باباً إلى الجنة والأذن إذا استمعت إلى علم العلماء وكلام الحكماء وآيات الله العصماء كانت باباً إلى الجنة واللسان إذا اشتغل بذكر الله أو بتلاوة كتاب الله أو النصيحة لعباد الله أو الصلح بين المتخاصمين من خلق الله صار باباً إلي الجنة واليد إذا امتدت إلي الفقراء والمساكين أو دفعت الظلم عن المظلومين كانت باباً إلي الجنة والرجل إذا حملت الإنسان إلي بيت الله أو إلي صلة رحم أو إلي مكان يسعي فيه لعيادة مريض أو لتشييع جنازة مؤمن كانت باباً إلي الجنة وكذلك بقية الجوارح إذا ملك القلب هذه الجوارح وتصرف فيها صارت الجوارح السبعة ومعها القلب ثمانية ففُتحت أبواب الجنة في الإنسان فيكون الإنسان صائماً صيام الجوارح وهذا صيام العلماء فلو حتى أفطر الإنسان في غير رمضان بشهوة الطعام والشراب والجماع فإنه أفطر بجارحتين وصام إلي الله بست فكان صائماً طول العام وإن كان في نظر غيره مفطراً لأنه نفَّذ سُنة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
المرتبة الثالثة: صيام العارفين
العارفون هم الذين عرفوا حقائق نفوسهم وأقبلوا علي الله يسعون لرضاه ويتجهون للعمل الذي يحبه ويرضاه وصيامهم بعمارة أنفاسهم كلها في طاعة الله يحرصون علي ألا يُضيعوا نَفَساً إلا في طاعة الله ولذلك أساس الوصول إلى هذا المقام العمل بحديث المصطفي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام{ مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المرْءِ تَرْكُهُ ما لا يعْنِيهِ }[3] ليس عندهم وقت للمقت فيشغلون أنفسهم بالخلق وأخبارهم وأسرارهم وأحوالهم لأن هذه أمور تجعل السالك في طريق الله يُحجب بالكلية عن النور ولكنهم مشغولون بإنفاق الوقت في طاعة الله إن كان في اليقظة أو في النوم ولذلك تجدهم في اليقظة في ذكر الله أو في طاعة لله أو في متابعة لحبيبه ومصطفاه أو في عمل صالح يحبه الله ويرضاه فإذا نامت جوارحهم وأجسامهم قامت قلوبهم وأرواحهم إلي عالم الملكوت تقتطف لهم أزهار الحكمة من العوالم النورانية والعوارف من الملائكة المقربين ويقومون من النوم وقد استفادوا حكماً ربانية وعلوماً إلهية حصَّلوها وهم في المنام فهم في اليقظة يقضون الأنفاس في طاعة الله وإذا ناموا ساحت قلوبهم وأرواحهم في رضاه لأنهم لم يشغلوا الوقت إلا بما يحبه الله ويرضاه.
المرتبة الرابعة: صيام المقربين
قلنا أن صوم العارفين هو شغل الأنفاس بطاعة الله أما المقربين فشغل أنفاسهم بالحضور مع الله جل في علاه فهناك فرق بين من يشغل النَفَس في طاعة الله وبين من يشغل النَفَس في حالة الحضور مع حضرة الله فهو في مقام المكاشفة التي يجعله فيها الله سر قوله{فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } وفيهم يقول أحد الصالحين :
والعارف الفرد محبوب لخالقه
فات المقامات تحقيقاً وتيقيناً
في كل نَفَسٍ له نور يواجهه
من حضرة الحق ترويحاً وتيقيناً

في كل نَفَس له نور وله مواجهات وله مشاهدات وله مؤانسات في عالم الأنوار لأن صيامه ألا يضيع نَفَس منه إلا في مواصلة حبيبه وهؤلاء يقول قائلهم:
وإن خطرت لي في سواك إرادة
علي خاطري نَفَسَاً قضيت بردتي

والردة هنا أي الرجوع إلي الخلف في مقامات السلوك لأن كل أوقاته في حضور مع المذكور شُغِلوا بالمعروف عن المعرفة وشُغِلوا بالمعلوم عن العلم وشُغلوا بالله عما سواه فلا أُنس لهم ولا حضور لهم ولا همَّ لهم إلا بمواجهة الله جل في علاه {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
المرتبة الخامسة: صيام المحبوبين
وهو ألا ينشغلوا ظاهراً أو باطناً نَفَساً عن رب العالمين :
وما صام إلا عن سوي ما يحبه
كذلك عبد الذات في القرب طامع

لا يخطر غير الله نَفَساً علي قلوبهم وإذا خطر غيره نَفَساً علي قلوبهم فقد أفطروا ويعلمون أنهم أفطروا لأنهم خرجوا عن سور الحدود التي حددها لهم المعبود صيامهم أن يكون الله على بالهم في كل أوقاتهم تقول في ذلك السيدة رابعة العدوية رضي الله عنها:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للخليل مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

ويقول أحدهم في هذا المقام:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وحبك مقرون بأنفاسي
ولا جلست إلى قوم أحدثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا نظرت إلى الماء من ظمأ
إلا رأيت خيالاً منك في الكأس

فالله شغله بالكلية عما سواه شغل أهل الجفا بدنيا دنية وشغل أهل الوفا بذات علية وهذا صيام المحبوبين الذين قال فيهم الله {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وفوق ذلك صيام الوارثين وصيام الصديقين وغيره من أنواع الصيام التي يترقي فيها الصالحون صياماً بعد صيام لا يستطيع الإنسان وصفها أو الحديث عن شأنها وإنما تُدار راحها لأهلها إذا وصلوا إلي كنهها.
[1] ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
[2] صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [3] مسند الإمام أحمد عن حسين بن عليّ رضي الله عنهما
منقول من كتاب [الصيام شريعة وحقيقة]


للتحميل أو المطالعة مجانا أضغط :

الأربعاء، 4 يوليو 2012

الشريعة الإسلامية مطبقة فعلا فى مصر







أكد الشيخ محمد الحسن ولد الددو 
أن الدولة الدينية غير موجودة في الإسلام وأنها
 "مجرد خرافة" 
لأنها قائمة على ادعاء العصمة لمن لا عصمة له.
وقال الشيخ الددو في لقاء مفتوح مع المشاركين
في مؤتمر منظمة "فور شباب" الرابع في القاهرة :
"لا يوجد أحد من أهل الإسلام قال بوجود الدولة الدينية
باستثناء الفرقة الإمامية من الشيعة،
 وهي مرتبطة عندهم بعصمة الأئمة
وبنسخ أقوالهم للكتاب والسنة".

وأضاف الشيخ الموريتاني: 
"النموذج المناسب للرؤية الإسلامية هو الدولة المدنية التي ترى إلى الوحي باعتباره نظامًا يوكل تطبيقه إلى البشر، وإن طبيعة البشر تقتضي أن يصيبوا ويخطئوا".
وأردف الشيخ الددو: "قصارى ما يمكن المطالبة به في النظام السياسي الإسلامي هو
 تطبيق شورى لا يمارس فيها إكراه على أحد،
والكتاب والسنة لم ينصا على تطبيق محدد للشورى،
وإنما اختلفت الطريقة التي طبقها بها رسول الله
 صلى الله عليه وسلم،
وطريقة اختيار أبي بكر رضي الله عنه للخلافة،
ثم بعد اختيار الخلفاء من بعد أبي بكر رضي الله".

وفي رده على سؤال حول تطبيق الشريعة الإسلامية قال الشيخ ولد الددو:
 "الدولة التي تتمثل قوله تعالى "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" تعتبر مطبقة لشرع الله،
 وإن نظام العقوبات في الإسلام الذي تنصرف إليه أذهان الناس عند الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية هو جزء يسير من النظام الإسلامي وإن الحالات التي طبق فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الحدود محصورة لا تصل إلى العشرة، وكذا عصر الخلفاء الراشدين".
واختتم الشيخ الددو بقوله: "تطبيق الإسلام في الدولة،
 بما يحمله من عدالة وتوزيع عادل للثروات
 ودعم لجهود العلماء والمصلحين
ستقل الجرائم التي تستدعي حدودًا"

  

السبت، 30 يونيو 2012

الهدى الإسلامى فى الزواج




المثلث الإسلامي: التيسير و الْمِثْلُ و الوسطية
النهج الإسلامي بصفة عامة يقول فيه الحبيب المحبوب والذي هو أشفق بنا من أنفسنا وأرعى لحقوق أبنائنا وأخوف عليهم منا عليهم قال رسولُ الله{خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقاً}[1] ويقول أيضا {مِنْ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا تَيْسِيرُ مَهْرَهَا وَأَنْ تُبَكْرَ بِالإنَاثِ }[2] وقد دعا الله إلى اليسر ودعا النبي إلى اليسر وقَنَّنَ الفقهاء هذا اليسر بأن يكون الأمر على حسب الوسطية الإسلامية {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} والوسطية هي ألا يكون هناك إفراط ولا تفريط بمعنى ألا يكون هناك زيادة عن الحد ولا مبالغة في النفقات في نفس الوقت لا يكون هناك إخلال أو تقصير بحيث أننا نبخس القوم حقهم لماذا أقول هذا الكلام؟لأن بعض إخواننا من بعض الجماعات الإسلامية المتشددة أفرطوا وهذا التفريط في الفترة السابقة وقالوا: إن الرسول لم يتزوج بغرفة سفرة ولا غرفة نوم ولا غرفة صالون ولا كان عنده ثلاجة ولا غسالة ولا بوتاجاز فتسألهم إذاً ماذا نفعل؟ يقولون لك : نعمل مثل ما كانوا يعملون في الزمن الأول نتزوج على حصيرة ومرتبة وبدلاً من الدولاب حبل نعلقه في الركن ونضع عليه الملابس وبدل البوتاجاز نستخدم الوابور الجاز ونمشى على كده وهم لم يكتفوا بقول ذلك بل وأرادوا تنفيذ ذلك على المجتمع كله وللأسف رأوا أن الذي يخالفهم خارج عن الدين طبعاً هذا إفراط زيادة عن اللزوم طبعاً الإسلام ليس هكذا الإسلام دين الوسطية والوسطية كما ما تحدثنا لا إفراط ولا تفريط يعنى لا مغالاة في الحقوق ولا ترك لها النهج الإسلامي هو نهج المثل طبعاً هذا الكلام في كل حاجة ودعونا نأخذ الأمور واحدة واحدة ولنبدأ من البداية من رأس الإتفاقات [المهر] على الأسس التي ذكرنا قال الفقهاء أن العروس يكون لها مهر المثل، المثل ماذا؟ يعني مثل من في طبقتها الاجتماعية ومؤهلاتها التربوية وفي الحياة العامة حسب نهج الوسطية طيب والشبكة ما هي علاقتها بالمهر ؟أصبحت الشبكة في زماننا تعتبر هي الشيء الوحيد الذي يقدم 
كمهر للعروس لماذا ؟ لأن المهر في النهج الإسلامي هو ما يدفعه العريس ... يدفعه للعروس نفسها لها هي وليس للبيت ولا للجهاز ثم بعد ذلك عليه أن يجهِّز بيته بما يليق إذاً المهر ليس له دخل بالجهاز وهذا هو المتبع في الدول العربية يدفع العريس مهره، ثم يجهِّز بيته على حسب الوسطية والوسط الذي يوجدون فيه ولكننا هنا في مصر فقد راعى الأئمة والفقهاء ظروف الناس وقالوا: مادامت الحياة الاقتصادية فيها قلة وفيها عوز والتكاليف مرتفعة إذاً لا يوجد مانع من إن المهر الذي هو حق العروسة الشخصي أصلا إنها هيَّ تجهِّز به ما يستلزمه منزل الأسرة على أن تكون هذه الأشياء لها ملكها لأنها تعتبر مدفوعة من مالها من مهرها في هذه الحالة وطالما أن الزوجة هنا ستساعد بمهرها في الجهاز ماذا نفعل؟نكتب لها ما يسمى بـ"القائمة" لأن هذه الأشياء التي جهزناها في المنزل من مهرها هي حاجتها لأن المهر لها ويخصها ولأن المفروض تجهيز الأثاث والفرش واجب على من ؟على العريس فما دامت هي التي جهزت يصبح هذا الجهاز ملك من؟ يكون ملكها فضماناً للحقوق نعمل ""القائمة""، وتكون هذه "القائمة" شرعية لأنها هي الحفظ لهذه الحقوق ولو طبعاً الذهب الذي في الشبكة يبقى من ضمن الهدية ويكتب أيضا في القائمة ضماناً للحقوق ولذلك يمكن كثير من الخلافات تأتى عندما يعقدوا القران لأن المفروض أن يكون المهر خالصا عند القران أي تمَّ دفعه إذاً يكون المفروض مع عقد القران أن يكتبوا معه القائمة لأنهم بيكتبوا إن المهر قد استلمته العروس ؟ أين هذا المهر؟ وهو سيدخل في الجهاز ؟إذاً تكتب القائمة مع عقد القران لأنها هي التي تثبت تسلم العروس للمهر أو على الأقل تثبت حقها في هذا المهر الذي سيدخل في الجهاز ولم يصل ليدها عملياً من المهر غير الشبكة 

[1] صحيح ابن حبان والطبراني عن ابنِ عبَّاس
[2] رواه الديلمي عن عائشة مرفوعاً









الاثنين، 25 يونيو 2012

أسباب تأخر زواج الصالحات




النهج الإسلامي في الزواج
إن الإنسان إذا نظر إلى هذا الدين القويم يجد فيه عجباً فهو يلبي كل ما يحتاج إليه الإنسان ولما كان الإنسان روح وجسم وقلب وعقل ونفس وفؤاد فإن هذا الدين جعل لكل حقيقة في الإنسان غذاؤها وشفاؤها من كتاب الله ومن سنة حبيب الله ومصطفاه فالأمر كما قال الله عن كلامه الكريم وعن دينه القويم
{لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}
ولما أراد الله بقاء نوع الإنسان جعل جاذبية إلهية في الإنسان في الرجل نحو المرأة وفي المرأة نحو الرجل وأراد الله للإنسان بلوغ الكمال فنظم هذه الغريزة وجعل لها منهاجاً واضحاً وطريقاً بيناً وسبيلاً واضحاً في كتاب الله وفي سنة رسول الله فجعل الحصول على هذه الغريزة من طريق حلال وهو الزواج وحرم الحصول عليها من طريق معوج وهو الطريق الذي لا يرضاه دين ولا يكون على شرع قويم ولذلك قال الله 
{وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً }
طريق سيئ لأنه طريق معوج بعيد عن كتاب الله فجعل الله الزواج على الهدى القرآني وعلى السنن النبوي فيه كل ما تحتاج إليه حقائق الإنسان وعمارة هذه الأكوان وقد امتلأت الكتب والمصنفات وامتلأت الأسماع بما تحدث به المتحدثون من العلماء الأقدمين والمحدثين بالشروط والأسس التي عليها يختار المسلم زوجته و التي عليها توافق الفتاة المسلمة على الشاب المتقدم لها ونحن لن ندخل في هذه التفصيلات فهي أكثر من معلومة ومشهورة للجميع ولكننا نبدأ بموضوع في هذا الباب يشغل أذهان الكثيرات منكن أيتها الأمهات ومنكن أيتها الفتيات المسلمات المؤمنات القانتات ألا وهو :
لماذا يتأخر زواج الصالحات؟
فإنه قد وصلني الكثير من الأسئلة من الأمهات والآباء والأخوة والأخوات يقولون فيها:إن ابنتي أو أختي فتاة صالحة وتقية ولا عيب فيها فلماذا لا يتقدم إليها الشباب؟ في حين أننا نرى أن غير الملتزمة بأحكام الله والتي قد تلوث نفسها أو تلبس القصير من الملابس أو المثير منها والتي تكشف شعرها وتكلم هذا وذاك وتقصد بهذا الكلام أن الله يسهل لها في الزواج وتتزوج بسرعة حتى وصل الأمر ببعض الأمهات وهذا ما نجده كثيراً قد يحدث عندما تجد أن ابنتها ملتزمة فتأمرها بكشف شعرها وتنصحها بأن تظهر جزءاً من رجليها لكي يراها الناس ويشاهدوا جمالها ولازم تمشي أمورك ثم تفعلي ما تريدين بعد الزواج بمعنى أن الأم نفسها قد تدعوها لعدم الالتزام من أجل الزواج وأحيانا تفرض ذلك عليها وتقول لها : بعد ما نسلمك لزوجك وتروحي بيتك عندها إفعلى ما تشائين ما الحكمة يا إخواني في هذا الموضوع؟ أحد الحكماء قال في هذا الأمر وأشباهه وأمثاله "من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم" فإذا نظرت للناس نظرة شرعية فقط ستخاصم جميع الخلق لأنهم غير ملتزمين من وجهة نظرك ولو جاهدت نفسك قليلاً ونظرت تجد أن الحياة قد دفعت الكثير لتجاوزات لا نبررها ولكنا نقول كما قال النبي اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون ومن ضمنها عزوف الشباب عن الصالحات وهن من يقول فيهن النبي{الْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ فِي النسَاءِ كَالْغُرَابِ الأَعْصَمِ فِي الْغِرْبَانِ فَإِنَّ النَّارَ خُلِقَتْ لِلْسُّفَهَاءِ وَإِنَّ النسَاءِ أَسْفَهُ السُّفَهَاءُ إِلاَّ صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالسرَاجِ}[1] يعني الأبيض وسط مائة غراب يعني كل مائة امرأة تجد منهن امرأة صالحة فكيف أن الصالحة ليس عليها طلب والأخرى الغير ملتزمة يتنافس عليها الشباب؟ربنا سنَّ لنا قانوناً في قرآنه الحكيم قانوناً نافذاً لا يتبدل ولا يتغير{الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}فالفتاة الطيبة لا بد أن يأتي لها ربنا بشاب طيب وكم عددهم فيما حولنا ؟قال الله{ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}وقال في الوجهة الأخرى {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} إذاً فالخبيث كثير ونضرب مثلاً لتوضيح هذه الحقيقة : رجل فلاح وكان ساكن في منطقة الدقي وكانت مازالت الأرض الزراعية التي تغذي القاهرة باللبن ومنتجاته وذلك في الثلاثينات من القرن الماضي اشتكى هذا الرجل لأحد الصالحين أن زوجته تخرج في الصباح باللبن لتبيعه ولا ترجع إلا آخر النهار مع أن جيرانها ومن حولها يخرجون باللبن ويرجعون خلال نصف ساعة فقط وقال للرجل الصالح إنني أشك في سلوكها بسبب تأخرها خارج المنزل وكانوا يعرضون على الشيخ المربى كل صغيرة وكبيرة في حياتهم لكي يأخذوا الإجابة الشافية، كما أمرت بذلك السنه ( ولا ندم من استشار – الحديث )، فقال له الشيخ : أتريد أن تعرف السبب؟ قال: نعم قال: غداً إن شاء الله وبعد أن تحلب اللبن ضع قليلاً من الماء على اللبن بدون أن تعرف زوجتك فوضع على اللبن ماء وخرجت زوجته لبيع اللبن كعادتها ولكنها رجعت بعد نصف ساعة فقط فاستعجب الرجل وذهب للشيخ وهو مذهول فقال له الشيخ: تريد أن تعرف السر؟ قال: نعم قال: يا بني إن زرعك حلال ولبن مواشيك حلال وأنت تريد مقابل ذلك قرشاً حلالاً والقرش الحلال عزيز فزوجتك منذ خروجها من المنزل تبحث وتبحث إلى أن يقدر الله لها قرشاً حلالاً فتأخذه وتعطيه اللبن لكن الآخرين يخلطون اللبن بالماء وزرعهم به حرام ومواشيهم تأكل الحرام والمال الحرام كثير فعندما يخرجون لبيع اللبن يبيعونه بسرعة فعرّفنا أن الحلال عزيز،وهذا ما قاله رجل من الصالحين الأولين وهو الشيخ أبو سليمان الدارني وكان من الصالحين قال "شيئان عزيزان ولا يزيدان أبد الدهر إلا عزاً هما :درهم حلال وأخ صادق تسكن إليه" وهي أشياء عزيزة في كل زمان ومكان وعملة نادرة مثل الذهب {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ} لكن {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} وهن اقل في المقام {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} أيضاً أقل في المقام ممن قبلهن {وَاضْرِبُوهُنَّ} وهن الأقل مقاما ولذلك فالفتاة الصالحة يلزمها أن تصبر إلى أن يبعث الله إليها رجلاً صالحاً ولما نقرأ القرآن نجد هذا الكلام بنت سيدنا شعيب وهو نبي ومن الأغنياء والوجهاء والأثرياء لكن لم يخطبها أحد من قومها إلى أن بعث الله لها رجل من مصر رغم طول السفر فقطع صحراء سيناء كلها إلى أن ذهب إلى مدين وهي الأردن الآن؟ وهذه الفتاة بلغت الذروة وقد أعطانا الله مؤشراتها الإيمانية والفطانة والذكاء وقد بلغت الغاية في الاثنين قالت{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} فقال لها أبوها: من أين عرفت أنه قوي أمين؟لأنه تقرير وكان يناقش معها التقرير مع أنها ليست معها دكتوراه أو خلافه ولكنها تفوق من معها دكتوراه في الفكر فقالت: عندما ذهبنا لسقي الغنم كان القوم قد فرغوا من سقي أغنامهم وغطوا البئر والحجر التي غطوا بها البئر لا يستطيع أن يرفعه إلا ثلاثون رجلاً مجتمعين فلما وجدنا غير قادرين على رفع الغطاء رفعه وحده فعرفت أنه قوي قال: والأمين؟ قالت: سرت أمامه لأدله على البيت فرفعت الريح ثوبي فأوقفني ثم مشى أمامي وقال: امشي خلفي وأشيري لي بحصاة يميناً أو يساراً فعرفت أنه أمين ومع تلك الخصال الحميدة فيها لم يتقدم لها الخطاب من قومها لكن لم يتركها ربنا إلى أن جاء لها بمن يناسبها وإن كان أتى من مصر وذلك لكي يعرفنا ربنا أن {الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} ولكن الموضوع يحتاج إلى الصبر – وهذا الرجل الذي جاء إليها من مصر لن يتزوجها على الفور لأن فترة الخطوبة ستستمر عشرة سنين إلى أن يدفع المهر وكان المهر أجر رعية للغنم لمدة عشر سنين فقد قال له شعيب: إن مهر ابنتي أن تعمل في رعي الغنم عندي ثمان سنين أو عشر كما تحب أن تختار فالمفروض كشاب أن يختار الثمان سنين ولكنه قال:لا وقد سئل رسول الله:أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأوفاهما وأبرهما لأن الأنبياء يأخذون بالعزائم وكان مهرها عشر سنين مع أنه كان يعيش معهم في بيت واحد وهذا صبر أعظم وأكرم فكل ما قلناه لكي نعرف ونتيقن أنه أمر الله ولذلك ورد في الأثر {كل فرج مكتوب عليه ناكحه إلى يوم القيامة}ولم يقل كل زوجة مكتوب عليها ناكحها لأنه من الجائز أن نعقد العقد ويشترون الجهاز وليلة الدخلة يتم انفصال ولا تكون زوجته ألا يحدث ذلك كثيراً؟ لكن متى تكون زوجته بالفعل؟ بعد أن يتم الدخول فإذا عرفت المؤمنة هذا الأمر فعليها أن تسلم لله وتجعل اعتمادها وأمرها على من لا تخفى عليه خافية {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} طبعاً سنقول أن وسائل الإعلام والدش وخلافه هي التي تؤثر في الشباب فكلها أسباب ولكننا وضحنا الحقيقة التي يريدها العزيز الوهاب والحقيقة هي أن الله يريد الطيبون للطيبات والطيبون قليل وكذلك الطيبات قليل إذاً الرجل الصالح الذي يريد أن يتزوج لا بد أن يتعب ويبحث إلى أن يجد الزوجة الصالحة التي تناسبه والفتاة الصالحة أيضاً يجب عليها أن تصبر إلى أن يأتيها الله بالرجل الصالح الطيب المناسب لها وبعض الناس يقولون: لماذا فلانة؟ أو لماذا فلان؟ لا شأن لنا بذلك لأنه لو قلنا لماذا؟ فقد ورد في الأثر ولأنها أرزاق أيضاً {إذا أبغض الله عبداً رزقه من حرام فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه} وذلك لكي يطغى ولا يرجع إلى الله لكن الرجل الصالح الذي يحبه الله لو اكتسب قرش واحد حرام يفكِّره الله ويذكره إما بمرض أو بهم أو مشكلة لماذا؟ لأن الله يريده طاهراً وجاهز لله بخلاف الآخر لا يأبه به الله وبذلك يكون من عرف الحقيقة أراح واستراح 
[1] ابن عساكر عن أَبي شجرةَ رضَي اللَّهُ عنهُ
منقول من كتاب 




الجمعة، 15 يونيو 2012

أين الله ؟



حكمة المعراج
ما أعظم حكم الإسراء والمعراج وما أكثر مننها على المؤمنين ولكني أذكركم وأذكر نفسي معكم بمنَّة واحدة إذا وعيناها وفقهناها نلنا بها رضوان الله في الدنيا والآخرة فقد كان منحكمة هذه الرحلة العظمى إظهار كمال توحيد الله وإنه جل وعلا ليس في زمان ولا مكان وفوق الطاقة والإمكان لا يظهره الحدثان الليل والنهار ولا تلحظه العينان ولا يخطر ببال أي إنسان شئ ولو قليل من صفات ذاته أو قريب من كمالات نعوته وأسمائه وصفاته لأنه حير الأفكار ونوع الأقدار وأقام الأقطار كلها تشهد في صنعتها على بديع صنع الواحد القهار فقد كان السابقون لنبينا من الأمم غير الأنبياء والمرسلين فهم معصومون ينسبون لذات الله مكاناً يظهر فيه وزماناً يتجلى بقدرته فيه فأخذ الله الحبيب وذهب به إلى كل عوالم الأكوان بل كل عوالم أنشأها مكون الأكوان حتى وصل إلى حيث لا زمان ولا مكان فالزمان والمكان هنا يحيزهم ويظهرهم تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر أما في عوالم الملكوت العليا فلا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار بل فلك دوار بأمر الواحد القهار لا يعلم قراره حتى سكانه من الملائكة الأبرار والكل يُسلم أمره للواحد القهار ليس عندهم سَنَة ولا يوم ولا شهر لأن الذي يحدد ذلك الليل والنهار والشمس والقمر فجاب النبي عوالم السماء عالماً بعد عالم حتى وصل إلى سدرة المنتهى وهي التي ينتهي عندها علم الخلائق أجمعين من الجن والإنس والملائكة المقربين وأهل عالين وأهل عليين فكل أصناف الخلائق
ينتهي علمها عند سدرة المنتهى ولا يعلمون ما ورائها من العوالم ولا من خلفها من عوالم الطهر والبهاء والضياء والجمال والكمال لأن هذا أمر مخصوص بسيدنا ومولانا رسول الله فأوقف الله الرسل في السموات كل رسول وقف حيث انتهى علمه الذي علمه له الله وأعلاهم قدراً سيدنا إبراهيم خليل الله وكان يقف مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ورائه ملائكة كل سماء حيث مكانتهم في الطهر والضياء بحسب ما علّمهم آدم كما أنبأ الله من الأسماء وأعلاهم قدراً جبريل الأمين وقد وقف عند سدرة المنتهى وقال إلى هنا انتهى مقامي قال: يا أخي يا جبريل أها هنا يترك الخليل خليله؟ قال: يا محمد أنا لو تقدمت قدر أُنملة (مثل طرف الأصبع) احترقت وأنت لو تقدمت لاخترقت فعلم أن حدود علمه عند هذا المكان والذي قال له الله 
{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} 
اخترق وتجاوز إلى قاب قوسين أو أدنى ليعلمنا الله
ويعلم رسل الله وأنبياء الله وملائكة الله أن هذا النبي الكريم أعلاهم علماً وأفضلهم مقاماً وأرفعهم تكريماً ودرجة عند الله لكن ليس معنى ذلك أن هناك وجه لله فالله كما قال لنا أجمعين{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} 
ولذلك تفضل علينا وعليه بالصلاة حتى نعلم علم اليقين أن القرب بيننا وبين حضرة الله ليس قرب زمان ولا تلاشي مسافات ولا إذهاب حدود ولا اتجاه إلى جهات وإنما القرب بينك وبين الله أن تدني قلبك في مناجاتك لحضرة الله وتغلق أمام أذن قلبك ما توسوس به نفسك مما رأيته أو شهدته أو سمعته من أقوال في حالة المناجاة تجد الله معك وتجد الله في قلبك وتجد الله أقرب إليك من كل شئ لك أو في نفسك أو من حولك أقرب إليك من زوجك التي بجوارك ومن أولادك الذين معك بل من نفسك التي بين جنبيك لأنه أقرب إلى كل شئ من نفس الشئ {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ}
أين الله؟ في قلب كل عبد مؤمن بالله
ليس في السموات وإن خلقها وكورها وأبدعها وصنعها وليس في الأرض وإن كانت لا تخلو ذرة من عوالم الأرض من وجود قدرته ومن بصمة حكمته ومن إبداع صنعته لكن الله في قلوب المؤمنين قال سيدنا موسى وهو يكلم مولاه: يا ربَّ أين أجدك؟قال: تجدني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي في قلوب المؤمنين وفي إيقان الموقنين وفي إسلام المسلمين فعندما يعلم المرء منّا أن عين الله ترعاه وأذن الله تسمع حديثه ونجواه والله مطلع على كل ظاهره وخفاياه {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} يكون في هذا الحال وليس في هذا الوقت يكون في هذا الحال مع الله بلا زمان ولا مكان ولا حيطة ولا إمكان {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ( فإذا اتجه إلى أي جهة وقال يا رب سمع نداه ولباه وقال: لبيك عبدي لك ما تريد مني {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} إن كان في البحر أو في البر أو في الجبل أو في مكان محصور أو حتى في بطن الحوت فقد سُئل رجل من الصالحين عن أقرب ما يكون العبد من ربه قال: أما سمعتم قول رسولكم {أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ}[1] وهو في حالة السجود وقد نسى كل ما أحاط به من شوارد الأفكار ومن نوازع النفس والأهواء واشتغل بكله بالله في حالة الصفاء إن يونس عندما ابتلعه الحوت وكان في بطنه والحوت في قاع البحار والمحيطات ناجى الله فماذا قال لحضرة الله؟كأنه في قاب قوسين أو أدنى وهو في حال المناجاة لأنه يقول{ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}ما الدليل على ذلك؟ ردَّ الله عليه حيث قال{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} استجاب له وهو في بطن الحوت ليعلمنا أنه ليس بينك وبينه مسافات ولا يفصله عنك حدود ولا حواجز ولا جهات وإنما الذي بينك وبين الله هو الذنوب والعيوب التي تُغطي على صفحة القلب فإذا أزلت الذنوب بالتوبة النصوح
وأزلت العيوب بكثرة الذكر لله كشف الله حجاب قلبك فكنت من أهل الحضرة العلية فتناجي الله وتسمع تلبية الله لندائك وأنت في المناجاة أو وأنت في الصلاة ولذا في ذلك يقول النبي { إن العبد إذا أذنب ذنباً كان نكتة سوداء على قلبه فإذا توالت الذنوب فذاك الران ( يعني الغطاء أو الستار) ثم تلي قول الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}[2] إذاً من أين الحجاب؟ من العيوب والذنوب يا أحباب وذلك كما أنبأ الله في الكتاب فإذا محوت الذنوب بالتوبة والندم والاستغفار وأزلت العيوب بكثرة الذكر لله في الليل وفي النهار ورفعت الحجب والأستار كلما قلت يا رب، لباك وفي هذا يقول سيدي جعفر الصادق { كلما احتجت إلى شئ قلت يا ربَّ عبدك جعفر يحتاج إلى كذا فما استتم كلامي إلا وأجد هذا الشئ بجواري}وقال الإمام على عندما سألوه كيف حالك مع الله؟قال{إذا دعوت أجابني وإذا طلبت أعطاني وإذا سكتُّ افتتحني بالكلام} فكانت حكمة الصلاة لنعلم أن الله معنا فالصلاة تليفون محمول لا تدفع له الرسوم وليس له وقت معلوم تخاطب به في أي زمان ومكان الحي القيوم وتجده أقرب إليك من كل شئ، نجدة إلهية لمن يستغيث بها في كل بلية قال قوم يا رسول الله { أربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه ؟ }[3] فنزل في الحال قرآن إلهي من الواحد المتعال {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }كان فضل الله علينا بالإسراء عظيماً فإن من قبلنا قد ضلوا الطريق فجعلوا حائطاً للبكاء لمن أراد أن تمحى ذنوبه ولا تمحى إلا إذا ذهب إلى هذا الحائط وبكى الدموع والآخرين جعلوا التوبة مربوطة بقلب رجل يذهبون إليه ويجلسون بين يديه ويعترفون له دون الله بذنوبهم وفي يده محو ذنوبهم أو عدم قبول توبتهم لكن الله تجلى لنا فلم يجعل بيننا وبينه مكان ولا زمان ولا حاجز ولا حائط وإنما الله معنا حيثما توجهنا وهو في قبلتنا حينما صلينا ويسمع نداءنا إذا نادينا على أي حال كنا وفي أي زمان كنا أخبرنا سبحانه بأنه لا يحتاج إلى واسطة بيننا وبينه إلا أن نزيل الجفا الذي على القلوب ونمحو الستائر التي تحجب القلوب عن حضرات علام الغيوب ثم بعد ذلك لا يزال الله منك على بال تذكره أينما توجهت ولا يزال لسانك رطباً بذكره فتكون في أي مكان وفي أي زمان وأنت على أي لون وعلى أي شكل وعلى أي حال فقير أم غني لا يهم المهم هو تقوى الله هي التي تقربك من الله ما الذي يجعلك قريباً من الله؟
أن تعمر قلبك بالإيمان وتقوى الله لا تحتاج بعد ذلك إلى أحد فلو ملكت التقوى وأنت ها هنا والله معك حيثما تحدثت ويلبيك فيما أردت وإذا كان معك مال وذهبت إلى الحرم الشريف وطفت حوله بدل المرة سبعين لكن قلبك مشغول بالدنيا عن الله وعن الدين فهل يكرمك الله كما يكرم عباده المتقين؟ لا. لأنه قال {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}وانظر إلى عظمة النبي الكريم إذ يروى سيدنا رَبِيعَةَ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ قال { كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذٰلِكَ؟، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ }[4] فدله على الطريق الصحيح صلوات الله وسلامه عليه فإذا أنت سهوت أو نسيت أو غفلت أو شغلت بالدنيا عنه عز وجل فارجع إليه وتب إليه وهو {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }

[1] عن ابن مسعود رواه أبو يعلى في صحيح ابن حيان.
[2] عن أبي هريرة رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
[3] منازل السالكين بين إياك نهبد و إياك نستعين، محموع فتاوى ابن تيمية
[4] صحيح مسلم
منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
[B]الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_رجب%20والإسراء%20والم عراج&id=10&cat=3]الخطب الإلهامية_مناسبات_ج3_رجب والإسراء والمعراج



الأحد، 10 يونيو 2012

الصلاة علاج لأمراض العصر




الصلاة علاج لأمراض العصر
ونحن في ذكرى الإسراء والمعراج مازال معنا قبس من الإسراء والمعراج نعيش على هديه ونقتبس من ضوئه في اليوم خمس مرات حتى نلقى الله ونحن نعاهده على تمسكنا بما أمر به حبيبنا في ليلة الإسراء والمعراج فقد كلفه الله في تلك الليلة بفريضة الصلاة ولم ينزل بها جبريل ولم يكتف الله بفرضيتها في القرآن الكريم بل استدعاه وحباه وقربّه وأدناه ليعلمنا أن هذا أمر خاص ويحرص عليه الله ومن ثم هناك من فوق سدرة المنتهى فرض عليه الصلاة قال
{ فَأَوْحَى الله إِلَيَّ مَا أَوْحَى فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ. فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذلِكَ فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسا قَالَ:إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ. فَذلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً. وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئا. فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً قَالَ:فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ:ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ}[1] رسولكم الكريم لم يرض بصلاة واحدة في اليوم والليلة وجعلها خمس صلوات لماذا؟ لأنه بنور الله الذي أعطاه له الله عَلِم أن الصلاة هي علاج كل مشاكلنا في هذه الحياة وخاصة في هذا الزمن الذي نحن فيه حيث اتجه الناس إلى المادة والدنيا وكادوا يعبدونها من دون الله فيصبح الرجل وكل همه ومنتهى علمه أن يحصّل المال بأي كيفية من حرام أو من حلال لا يهم من غشٍ أو من نهب وسرقة أو رشوة لا يهم المهم أن يحصّل المال ليمتّع نفسه في زعمه وبنيه بما جدّ من المستحدثات ومع ذلك ومع كثرة المال ومع وفرة الخيرات كثر في عصرنا التوتر النفسي والقلق العصبي وأمراض العصر الضغط والسكر وأمراض القلب وكلها ليست من ميكروبات ولا من جراثيم وإنما من توترات نفسية وأحوال عصبية يتعرض لها المرء نتيجة للضغوط التي تواجهه في حياته الكونية ما علاجها؟ العلاج الناجح والعلاج الشافي وليس المُسّكن فكل ما نتناوله من الصيدليات وكل ما يكتبه لنا الأطباء عن هذه الأمراض مسكنات لا تعالج المرض من جذوره ولا تقتلعه من ذات الشخص ولكن العلاج الناجح الشافي الكافي هو في هذه الصلاة التي فرضها الله واسمعوا معي إلى قول الله وهو يتحدث عن عصرنا في قرآنه الكريم وعن أمراض هذا العصر فيعرضها عرضاً عظيماً لأنه هو الرب العظيم فيقول [إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ] أمراض العصر الهلع خوف الفقر وخوف الضيق وخوف فقد المال وخوف فقد المتع وخوف فقد المشتهيات والملذات يخاف ألا يطعمها ولا يتذوقها بأمر الطبيب وخوف الأمن كل ذلك اسمه الهلع إذا مسَّه ولم يقل أصابه مسٌّ خفيف من الشر أو الضر تجد الإنسان يصيبه الفزع ويصيبه الجزع وأحياناً يصيبه اليأس والقنوط ولا يقنط من رحمة ربه إلا القوم الضالون ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وإذا جاءه الخير ينفق بسخاء على نفسه وينفق ببذخ على أهل بيته فإذا طلب منه مساعدة لفقير أو مسكين أو لبائس أو محتاج يمسك يده عن الإنفاق ويدعي الفقر والحاجة كأحد الأثرياء العرب الذي تناقلت أخباره وكالات الأنباء والذي تبرع بمليار دولار لتشجير حديقة الحيوانات في لندن لكي ينال رضاء رئيس وزرائها فلما ذهبوا إليه ليتبرع لأهل البوسنة أثناء الحرب قال: سأدعو لهم الله ورفض أن يعطيهم ديناراً واحداً هذا الأمر لا يعتري المصلين ولا يصيب المحافظين على الصلاة وقد أثبت العلم الحديث بأحدث أجهزته وآلاته أنه لا يعالج القلق النفسي ولا التوتر العصبي إلا الوقوف بين يدي الله بالسكينة والوقار فإن ذلك ينزل السكينة على القلب والطمأنينة على الأعضاء فتستريح من هذا التوتر وهذا القلق وقد روى سفير ألمانيا في المغرب سابقاً الذي أسلم وكان اسمه الفريد هوفمان فسمى نفسه مراد وكان يعمل رئيساً لجهاز الاستعلامات في حلف الأطلنطي قبل أن يعمل سفيراً لبلاده في المغرب قال جاءتنا التعليمات بأن نجعل الطيارين يقومون بحركات كحركات الصلاة للمسلمين في كل يوم مرة وقالوا إن ذلك يكسبهم السكينة النفسية والطمأنينة فلا يملّون ولا يقلقون إذا طاروا إلى مسافات طويلة يا عجباً أهل الكفر يستخدمون حركات الصلاة لعلاج أمراض النفس وأهل الصلاة يتكاسلون عنها بل وينقطعون أحياناً عنها بل ولا يحافظون عليها مع أنها هي العلاج النافع ولا علاج غيره لهذه الأمراض التي ذكرناها هي تغنيك عن جلسات الطب النفسي وتغنيك عن البراشيم المهدئة بكافة أنواعها مع أنكم تعلمون مدى شدة الأضرار اللاحقة لاستخدامها وتغنيك عن المصحات النفسية وما أدراك ما تكاليف دخولها كل ذلك يُغنيك عنه الله إذا حافظت على الصلاة في مواقيتها وفي بيت الله قد يقول البعض نحن نؤدي الصلاة ونحافظ عليها ولا نشعر بما نقول أقول أنها فشت في عصرنا ظاهرة وهي الصلاة في داخل المنازل فإن الصلاة فرضها الله لتؤُدّى في بيوت الله وسط عباد الله المؤمنين لأن المرء إذا صلى بمفرده يحاسبه الله على قدر حضوره في الصلاة فقد قال 
{أَنَّ الرَّجُل لَيُصلِّي الصَّلاةَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهَا إِلا عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمْنُهَا أَوْ سُبْعُهَا أَوْ سُدْسُهَا ولا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها}[2]. فإذا كنت جالساً أمام التليفزيون أشاهد المباراة وفي وقت الراحة تقدمت بالمصلاة لأصلي العصر بين الشوطين كيف تكون هذه الصلاة؟ إنها روتين يؤديه المرء بين يدي الله لا يحقق سكينة ولا يحقق طمأنينة وخاصة إذا كان مَنْ حوله يتحدثون ويسمعهم جيداً وبعد انتهاء الصلاة يعلق على حديثهم ويحادثهم كما سمع لهم وهو في الصلاة ليست هذه صلاة وإنما حركات تؤدى بين يدي الله لكن الصلاة في بيت الله فيها السكينة وفيها الطمأنينة وفيها الصفاء وفيها الطهارة وفيها النقاء لأنه لا يشغلنا بشئ في بيت الله عن الله حتى أن الإسلام منع الزينة التي تشغل المؤمن عن الصلاة إذا كان هناك بالمسجد زينة لو نظر إليها المصلي شغلته يطالبنا الإسلام أن نُزيلها ونمحوها حتى لا يكون هناك شئ يشغله عن الصلة بالله فإذا قال الله أكبر ورفع يديه جعل الدنيا خلف ظهره وأقبل بكله على ربه يناجيه بكلامه ويتملّق إليه بإنعامه فيقبل عليه الله بعطائه وفضله وإكرامه هذا فضلاً عن أن الجماعة إذا وصلت أربعين رجلاً كما ورد في الأثر {لا تخلو من رجل صالح يتقبل الله صلاته ويقبل صلاة الجميع من أجله }الصلاة في جماعة صلاة مقبولة إن شاء الله لأن الجماعة لا تخلو من قلب طاهر يُقبل عليه الله فيقبل صلاته ويقبل صلاة الجميع من أجله ولذلك قال النبي{وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُـيُوتَهُمْ }[3] لأنهم منعوا أنفسهم من هذا الخير ومن هذا البر الذي أراده الله لهم وعن البراءِ بنِ عازَبٍ: { أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتومٍ ـ وكانَ ضريرَ البَصَرِ ـ أتى النبيَّ فَشَكا إِليهِ وآلهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ في صَلاةِ العِشَاءِ والفَجْرِ وقال: إِنَّ بينِي وبينَكَ المَسِيلُ فقالَ النبيُّ: هَلْ تَسْمَعُ الآذانَ؟ قالَ: نَعَمْ مرةً أَو مرتينِ فلَمْ يرخِّصْ لَهُ في ذَلِك}[4] وعلى هذا لا يوجد في زماننا من له عذر يبيح له أن يصلي في بيته إلا المريض الذي منعه الطبيب من الحركة أو الإنسان الذي له عذر للخروج في صلاة الفجر عذر قاهر يقرره الأطباء والشرع أما المؤمن فلابد أن يتوضأ ويصلي فقد قال النبي ما معناه {وما يدريك لعلني لا أبلغه} ونحن يكون المرء في عمله وهناك مصلى في عمله ويؤجل الصلاة حتى يرجع إلى منزله من الذي ضمن له الرجوع؟ ومن الذي يضمن له أن يصلي الظهر حاضراً؟ فإذا خرج متأخراً وتلهف على الطعام وأذّن العصر يصلي قضاءاً ولا يندم على ما فاته من أداء الفريضة في وقتها وهذا عمل شنيع شنّع عليه أصحاب رسول الله لقد كان الرجل منهم الذي تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام يصاب بألم شديد في جسمه ووجع في كل أرجاء بدنه ويمرض ويعودونه لمدة ثلاثة أيام لما فاته من الخير في أداء تكبيرة الإحرام واللحوق بالجماعة من أولها والذي كانت تفوته الجماعة الأولى كان يمرض أسبوعاً يعودونه ليخففون عنه فما بالكم بالذين يصلون الفرض بعد انتهاء وقته؟ في شأنهم قال تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} أي الذين يتساهلون في أداء الصلاة في وقتها هؤلاء لهم نصيب من الويل في الدنيا من الأمراض ومن الهموم ومن الغموم ومن المشاكل التي تحدث لهم ويعجزون عن حلها ولا رافع ولا دافع لهم إلا الله فيحق لنا جماعة المسلمين أن نحيي هذه الليالي بأفراح متصلة أفراح للصلاة فليلة الإسراء والمعراج هي فرح نزول الصلاة هي فرح حدوث بركة الصلاة هي فرح أكرمنا الله فيه بالشفاء من كل أمراض العصر بالصلاة فحافظوا عليها لقوله النبي {مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلاَةِ كَانَتْ لَهُ نُوراً وَبُرْهَاناً وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلاَ بُرْهَانٌ وَلاَ نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَي بْنِ خَلَفٍ}[5] وورد في الأثر { إذا رأيتم يهود الأمة فلا تسلموا عليهم قالوا: ومن هم يهود الأمة؟ قيل: المرجئة! الذين يمرون على المساجد ويستمعون إلى الآذان ولا يؤدّون الصلاة} وقال الحبيب {الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ }[6] إن الصلاة هي التحصين الواقي لأولادنا وبناتنا من ارتكاب المعاصي في هذه الحياة لقول الله{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}ولذلك قيل{يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فلاناً يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فإذا أَصْبَحَ سَرَقَ قال: سينهاهُ ما يقُولُ –يقصد الصلاة-}[7] فاحرص ما تحرصون عليه إذا أردتم الاطمئنان على أولادكم وبناتكم أن تراقبوهم في أداء الصلاة وأن تجعلوا كل همِّكم هو ملاحظتهم ومتابعتهم في أداء الصلاة لماذا؟ قد كان دعاء الأنبياء الكرام عليهم السلام الذي يضرعون فيه إلى الله كما قال سيدنا إبراهيم الخليل {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} طلب من الله أن يوفقه لإقامة الصلاة هو وذريته لأنها هي الحفظ الإلهي فإن المرء إذا صلى لله يصيبه تحصين روحاني وقسط نوراني ينزل على قلبه لا تراه العيون ولا تصل إليه العقول ولا الظنون إذا وقع في ورطة وأراد به قرناء السوء شراً يجد معه قول الله {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } فيهيأ الله له بالإلهام الروحاني وبنوره الرباني ما يدفعه عن هذه المعصية فضلاً عن أن الصلاة هي حبل الصلة بينك وبين الله لقوله لموسى {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} فإذا حافظت على إقامتها لا تحتاج إلى شئ وتقف بين يدي مولاك إلا ويلبيك في الحال فهناك صلاة الحاجة لا يصليها فرد بصدق لله إلا ولبَّى الله حاجته وهناك صلاة الاستخارة لا يحتار الإنسان في أمر من أمور الدنيا فيصليها إلا ويشرح الله صدره لما فيه خيره وبره وهناك صلاة الفزع وقد قالت السيدة عائشة عن رسول الله
 { كان إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ(يعني أهمَّه أمرٌ) فزع إلى الصلاة }[8] فيفرج الله عنه في الحال وقد كان سيدنا أبو الدرداء يخرج من المدينة إلى الشام تاجراً بغير حارس أو رفيق وبينما هو مسافر ذات مرة استأجر دابة يركبها حتى إذا قطع شوطاً في الطريق أخذه صاحب الدابة إلى وادٍ بين جبلين فوجد فيه رؤوساً كثيرة مقطعة قال: هل رأيت هؤلاء؟ قال: نعم قال: إن مصيرك كمصيرهم قال: يا هذا خذ مالي ودعني قال: أما مالك فلابد منه وأما مصيرك فإلى الهلاك قال: إذا لم يكن من ذلك بد فدعني أصلي ركعتين لله فانفرد يصلي لله وهو في الصلاة واقف بين يدي الله سمع قائلاً يقول: دعه يا عدو الله، فواصل الصلاة وهو في ركوعه سمع الصوت ثانية يقول: دعه يا عدو الله وهو في سجوده سمع الصوت ثالثة يقول: دعه يا عدو الله وعندما أنهى الصلاة وجد رجلاً وبيده سيفاً يقطر دماً والرجل الذي معه قد قطعت عنقه فقال: من أنت؟ ومن أدراك بي؟ ومن الذي أرسلك إلي؟ فقال: أنا ملك من السماء الرابعة عندما استغثت بالله وأنت في الصلاة قال الله من يغيث عبدي فلان في أرض كذا؟ فقلت أنا يا ربَّ فعندما كنت في السماء الرابعة هم بقتلك فقلت: دعه يا عدو الله وعندما وصلت إلى السماء الأولى هم بقتلك ثانية فقلت: دعه يا عدو الله وأنا على باب هذا الوادي هم بقتلك ثالثة فقلت: دعه يا عدو الله ثم قتلته فالصلاة صلة بالله ومن كان الله معه ويتصل مباشرة به ويلبيه الله بكل حوائجه في دنياه وأخراه كيف يمد يده إلى غير الله؟وكيف يصغِّر وجهه للوقوف على أبواب خلق الله؟ أو يذل نفسه لهم؟ وهو أغناه وأعزه عن جميع من سواه؟ فتمسكوا عباد الله بالصلاة وأوصوا بها بناتكم وأبنائكم وأزواجكم واجعلوها كل همكم يبارك الله لكم في كل أحوالكم .
[1] صحيح مسلم وغيرها الكثير عن أنس
[2] صحيح ابن حبان وسنن البيهقى الكبرى عن عبدالله بن عنمة .
[3] صحيح البخارى عن أبى هريرة
[4] رواه الطبراني في الأوسط
[5] رواه الطبراني عن أبي الدرداء وعن حنظلة في الكاتب في مسند الإمام أحمد.
[6] رواه أحمد والترمذي عن عبدلله بن بريدة
[7] رواه أحمد والبيهقى
[8] عن حذيفة رواه أبو داود براوية إذا حزبه أمر صلى.

منقول من كتاب [الخطب الإلهامية رجب والإسراء والمعراج]
http://www.fawzyabuzeid.com/table_books.php?name=الخطب%20الإلهامية_مناسبات_ج3_ رجب%20والإسراء%20والمعراج&id=10&cat=3