Islam is religion of peace
الخميس، 23 أبريل 2015
الأربعاء، 22 أبريل 2015
مراتب السير والسلوك إلى ملك الملوك
الشيخ المربّي صفاته وعلاماته وعلومه
صفات الشيخ الكامل
هو الرجل العالم العامل الذى وهبه الله عز وجل النور الكاشف للظلومات والشبهات ومنحه الفقه فى دين الله وتأويل المتشابهات وفك رموز الخفيات من آيات القراءن وحديث رسول الله وهو الفرد الذى تتنزل عليه الفيوضات من العلوم الوهبيه زياده على ما حصله من العلوم الكسبية والاجتهادية وهو العبد الذى اتاه الله رحمه فى قلبه بعباد الله حتي قام يبزل كل ما لديه بإخراج الناس من الظلومات الى النور ويبين لهم معاني الدين الحنيف يجدد أثار السنه المطهرة ويعيد الى الاذهان ما خفي من هدي الائمه ومن درس من آداب وأحول وسلوك السلف الصالح رضى الله عنهم وللمرشد صفات كثيره يتعرف بها عليه اشار اليها الله عز وجل فى قوله ( فوجد عبد من عبادنا اتيناه رحمه من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) فهو رجل يبين للناس كلام الله عزوجل وحديث رسول الله بما يناسب عقولهم مع الرحمة بهم بالحكمة الرشيدة والبصيرة النافذة قول سبحانه ( قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) بلغ به الكمال إتباعه لسيدنا رسول الله مقاما لايقدر ان يلتفت عن رسول الله طرفه عين ولا اقل ولا ان يخالفه فى اى شىء مهما كان صغيرا علمه الله علما من لدنه سبحانه وتعالى وهذا العلم ينفع الله به الناس فى زمانه وانه علم قريب العهد بالله قد أكرم به من حضره الله عز وجل وهذا العلم يقوم به الحجة على المعاندين والمجادلين وتتضح به الطريقة والمحجه للمؤمنين والمسترشدين ورث عن رسول الله علوم الشريعة وعلوم الطريقة وعلوم الحقيقة جعله الله خبيرا بمعاني تجليات الحق تبارك وتعالى وعليما بأسراره القدسية وجعله الله حفيظا على هذه الاسرار فلا يبيح منها شيئا الا لأهلها بقدر طاقاتهم وحسب حاجاتهم قال تعالى ( الرحمن فاسأل به خبيرا ) قائما لله بالحق لا يتزحزح عنه وان خالفه الناس أجمعين قلبه مع الله ورسوله وان كان جسمه مشغولا بالإعمال الكونية أو بهداية الناس إلى الله فهو مع الحق بسره ومع الخلق بجسمه رجلا أذل نفسه للمؤمنين والمؤمنات واعزها على أهل الكفر أجمعين هذا الرجل هو بغيه كل مؤمن ومقصد كل محسن وأمل كل فرد من أهل الصفاء والإخلاص وان الكل يبحث عنه ويسعي فى طلبه
اخلاقه
أما الأخلاق فهي أخلاق الله عز وجل وأخلاق الرسول الأعظم ان يكون حكيما رحيما على النفوس معتقدا عند الناس مشهودا بأتباع السنة والعمل يهما متباعدا عما ينفر القلوب من كل الأعمال والأحول والأخلاق وان يكون متمكنا من أصول التوحيد طبيبا حاذقا بأمراض النفوس خبيرا بمداراه الناس فاهما منزله كل إنسان له معرفه بسيمات الناس التي تدل على خفى طباعهم وغرائزهم ومكنون أخلاقهم يؤلف الناس ويتحمل أذاهم حتي يألفوه ويرغبهم فى الأخلاق الكريمة يجاهد نفسه ليعمل أولا بعلمه ثم يدعوا الناس إلى ذلك لا يفرق بين الناس بسبب الفقر أو الغني أو الجاه أو النسب فى الإقبال عليهم والبشاشة لهم لا يستحي إذا كان لا يعلم ان يقول لا أعلم لا يستحي ان يطلب العلم من من فوقه دون التعصب لشيخه بذل ما فى اليد للناس تأليفا لهم وعدم التطلع إلي مافى أيديهم ترك الجدال مره واحده إلا ما كان لبيان حكمه من الإحكام الشرعية مختلفا فيه ويكون بالتي هي أحسن الصبر على جفوه من يدعوهم والإحسان إلى المسيء وصله القاطع وتأليف النافع تباعد بالكلية عن تنفير الخلق أو نيه السوء أو قصد الشر أو التكلم بما لا يليق من قبيح الكلام فى غيبه الناس أو في مواجهتهم والتباعد عن سماع الشر فى حق الناس والمسارعة الى فعل الواجبات والفضائل والمكرمات والشفقة والاجتهاد فى دفع المصائب وتخفيف الآلام والغضب لله والرضي لله والحب فى الله والبغض لله دعوه الخلق على قدر عقولهم مداراه الناس والتحصين بحصون الشريعة
علومه ومعارفه ...
لابد للشيخ ان يكون عارفا بالعلوم التي يحتاج إليها الناس ويزوق أسرار الأحوال والمقامات ومن علومه علم الآيات ويقصد بها العلامات الدالة على قدره الله عز وجل فى الكون وفى الإنسان وهي المشار إليها إلى قول الله عز وجل ( سنريهم آياتنا فى الأفاق وفى أنفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ) وفى ذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فى السماء طائر يطير بجناحيه الا ذكر لنا عنه علما ..
1- علم تذكيه النفوس وهو العلم الذي تصفو به النفس من شوائب الرياء وعلائق الحق وأضرار الحسد وبواعث الحظ والهوى حتي تنال مقام الإخلاص ولا تحقق العبادة الغاية منها الا بعد تزكيه النفوس وتصفيتها لقول الله عز وجل ( قد افلح من تزكي و ذكر اسم ربه فصلى ) وهذا هو الطور الهام الذى جاهد فيه رسول الله الأصحاب حتى فطرت على الصفاء والوفاء وذلك لمده اثنا عشر سنه حتي تأهلت النفوس لعباده حضره الله فبدأ نزول العبادات بالصلاة وغيرها ...
2- علم الكتاب وهو علم الأحكام الشرعية فى العبادات والمعاملات والأخلاق والأسر والمجتمعات والسلم والحرب وهو ما يسمي الآن بعلم الفقه
3- علم الحكمه وهول العلم الذى يهبه الله عز وجل للإنسان فيكون حكيما فى تصرفاته بليغا فى أحواله وهيئاته مسددا فى أقواله وتحركاته حتي يكاد الناس غير الحاسدين الحاقدين لا يرون فيه عيبا فى أحواله وأفعاله هذا نتيجه التوفيق فقد اخبر الله عز وجل إن صاحب الحكمة قد أعطاه الله البر والفضل الكبير فى قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتي الحكمة فقد أؤتي خيرا كثيرا ..
4- العلم الوهبى وهو ما ينتج عن الإخلاص فى تنفيذ الأعمال والصدق فى المتابعة لسيدنا رسول الله حيث يفاض على صاحب هذا القلب علوم وهببيه وأسرار من باب قول الله عز وجل (واتقوا الله وليعلمكم الله) قول الرسول عليه الصلاة والسلام ( من عمل بما علم ورثه الله بما لايكن يعلم ) وهذا العلم حقائق صادقه فى صدور العارفين فينقلوها الى خاصة المحبين ولما كان العلماء ورثه الأنبياء ائمه اهل الطريق لأنهم الذين يقومون بتربيه مريديهم وتهذيب سلوكهم وتجميل اخلاقهم وهذا دأب الصالحين فى كل زمان ومكان ..
أوصاف الداعى الحكيم
أوصاف الداعي الحكيم
للداعي الحكيم أوصافٌ وعلاماتٌ كثيرة يُعرف بها، أشار إلى بعضها الإمام الغزالي رضى الله عنه في إحياء علوم الدين فقال: ( وقيل: خَمْسٌُ من الأخلاق، هي من علامات علماء الآخرة - مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عزَّ وجلََّ : "الخشية، والخشوع، والتواضع، وحسن الخلق، وإيثار الآخرة على الدنيا - وهو الزهد".
فأما الخشية فمن قوله تعالى: ] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [(28-فاطر)، وأما الخشوع فمن قوله: ]خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً [(199-آل عمران)، وأما التواضع فمن قوله: ] وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [(88-الحجر)، وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى: ] فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ [(159-آل عمران)، وأما الزهد فمن قوله عزَّ وجلََّ: ]وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا[(80-القصص)).
ويمكن إجمال أوصاف الداعي الحكيم فيما يلي:
أولاً: التواضع لله تعالى في كل حال، وخصوصاً عند رواية العلم أو بيانه بالكتابة أو الدراسة. فالتواضع أكمل علامة للعلماء، لأنها تدل على حقيقة الخشية من الله تعالى، وقد حصر الله تعالى خشيته في العلماء، لأن شأن العالم العارف لنفسه بنفسه الممتلئ من معرفة ربه، المتحلي بواردات قدسه ألا يرى لنفسه حالاً ولا مقالاً، بل يرى نفسه أقل من كل شئ، وهذا هو النظر التام، كما قيل:ثالثاً: من أكمل صفات العلماء أن يُعلِّموا كل فريق من الناس ما لابد لهم منه، ويخفوا الحكمة إلا عن أهلها، كما قيل:{ لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعلموها غير أهلها فتظلموها }، ومن علّم الحكمة لغير أهلها فتح على نفسه باباً من الشرّ، وعلى المسلمين باباً من الفتنة. فالعالم الربانيُّ يُعلِّمُ الناس على قدر عقولهم ويداريهم كما قال صلى الله عليه وسلم: { كلَّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون!، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟ } (رواه البخاري موقوفاً على الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه، ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي النعيم).إذا زاد علم المرء زاد تواضعاًوإذا زاد جهل المرء زاد ترفُّعاًوفي الغصن من حمل الثمار مثالهفإن يعزُّْ عن حمل الثمار تمنّعاًثانياً: الحلم والأناة، لأنهما خصلتان يحبهما الله تعالى، وإذا تجرد منهما العالم هلك، لأنه يتصف بالحماقة والعجلة، فالعجلة توقعه في الخطأ، والحماقة تنفر منه الخلق والحقّ، فيكون ضاراً، وقد يُبْتلى - إذا لم يتصف بالحلم والأناة - بالإعجاب برأيه والتعصب له، فيجادل من خالفه ويؤيّد رأيه بالحجج - ولو كان باطلاً.
.رابعاً: السكينة والرحمة، فإن السكينة دليل على التمكين، وبرهان على الرسوخ في العلم، والرحمة من أخص صفات العلماء، بحكم الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمل صفاته صلوات الله وسلامه عليه ما أثبتها الله تعالى له بقوله:]حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [ (128-التوبة). وقدَّم الله عزَّ شأنه الرحمة في الإيتاء على العلم للعالم الرباني فقال سبحانه وتعالى:] آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا [ (65-الكهف).
خامساً: من أجلّ علامة العلماء الربانيين، العمل بالعلم في السر والجهر؛ خشية من الله تعالى، والأخذ بالعزائم - ولو كان في ذلك ما تكرهه نفوسهم، أو تتألم منه أبدانهم - إرضاء لله تعالى، ولا يأخذون بالرخص من غير أسبابها، وذلك لكمال اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان - فيما يروى عنه صلوات الله وسلامهعليه - يأخذ نفسه بالأشد، ويأمر غيره بالأيسر، ولذلك كان كُمَّل أصحابه رضوان الله عليهم يقتدون بفعاله قبل أقواله، لأن الإقتداء بأفعاله عزيمة.
سادساً: التحفظ من أن يرى رأياً فيحكم به من غير أن يتثبت من أنه حكم الله تعالى، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو أنه مأخوذ بالاستنباط من الكتاب والسنة، أو من عمل أئمة السلف، أو له نظير أو شبيه من أعمال السلف رضوان الله عليهم.
سابعاً: الاجتهاد في سدّ باب الذرائع والفتن، وإراحة أفكار المسلمين من الاشتغال بما يضرُّ ولا ينفع، الأمر الذي سبَّبَ فرقة المسلمين، ووقوع العداوة والشحناء بينهم، وجعل غير المسلمين يظنّون أن الدين الإسلامي مؤسس على التعصب لأشياء لا حقائق لها. ومثال ذلك فتح باب التفاضل بين الصحابة والعلماء، أو في الآراء والمذاهب والاعتقادات.
وكذلك فتح باب الفتن بالتكلم فيما سكت الله عنه، وسكت عنه رسوله رحمة بالمسلمين، فلم يحرّمها، فيقوم هؤلاء الذين تحصَّلوا على قشور من أحكام الشريعة المطهرة، وينصبُّوا بكليتهم على فتح أبواب الشُّبَه، وشغل المسلمين بما يضر ولا ينفع!!
ناهيك عن الفظاظة في الأخلاق، والغلظة في الطباع، والسخف في القول عند الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر!! متذرعين بحجة أن هذا من الدين، وأن هذه نصيحة، وأن هذه الطريقة الشرعية التي أمر الله بها.
ويجهلون أنهم بذلك وقعوا في كبائر لا تحصى؛ منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، ومخالفة سنته في الدعوة، وتنفير عباد الله ووقوعهم في بغض الدين وبغض أهله، وظنوا أنهم أحسنوا!!! وربما كان الذي يدعون إليه من الأمور المرغّب فيها خلاف الأولى، أو كان الذي ينهون عنه أيضاً خلاف الأولى. وذلك في مثل نهيهم عن الاجتماع على ذكر الله، أو قراءة سورة الكهف في المساجد يوم الجمعة، وما شابه ذلك.
ثامناً: أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال، وعما يفسدها ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير الشرّ، فإن أصل الدين التوقي من الشر ولذلك قيل:عرفت الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقِّيه ومن لا يعرف الشَّرَّ من الناس يقع فيهولأن الأعمال الفعلية قريبة، وأعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة،
ولقد كان الحسن البصري رحمه الله أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأقربهم هدياً من الصحابة رضي الله عنهم، وكان أكثر كلامه في خواطر القلب، وفساد الأعمال، ووساوس النفس، والصفات الخفيَّة الغامضة من شهوات النفس. وقد قيل له: (يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك!! فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان رضى الله عنه).
وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة!! فمن أين أخذته؟ قال:{ خصَّني به رسول اللهصلى الله عليه وسلم: كان الناس يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه }، وقال مرة: { فعلمت أن مَنْ لا يعرف الشرَّ لا يعرف الخير }، وفي لفظ آخر: { كان يقولون: يا رسول الله، ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله، ما يُفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم } (أخرجه البخاري ومسلم).
وكان حذيفة رضى الله عنه أيضاً- قد خُص بعلم المنافقين، وأُفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضى الله عنهم يسألونه عن الفتن العامة والخاصة. وكان عمر رضى الله عنهإذا دُعى إلى جنازة ليصلي عليها نظر، فإن حضر حذيفة صلَّى، وإلا ترك. وكان يُسَمَّى: صاحب السر.
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة، لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى، فيهتمون بمعرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة.
تاسعاً: أن يكون اعتماده في علومه - بعد تحصيل ما يلزم، كما أشرنا آنفاً - على حكمته وبصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره. وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضى الله عنه يقول لأتباعه - مادحاً أهل علوم الإلهام رضى الله عنهم أجمعين: ( حدثونا بما فتح الله عليكم، لا بما نقلتموه عن غيركم ).
فإذا قلَّد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وقاله، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعله إلا لسرٍّ فيه، ولا يكون عالماً إلا إذا كان شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإن اكتفى بحفظ ما يُقال كان وعاءاً للعلم، ولا يكون عالماً.
عاشراً: أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنَّه إطباق الخلق على ما أحدث بعض الصحابة رضى الله عنهم، وليكن حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، وما كان فيه أكثر هَمُّهم، فقد كان ذلك في الخوف والحزن، والتفكر والمجاهدة، ومراقبة الظاهر والباطن، واجتناب دقيق الإثم وجليله، والحرص على إدراك خفايا شهوات النفس ومكايد الشيطان، إلى غير ذلك من علوم الباطن.
واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحقِّ أشبههم بالصحابة، وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أُخذ الدين. ولذلك قال الإمام علي رضى الله عنه لَمَّا قيل له: خالفت فلاناً!، قال كرم الله وجهه: { خيرنا أتبعنا لهذا الدين }.
وما أجمل حديث التستري رضى الله عنه عن العلماء العاملين، والأولياء المحققين، ومكانتهم، حيث يقول: {قال الله لآدم: يا آدم إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي وخاف غير عدلي لم يعرفني. يا آدم: إن لي صفوة وضنائن وخيرة من عبادي أسكنتهم صلبك، بعيني من بين خلقي، أعزهم بعزي، وأقربهم من وصلي، وأمنحهم كرامتي، وأبيح لهم فضلي، وأجعل قلوبهم خزائن كتبي، وأسترهم برحمتي، وأجعلهم أماناً بين ظهراني عبادي، فبهم أمطر السماء، وبهم أنبت الأرض، وبهم أصرف البلاء.
هم أوليائي وأحبائي، درجاتهم عالية، ومقاماتهم رفيعة، وهِمَمُهُم بي متعلقة. صحَّتْ عزائمهم، ودامتْ في ملكوت غيبي فكرتُهم، فارتَهنتْ قلوبُهم بذكري، فسقيتهم بكأس الأنس صرف محبتي، فطال شوقهم إلى لقائي، وإنِّي إليهم أشد شوقاً.
يا آدم من طلبني من خلقي وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فطوبى يا آدم لهم ثم طوبى، ثم طوبى لهم وحسن مآب. يا آدم هم الذين إذا نظرت إليهم هان عليَّ غفران ذنوب المذنبين لكرامتهم عليَّ } ( حلية الأولياء، عن سهل بن عبدالله).
وقال أيضاً: إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: { يا داود: إذا رأيت لي طالباً فَكُنْ له خادماً }. فكان داودعليه السلاميقول في مزاميره: { وَاهًا لهم! يا ليتني عاينتهم!!، يا ليت خدّي موطأ نعلهم!! }.
قال سهل بن عبد الله ذلك، ثم اصفرَّ لونُهُ وجعل يقول: ( جعل الله نبيَّه وخليفته خادماً لمن طلبه لو عقلت - وما أظنَّك تعقل - قدر أولياء الله وطلابه!! ولو عرفت قدرهم لاستغنمتَ قربهم ومجالستهم، وبرَّهم وخدمتهم وتعاهدهم ) (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني ج 10 ص 193، 194).
.***************وَصِـيَّة[1]((هذه الوصية نقلناها بتصرف من كتاب مذكرة المرشدين والمسترشدينللإمام أبي العزائم رضى الله عنه لشمولها وأهميتها))أخي الداعي: يا مَنْ وهبه الله تعالى العلم والحكمة وجمال الأخلاق، وأعانه على صرف الأوقات في عمل القربات والطاعات.
أخي: أعلم - حفظني الله وإياك من حبِّ الدنيا والرغبة فيما فيها - أن تلك الإقامة التي أنت مقيم فيها، هي: وظيفة العلماء الربانيين، والأمناء الروحانيين ورثة رسل الله عليهم الصلاة والسلام وأبدال الصديقين والشهداء؛ فمن أقامه الله تعالى مقام رسله جعل له علامات، هي الحجج المؤيدة لصدق إقامته، والبراهين التي في قوة تصديق الله أنه سبحانه قد منَّ عليه بميراث الرسل عليهم الصلاة والسلام وتلك العلامات هي:
الحرص على عباد الله من أن يقع أحدهم فيما يُغضب الله بسببهم، والرأفة والرحمة بالمؤمنين، ولين الجانب، والخلق العظيم، والصبر على جفوة مَنْ يَدْعُونهم، ودعوة الخلق كلُّ على قدر عقله، ومداراة الناس، والغضب في الله، والإحسان إلى المسئ، وصلة القاطع، وتأليف النافر، وترك الجدال مرة واحدة - إلا ما كان لبيان حكم من الأحكام الشرعية مختلف فيه، ويكون بالتي هي أحسن، والتباعد بالكلية عن تنفير الخلق، أو عن نية السوء، أو قصد الشرِّ أو العزم عليه، أو التكلم بما لا يليق من قبيح الكلام في غيبة الناس أو في مواجهتهم، والتباعد عن سماع الشرِّ في حق الناس، والزُّهد فيما في أيديهم، وبذل ما في اليد لهم تألّفاً لهم، والمسارعة إلى فعل الواجبات والفضائل والمكرمات، ومنافستهم في ذلك حتى يقلِّدوا الداعي.
والشفقة عليهم، والاجتهاد في دفع المصائب عنهم، وتخفيف آلامهم، ومشاركتهم في مهماتهم - مشاركة عملية بالمال والنفس، وذكر محاسنهم، وستر عيوبهم في غيبتهم، والاجتهاد في تنبيههم لترك المعاصي التي يقع فيها بعضهم، وعمل الفضائل التي تركها بعضهم - بطريق محفوظ من أن يتوهم أحدهم أنه مقصود بالذات، خشية من التنفير، بل يكون بتنبيه عام يبين فيه قبح المعصية وسوء عاقبتها، ويبين حسن الفضيلة وجميل مآلها.
فهذه الأخلاق هي التي يجب أن يكون عليها المتصف بصفات الداعي إلى الله، أو النائب عنه لأنها من أخص صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخادم إذا ناب عن سيده يلزمه أن لا يخالفه، فإن خالفه هلك أو أهلك. فمن أقامه الله بدلاً عن الصديقين والشهداء، ونائباً عن العلماء الربانيين، ثم غلبته نفسه فغضب أو شتم آخر أو سبَّه، أو كرهه بقلبه، أو ظن في أخيه سوءاً، أو قطع أخاً له لغرض من أغراض الدنيا أو لِعِلَّةٍ من عِلَلِ الحظوظ، أو تهاون بواجب، أو ترك المنافسة في عمل الخيرات ونافس في عمل الشرور.
من كان هكذا، فكأنه يريد أن لا يقبل فضل الله ونعمته، لأن هذا الفضل العظيم يمنح بالفضل من الله تعالى، ويدوم ذلك الفضل بمراعاة تلك المعاني، ونعوذ بالله من حال عَبْدٍ يتفضل الله عليه فيأبى فضل الله، وينعم الله عليه فيرد نعمة الله.
أيها العالم الرباني: بِمَ صرت عالماً؟ قل معي:]هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي [(40-النمل). نعم! فعليك أن تشكر ربكجلَّ جلاله بمجاهدة نفسك، حتى تتصف بصفات أهل الفضل. احذر أن تمنح الفضل بالفضل، وتنسى المتفضِّل وفضله، فيسلب - والعياذ بالله - الفضل بالعدل، واستعذ بالله - أيها الداعي - من السلب بعد العطاء.
توددّ إلى الأباعد، وأحسن إلى الأقارب، وغض بصرك عن عيوب إخوانك المؤمنين، واستر زلَلَهم، واعف عن مسيئهم، واصفح عن ظالمهم، واشكر الله الذي جعلك من أهل الفضل عِلْماً وخُلقاً وحالاً وعملاً.
وتحقق أن أجمل نعمة ينعم الله بها على عبده، ويدوم بها الفضل العظيم، ويبقى في ذريته بعده: هي أن ينعم الله عليك بجميل الأخلاق، وأن يملكك نفسك فلا تخرج بك عن طاعة الله، ولا توقعك في معاصي الله. وبذلك يحبُّك الله، وملائكة الله، ورسل الله، ويحبك الناس أجمعون، إلا مَنْ كرهك لأنك على الحقِّ وهو على الباطل في الاعتقاد والرأي والعمل، فلا يكرهك أحدٌ من الخلق لحماقة لأنك حليم، ولا يكرهك لعمل سوء لأنك رحيم، ولا يكرهك لجفاء وقوة لأنك رءوف، ولا يكرهك لبخل لأنك كريم، ولا يكرهك لنفور منك لأنك صفوح عفو، ولا يكرهك لطمع منك لما في أيديهم لأن الله أغناك عن شرار خلقه وجعل غناك في قلبك، ولا يكرهك لترك واجب لمسارعتك لعمل الواجب والمندوب، ولا يكرهك لسوء أدب لخشيتك من الله.
وتحقق أن بغض الناس - خصوصاً الأقارب، وبالأخص الوالدين والأولاد - دليل على أنك من أهل الكبائر القلبية أو البدنية. فبادر بسرعة وتُبْ إلى الله، وجاهد نفسك متخلقاً بأخلاق العلماء الربانيين، والعارفين الروحانيين، ليدوم لك الفضل العظيم في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة، وتدبر قوله تعالى: ) إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ (11-الرعد). أسأل الله تعالى الحفظ والسلامة، والنعم والإحسان، والفضل العظيم، والمعونة على الشكر إنه مجيب الدعاء.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد
http://www.fawzyabuzeid.com/
الصفحات الرسمية للشيخ فوزي محمد أبوزيد
الاثنين، 20 أبريل 2015
حياة الأرواح
أين الإيمان والحكمة؟
أصحاب السنن يروون: أنهم أتوا للرسول صلى الله عليه وسلم فى الإسراء بطست مملوءٍ إيمان وحكمة، ولكن هل الإيمان والحكمة شئ حسِّيٌّ أم معنوي؟، شئ معنويٌ طبعاً، وهل الشئ المعنوي يوضع في طست؟، لا، ولكن الله يريد أن يعرّفنا حقيقة غالية: {أن المعاني في المعاني مباني} فالأرواح معاني ولكن مع بعضها تكون مباني، وكل روح متميزة عن الأخرى، يكلمون بعضاً لأن هناك فوارق بينهم، فالملائكة عالم كله معاني، ولكن مع بعضهم يكونون مثلنا، يتحدثون مع بعض، وكل واحد مكلف بتكليف خاص به من الله عزَّ وجلَّ، أو من رئيسه المباشر من كبار الملائكة عليهم السلام. لكن الإيمان والحكمة، فيهما إشارة عالية: هي أن من يريد أن يسير إلى الله؛ لابد أن يأخذ علم الإيمان والحكمة من رجل أخذ هذه الأشياء من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ، ولا يأخذهم من الكتب أو من الجماعة الذين ليس عندهم إشراقات روحانية ولا شفافية نورانية، فالكلام يحيي القلوب طالما أنه صادر من قلب حيٍّ، أما إذا صدر من قلب ميِّت، فلا يؤثر في المرء، وقد قال في ذلك الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه في حِكَمِهِ : {كما أن كل ماء لا ينزل من السماء لا ينفع - في سقي الزرع (الماء الراكد مثلاً)، كذلك كل علم لا ينزل من سماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يرفع القلوب إلى مقام القرب من علام الغيوب عزَّ وجلَّ}. إذن العلم الرافع: هو العلم النافع النازل من سماء فضل الله عزَّ وجلَّ في الحال على العباد الذين اجتباهم الله واختارهم الله عزَّ وجلَّ . هذا هو العلم الذي اعترض عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان شيخ الإسلام في زمانه - ولما دخل وقابل الشيخ أبا الحسن الشاذلي ، وكانوا جالسين في الخيمة في المنصورة في معركة لويس التاسع، والعلماء كل واحد منهم أخذ يدلي برأيه في مسألة من المسائل، والشيخ ساكت، وفي الآخر قالوا للشيخ: نريد أن نسمع رأيك في هذه المسألة؟ فأفاض عليهم ما ألهمه به الله عزَّ وجلَّ ، فخرج ابن عبد السلام كطفل صغير، وأخذ ينادي على باب الخيمة: هلموا .. فاستمعوا إلى هذا العلم الحديث عهد بالله عزَّ وجلَّ ، أي استمعوا إلى هذا العلم النازل طازجاً من الله عزَّ وجلَّ. هذا العلم الذي يحرِّك القلوب ويطهِّرها، ويصفِّيها ويقرِّبها إلى معاني حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ. يمحو الكيان بعاليه و سافله علمٌ من الله بالإلهام في الوصل فالذي يستطيع أن يمحو الكيان، ويجعله ينساق إلى الله عزَّ وجلَّ، هو علم الإلهام، لأن له جاذبيَّـة غريبة وعجيبة في قلوب المشتاقين والمحبين بل وقلوب المؤمنين أجمعين. وما علامته؟، قالوا: {إذا كان الكلام عن النور يحدث لسامعيه السرور} أي فذلك دليل على أنه وارد من عالم البرزخ. ولو فتح الله للبعض عيون البصائر، لرأوا القلوب الجالس أهلها في هذه المجالس، وكأنها مشدودة بخيط رفيع من النور لله عزَّ وجلَّ، فلا تستطيع أن تقوم، ولا أن تتحرك يميناً ولا يساراً لأنها مشدودة، ومن الذي شدّها؟ هو الله، كي يضع فيها العلم النافع النازل من سماء الله عزَّ وجلَّ. وإذا امتلأ القلب بهذا العلم الإلهامي تنفعل له الجوارح، ويصير الإنسان بعد ذلك في عالم الناس، وحاله كما قال الله عزَّ وجلَّ: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} 122الأنعام هل من يسير بهذا النور يكون مثل أي شخص آخر؟ سأضرب لكم مثلاً لتعرفوا الفرق بين الاثنين؛ أحياناً نرى رجلاً أخذ الدكتوراة في العلوم الفقهية والشرعية والحديث، ومع ذلك نراه يرتكب المعاصي، إذن أين علمه؟ لماذا لم يمنعه؟ وتارة نرى رجلاً أميَّـاً لا يقرأ ولا يكتب، ولكن عنده وازع في باطنه يمنعه من المعاصي، حتى أنه قد يتعرض لأمور وفتن شديدة ومضايقات، بل واضطهاد، ولكنه يرفض أن يفعل المعصية لأن النور الذي ينزل مع علوم العارفين، والذي يقولون فيه: {تسبق أنوارهم أقوالهم ؛ فتجذب القلوب وتهيأها لسماع الغيوب}، هذا النور: هو الذي يمنع الإنسان عن معصية الله عزَّ وجلَّ: وعندما يأتي في دنيا الناس؛ يرى المعاصي مثلما رآها رسول الله، ويرى الطاعات مثلما رآها رسول الله - ولكن طبعاً صورة على قدره، وليس الصورة كلها - فيرى المعاصي لو تهيأت له على أنها جهنم، وعلى أنه سينزل فيها، إذن هل يفعلها؟ لا، وهذا ما يقول فيه الله سبحانه وتعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [5-6التكاثر] | ||
الجمال الروحاني
{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}
[5-6التكاثر]
من يتعلم علم اليقين؛ يرى جهنم في المعاصي، وقد يصل الأمر إلى أن بعض الناس يرون الخلائق على هيئتهم الباطنية، فنحن جميعاً مثل بعض ظاهرياً، ولكن الصورة الداخلية: يظهر فيها حقيقة الإنسان، ونيَّته، ولبُّه. فهناك أناس يعيشون في الدنيا ، وكل همهم الإقبال على شهوة الطعام والشراب، وهؤلاء يقول عنهم الله: {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [12محمد] وهناك أناس ليس لهم همٌّ في الدنيا إلا شهوة الفرج، ويقول عنهم الله: {أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}. [179 الأعراف] فالذي عنده يقين؛ يمنعه هذا اليقين عن معصية الله عزَّ وجلَّ . إذاً ما الذي يمنع الإنسان من المعاصي؟ لا يوجد شئ إلا حجاب العلم الإلهي، وحاجز النور الرباني الذي ينزل في القلب، ويمنعه من هذه المعاصي، ويريه هذه الطاعات ، ويعرِّفه أنها رياض الجنَّات ، فيرى المجلس الذي نحن فيه الآن ، ليس مجلس علم فقط ولكنه روضة من رياض الجنَّة، وهذه حقيقة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: {إذَا مَرَرْتُمْ برِيَاضِ الْجَنَّةِ فارْتَعُوا ، قالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قالَ حِلَقُ الذِّكْرِ}، وفى رواية: {مجالِسُ العِلْمِ}{1} فالإنسان الذي يرى هذه المجالس روضة من رياض الجنة، ماذا يفعل؟ يجري ويسارع إلى هذه المجالس لطاعة الله عزَّ وجلَّ، ويرى هذه المشاهد - وهي كثيرة وكثيرة - يراها العارفون والواصلون والمتحققون بعد صفاء اليقين، وبعد عمارة قلوبهم بنور ربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، حتى أنك تسمع أن بعضهم يرى الشخص ويعرف إن كان جُنُباً أو طاهراً؟، ويقول له: قم واغتسل، ويرى الشخص ويعرف إن كان عاقاً لوالديه؟، أو باراً بهما؟، ويرى آخر ويعرف إن كان صادقاً؟، أو كذاباً؟، أو مغتاباً .... الخ. يعرف هذا كله عندما ينظر في وجه الشخص الذي أمامه؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [273البقرة]
وهذا في الأنبياء والمرسلين، وفي المقربين بعدهم إلي يوم الساعة:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} [75الحجر]
فهم الذين يرون بنور الله الأشياء الخفيَّة الموجودة في صدور ورؤوس عباد الله. وهذه الحالات إذا تمكن فيها المرء: يرى في هذه اللحظات الصادقين والمرسلين والنبيين، لأنه قد بدأ يمشي على الطريق الصحيح الموصل إلي الله، يأتونه ليعلِّموه ويوصِّلوه ويبشِّروه؛ فكلما ينام، أو إذا قوى في عالم المثال، يرى نفسه مع نبيِّ من أنبياء الله، يتكلم معه، ويأخذ منه شيئاَ مما أعطاه له الله عزَّ وجلَّ. فدائماً عندما ينام يجد نفسه مع فرد من الأفـراد الوارثين، أو مع ولى من المقربين، أو مع صدِّيق من الصديقين، فهو إذن ينام مع الأرواح النورانية؛ فيساعدوه، ويغذُّوه، ويعضدوه، ويبشروه؛ لكي لا تفتر عزيمته، ولا يكلّ ولا يملّ، ويظلّ في الإتجاه الصحيح إلي الله عزَّ وجلَّ. فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالرؤية الصالحة: أصبح فيه قبساَ من نور القلوب، قال صلوات ربى و تسليماته عليه: {الرُؤْيَا الْصَالِحِةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ}{2} فيكون فيه جزء من النبوَّة يدفعه إلي بقية الأجزاء، و بالتالي يعرج إلي الله، والمعارج إلي الله هي نفس المعارج التي عرج عليها رسول الله، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [1 الإسراء] فلو قال بنبيِّه أو برسوله، لكان الباب بالنسبة لنا مغلقاً، ولكنه تعــالى قال: {بِعَبْدِهِ}؛ أي أن كل شخص أصبح فيه صفات العبودية الكاملة لله يعرج بروحه إلي الله عزَّ وجلَّ، والفارق بينه وبين رسول الله هو أن الشخص العادي يعرج بروحه، أمَّا النبي فكان معراجه بالروح والجسد معاً، وفي سبيل عروجه إلي الله يمرُّ بسبع طرائق، وهي التي أشار إليها رسول الله بالسموات السبع. ففي السماء الأولى كان سيدنا آدم، وفي الثانية شاهد سيدنا عيسى، وفي الثالثة إدريس، وفي الرابعة شاهد سيدنا يوسف، وفي الخامسة سيدنا هارون، وفي السادسة سيدنا موسى، وفي السابعة شاهد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وبعد ذلك وجد البيت المعمور؛ وهي السبع مراحل التي يمرُّ بها السالك حتى يكون قلبه بيتاً معموراً بأنوار الله وبأسماء الله وبجمالاته عزَّ وجلَّ. فلما يُمَتَّع بالرؤيا المنامية والتزكية الروحية من الأنبياء و المرسلين؛ يخرج من طور الآدمية وصفاتها التي تنازعه لكي يتجمَّل بالجمال الروحاني، فلا يحرمه الله من شئ، بل يقول له خذ ما تريده، ولكن كما أريد أنا وليس كما تريد لنفسك. فإذا أخذ كلَّ ما أُمِرَ وفق شرع الله، ومتأسياَ فيه بفعل النبي؛ أصبح يمشي على الصراط المستقيم، وعلى النهج القويم، فإذا أكرمه الله عزَّ وجلَّ واستطاع بنور البصيرة أن يخرج من صفاته الآدمية؛ مثل الغضب، الجهل، المنازعة .. الخ، ويتجمَّل بالصفات المحمَّدية، ويرقى عن رتبة الآدمية؛ فيحييه الله كما أحيى ( يحيى ) الحياة الإيمانية الروحانية، السليمة، ويُلْقى عليه روحاً من عنده، كما ألقى على عيسى عليه السلام: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [15غافر] يُلقى عليه الله روحاَ من عنده؛ فيجعل حياته كلها روحانية نورانية، ويبدأ في مقام المدارسة؛ ليس للكتب ولكن للإشراقات الإلهية والعلوم الربانية في الكائنات، لأن الله عزَّ وجلَّ أودع في الكائنات من العلوم والكنوز ما يحتار فيه العقلاء والعلماء؛ ولكنه لا يبيحه إلا لمن صفت قلوبهم، وطهرت نفوسهم، وأصبحت قلوبهم مشرقة بنور الله عزَّ وجلَّ . وبعد أن يدرس الآثار الكونية، والأسرار الربانية، والعلوم الوهبية ؛ يتجلى الله عليه بجمال روحاني، كالجمال اليوسفي الذي متّع به يوسف، فكل من يراه يحبُّه، وكل من تقع عينه عليه يريد أن يجالسه ويأتنس به، ويكون معنياً بقول الرسول صلى الله عليه وسلَّم: {إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِني أُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلاَنَاً فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ}{3} {1} رواه الإمام أحمد فى مسنده ، و الترمذى فى سننه عن أنس بن مالك ، وفى مجمع الزوائد وجامع المسانيد عن ابن عباس، وفى الترغيب والترهيب عن أبى هريرة وفيها: (المساجد). {2} رواه أحمد وابن حبان والدرامي والحاكم ، عن رواة عدة منهم عبد الله بن عمر وابن عباس رَضِيَ الله عنهم - وفى بعض الروايات: «جُزْءٌ منْ أَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ »، وفى سنن أبى داود عن ابنِ عَبَّاسٍ: (أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم قال: ياأيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أوْ تُرَى لَهُ). {3} جامع المسانيد و المراسيل عن أبى هريرة رضِيَ الله عنه، وتمامه: (وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدَاً دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِني أُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضْهُ، فَيَبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبغْضَاءُ فِي الأَرْضِ)، ورواه ابن أبى شيبة وأحمد و الطبرانى عن أبى أمامة رضِيَ الله عنه. | ||
السبت، 18 أبريل 2015
معراج المحبة
فبشرى بمعراج الحَبيب وإسراه وبشرى لنا نلنا مشاهد معناه الحمد لله كلنا حفظنا القصة ... قصة الإسراء والمعراج، وما ظهر فيها وما حدث فيها، وبعضنا يحفظها عن ظهر قلب، ولكن جال في خاطري شئٌ من معاني هذه القصة؛ عبرة للسالكين، ونوراً للواصلين، وبهجة للمقربين، فأحببت أن أبين بعض ما تفضَّل به الله عزَّ وجلَّ عليّ. والقصة تبدأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان نائماً، بعض الروايات ذكرت أنه كان نائماَ في حجر سيدنا إسماعيل، وبعضها قالت أنه كان نائماَ بالقرب من زمزم، وبعضها قال أنه كان نائماً في دار بنت عمه السيدة أم هانئ رضى الله عنها وأرضاها - والكل يتفق أنه كان نائماَ - ثم جاء سيدنا جبريل عليه السلام ، و الكل يتفق أنه أيقظه من نومه ، ثم قال له كما روى بعض الصالحين: قم يا نائم فقد هُيئّت لك الغنائم. قال: ماذا يا أخي يا جبريل؟ قال: الكريم يدعوك إليه، قال: وماذا يفعل بي؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: هذا لي ، فما لأبنائي ؟ وعيالي؟ وأطفالي؟، قال: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [5الضحى]. قال : الآن طاب قلبي ، ها أنا ذاهب إلى ربي. وبعد ذلك نزل جماعة من الملائكة مع جبريل - كما تذكر الروايات - وأضجعوه وأناموه بجوار الكعبة، وشقُّوا عن صدره، ثم أخرجوا قلبه، ووضعوه في طست، وغسلوه بماء زمزم ، ثم نزلت جماعة أخرى من الملائكة، ومعهم طست مملوءاً إيماناَ وحكمة ، وملؤا قلبه بالإيمان والحكمة من هذا الطست، ثم جاء بالبراق، وركب البراق، وشاهد الآيات التي في عالم الملك (عالم الدنيا) - وكلنا و الحمد لله نحفظها - وصلَّى بالأنبياء في بيت المقدس، ثم نزل المعراج، فعرج به في السماوات العلى، وصلى بأهل كل سماء ركعتين لله عزَّ وجلَّ ، حتى وصل إلى سدرة المنتهى ، إلي آخر القصة التي نعرفها ما العبرة التي نأخذها من هذه الأحداث التي ذكرناها الآن؟ قصة الإسراء و المعراج: هي قصة الوصول إلى الله ، وقصه معرفة الله ، وقصة إشراق الأنوار وظهور الأسرار بقلب اتصل بنور الله، وهي قصة الخروج من الظلمات إلي النور ، وأيضاَ قصة المسافرين الذين يسافرون - ليس من بلادهم أو محافظاتهم - و لكن يسافرون من أنفسهم وحظوظهم، وشهواتهم وأهوائهم؛ إلى ربهم عزَّ وجلَّ ، فكأنهم يقولون ما قاله الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه: منى أسافر لا من كوني الداني أفردت ربي لا حورٍ و ولدان أي أسافر من نفسي، وليس ممن حولي، فالسفر الحقيقي إلى الله عزَّ وجلَّ كيف يبدأ؟، وكيف ينتهي؟، وما مكاشفاته؟، وأنواره؟، وتجلياته؟ كل هذا موجود في قصة الإسراء و المعراج، بل إن شئت قلت: كل هذا موجود في آية واحدة من كتاب الله عزَّ وجلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [1الإسراء] كل شئ موجود في هذه الآية، من بداية القصة إلي نهايتها، وإن كان يغيب عن الناس العاديين، لكن أنتم والحمد لله - بما آتاكم الله من نورانية وشفافية - تظهرلكم لمعات، وتظهر لكم قطفات من الأنوار في هذه الآيات، تعرفون بها بعض فضل الله علينا، وعليكم، وعلى الأمة المحمدية كلها. فالإنسان منا يكون نائماَ - في بداية شأنه - عن الواجب عليه نحو مولاه، ولكنه يقظ لمطالب جسمه، ونفسه، وشهواته، نائماً عن المطلب العالي للروح؛ والروح ليس لها مطلب منَّا، إلا مطلب واحد: أن تصلهـا بمبدعها ومنشئها عزَّ وجلَّ. فهي لا تريد أكلاً، ولا شرباً، ولا لفَّـاً، ولا دورانـاً، بل كل ما تريده مطلبٌ واحدٌ: أن تحظي بالفضل و الرضوان في معيَّة الحنَّـان المنَّـان عزَّ وجلَّ. وفي ذلك يقول الإمام أبو العزائم رضِيَ الله عنه تحنُّ الروح للعليا و تهوى منازل أنســـها بعــد البيــــان وعند شرابها للراح صرفا تمزّق حجب أعراض الكيان فالروح تحنُّ للمطالب العليا من الأنوار، والأذكار، والأسرار، والفتوحات، والمكاشفات، ولا تحن لأكل ولا شرب ولا نكاح، فهي لا تحنُّ إلا لجمال الله، أو أي شئ يتصل بكمال الله عزَّ وجلَّ، لأنها منبع الكمالات فيك. لكن النفس لأن صفتها النقص دائماً، ترسلك إلي ما يشابهها. فلما يتحقق مطلوب الروح ويأذن الله عزَّ وجلَّ بالفتوح، يرسل الله رسول الإلهام، ورسول الإلهام هذا ملك، فكل شخص معه ملك يرشـده، ويوجِّهه، ويلهمه، ومعه شيطانٌ يزيِّن له، ويوسوس له. ولما يأذن الله بالقرب للعبد: قد يكون نائماً في أودية الدنيا، سواء كان محجوراً عليه من النفس، حجرته في الملذات والشهوات والحظوظ، فهذا يكون مثل النائم في السجن، أو نائماَ في الطمأنينة وراحة البال ونعيم الدنيا، ونسى الآخرة ومطالب الروح ومطالب الله عزَّ وجلَّ، فيأتي ملك الإلهام ويوقظه، ويقول له: قم يا نائم، من نومة الغفلة، أو رقدة الجهالة، فقد هُيّئت لك الغنائم الإلهية من الإسراء، والفتوحات، والمكاشفات، والملاطفات. فإذا استجاب: لابد أن يمسك مشرط المحبة، ولا يوجد شخص يمشى في طريق الله إلا على براق المحبَّة؛ لأن المحبَّة هي التي ستهوِّن عليه الطريق، وتسهِّل له كل صعب - وذلك حتى في الدنيا: فعندما يحبُّ الإنسان المال، يتحمل في سبيله ويترك زوجته وأولاده، وينام في الغربة، ولا يأكل ما يحبُّ، وكل هذه الأشياء في سبيل الحصول على مطلوبه؛ لأنه يحب المال، ومع أن هذا مطلب دنىٌّ، فمن الممكن أن يتعرض للإساءة والهجر والقطيعة، ويتحمل هذا كله في سبيل الحصول على المال، مثال آخر: شخص يحب امرأة، وجائز أهلها لا يريدونه، فتجده يلفُّ من هنا وهناك كي يحصل عليها. ولكن حبَّ الله أرقى وأرفع، لأنه عزَّ وجلَّ قال: لا تصفوا حبَّ الله بشئ في الدنيا - مثل حبِّ المال أو الآباء أو الأولاد أو الأمهات، ولكن قولوا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ} [165البقرة] فكلُّ الحبِّ للأشياء الأخرى لا يعادل ذرَّة من محبَّة المؤمنين لربِّ العالمين عزَّ وجلَّ، هذا الحبُّ هو الذي يهوِّن الصعاب، ويسهِّل الطريق، ويعين الإنسان على بلوغ المراد، ويفتح بواسطة الحبِّ صدره ويخلع منه حظَّ الشيطان، ويملأ القلب إيماناً وحكمة. إشراقات الإسراء- ج1_ط2 منقول من كتاب {إشراقات الإسراء- الجزء الأول} اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً | ||
السبت، 4 أبريل 2015
صلاة النبى النافلة هيئتها وآدابها
كانت هيئة صلاته صلى الله عليه وسلم النافلة في الليل على أنواع ثلاثة:
أولها: أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته قائماً.، فعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: {مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ – نافلته - قَاعِدًا، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا}{1} وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي قاعداً ويركع قاعداً، كما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها: {كَانَ يُصَلِّي لَيْلا طَوِيلا قَائِمًا، وَلَيْلا طَوِيلا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا}{2} وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قاعداً فإذ بقي يسير من قراءته قام فركع قائماً، كما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها {أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي – أي النافلة - جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ}{3} وكان صلى الله عليه وسلم يرشد للحفاظ على المداومة: فمن نام عن حزبه من الليل فليأتي به ما بين صلاتى الفجر والظهر، فيقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ}{4} وكان صلى الله عليه وسلم أيضاً يُصلي صلاة الضحى، ولم يكن له عدد محدود، ولا وقت معين، فكان يُصليها من بعد الشمس بثلث ساعة إلى قبل الظهر بثلث ساعة، وأحياناً كان يُصلي الفجر ثم يمكث يذكر الله حتى تطلع الشمس، وبعد الشمس بثلث ساعة يقوم إلى الصلاة، ويقول صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت: {مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ}{5} {بَعَثَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجَلٌ مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ: مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلُ غَنِيمَةً وَأَسْرَعُ رَجْعَةً، قَوْمٌ شَهِدُوا صَلاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً}{6} أكثر من هؤلاء في السرعة والغنيمة من عند الله، وكانوا يسمونها الغنيمة الباردة، أي التي لا تأتي عن طريق ضرب برمح أو سيف، ولكن تأتي عن طريق ذكر باللسان، وطاعة لله بالأبدان. وهى الغنيمة الإلهية من السكينة والطمأنينة والخشوع والخضوع والرضا عن الله وحلاوة طاعة الله وغيرها من الغنائم التي يفيضها الله على عباده الصالحين الذين يحرصون على هذه الأوقات. وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يصلي الضحى ركعتين. وأحياناً يصليها أربع ركعات. وأحياناً يصليها ست ركعات. وأحياناً يصليها ثماني ركعات. وأحياناً يصليها اثني عشر ركعة. كل هذا وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: {صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِي مِنَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ}{7} وقالت السيدة أم هانيء بنت أبي طالب بنت عم رسول الله: {لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ وَسَتَرَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ}{8} وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من صلى الضُّحى ثِنْتَيْ عشْرَةَ ركعةً بَنَى الله له قصراً في الجنة من ذهب}{9} إذاً لا حد لأقلها، ولا حد للزيادة في شأنها، كل إنسان يعمل في شأنها بقول الله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}التغابن16 لكن يقول فيها صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ: الضُّحَى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى صَلاةِ الضُّحَى؟ هَذَا بَابُكُمْ فَادْخُلُوهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ}{10} ويقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى لا يَقُولُ إِلا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ}{11} هذه بعض الآداب المتعلقة بالصلاة، فكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على هذه النوافل لله. أما الصيام فقد ذكرناه بالتفصيل في كتابنا: (الصيام شريعة وحقيقة) اضغط هنا لتحميل الكتاب والحج ذكرناه في كتابنا: (زاد الحاج والمعتمر) اضغط هنا لتحميل الكتاب والأذكار ذكرناها في أكثر من كتاب من كتبنا وخاصة كتاب: (أذكار الأبرار) اضغط هنا لتحميل الكتاب والدعاء ذكرناه في كتابنا: (مفاتح الفرج) اضغط هنا لتحميل الكتاب وجمعنا الأذكار والأدعية والأوراد فى كتابنا (جامع الأذكار والأوراد) اضغط هنا لتحميل الكتاب {1} صحيح مسلم وسنن الترمذي {2} صحيح مسلم وسنن أبي داود {3} صحيح مسلم وسنن الترمذي {4} صحيح مسلم وسنن الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {5} سنن الترمذي عن أنس {6} جامع الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {7} مسند أحمد {8} المعجم الكبير للطبراني {9} سنن الترمذي وابن ماجة عن أنس {10} معجم الطبراني عن أبي هريرة {11} سنن أبي داود ومسند أحمد عن معاذ بن أنس | ||
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)