ونحن في أيام ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نرجع إلى صفحات التاريخ ألف وأربعمائة عام وننظر إلى المجتمع الذي فتَّتت أعضائه الأحقاد والأحساد والنّزاعات والشقاق والخلافات وسيطر على أهله الأثرة والأنانية وحب الذات ، كيف تغيّر هذا المجتمع في لحظة واحدة إلى درجة أن الله مدح أهله فقال: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9
كيف تغيَّروا مع أن بين الأمرين بون بعيد؟ كيف تحول الرجل شديد الأنانية والاعتزاز بنفسه والحرص على ذاته إلى رجل يتنكر لنفسه ويُظهر الخير على يدي إخوانه ويؤثرهم ويفضلهم في البر والمعروف على نفسه؟ بدواء بسيط عالجهم به النبي الرءوف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه ، وما أحوج مجتمعنا في هذا العصر وقد عادت الكرَّة فصارت الناس تُمزِّق روابط المحبة التي يجب أن تكون بينهم الأحقاد والنزاعات والتنافس في حطام الدنيا الفاني وحب الرياسة والزعامات والشقاق والخلافات .هكذا صارت الناس ، بل إن هذا التأثير وصل إلى مداه في أجسامهم فتجد الناس قد كثرت أمراض أجسامهم ، لما أصاب قلوبهم مما ذكرناه وليس بسبب أوبئة أو ميكروبات أو جراثيم وإنما مما تعانيه القلوب من بغضاء وكراهية ومن حب الأثرة والأنانية ، يكيدون لبعضهم فإذا لم يُفْلِح الكيد حزن وإذا اشتد الحزن مرض ، فيحسد أخاه على رزق أعطاه له الله ويودّ أن تزول هذه النعمة عن أخيه فإذا أبقاها الله اشتد وجعه وكثر حزنه حتى يتغير طبعه وتتوتر نفسه ويُصاب بالهلع والجزع قلبه كل هذا نراه في مجتمعنا أمراضاً بين الناس وبعضهم ، وأمراضاً في أجساد الناس بسبب تغير القلوب نحو إخوانهم وذوي رحمهم وأقاربهم ومعارفهم وأصدقائهم وزملائهم في الأعمال وفي التجارات ما العلاج؟ أيوجد في الصيدليات علاج لهذه الأمراض؟ أبداً ، هل يوجد فيلسوف أو حكيم ظهر أو لم يظهر يستطيع أن يعالج هذه الأمراض؟ كلا وألف كلا ، لكن الذي عالج هذه الأمراض في طرفة عين هو الذي قال الله في شأنه : {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} آل عمران103 أي تهتدون إلى هذا الحل إذاً حلّ هذا الأمر في يد من؟ في يد شرع الله وفي أحكام دين الله وفي بنود كتاب الله الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي قال في شأنه صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابُتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ ، هُوَ الَّذِي مَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِليْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}{1} فكتاب الله ودين الله وشرع الله هو العلاج لهذه الأدواء ، نريد دواءاً واحداً من كتاب الله لننظر كيف عالج به رسول الله صلى الله عليه وسلم صدور أصحابه؟ هذا الدواء اسمعوه وعوه: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} - ما لهؤلاء؟ - {أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4، 5البقرة إذاً الهداية والفلاح بأمرين اثنين: الإيمان اليقيني بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان اليقيني هوالإيمان الذي يصدِّق به القلب قبل العقل ، فإذا صدَّق القلب لا يعترض على أمر قضاه الله ولا يُنازع في حُكْم حَكم به كتاب الله بل يسلِّم لأمر الله وينفِّذ ما جاء في كتاب الله لأنه يعلم علم اليقين أن ذلك فيه له في الدنيا النجاح، وفي الآخرة السعادة يوم لقاء الله وعلى هذا كان أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم فقد أيقنوا أن أمرهم كلهم في الدنيا ضرب الله له مثلاً لأجسامهم وأبدانهم مَنْ منَّا يملك أو يستطيع أن يغير ملامح وجهه أو طوله أو وزنه؟ أو يغير مدارك العقل ليسموا بالذاكرة إلى مستوى غير ما أوجده عليها الله؟ أو يزيد في أعضائه عضواً عن الآخرين؟ أو يظهر بميزة في جسمه تخالف الناس أجمعين؟ بل مَنْ منَّا اختار لنفسه الزمان والمكان الذي أنشأ ووُجد فيه؟ ومَنْ منَّا اختار قبيلته التي جاء منها؟ ووالديه اللذان كانا سبباً في وجوده؟ وكذلك مَنْ منَّا يختار الساعة التي يخرج من الدنيا فيها؟ لا أحد ، ومَنْ منَّا يستطيع أن يقدِّر لنفسه ماذا يحدث له في غده، ويحدث كما يريد؟ {1} رواه الترمذي عن الإمام عليّ رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه | ||
Islam is religion of peace
الخميس، 8 يناير 2015
الحب عو العلاج الشافى للأمراض
الثلاثاء، 6 يناير 2015
البسمة الطيبة والكلمة الطيبة صدقة
ما أحوجنا إلى الكلمة الطيبة التي جعلها نبينا صدقة وما أحوجنا إلى البسمة الطيبة التي قال فيها نبينا صلى الله عليه وسلم:{تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ}{1}
ما أحوجنا إلى أن ننْبذ الجَفوة والغِلْظة في معاملة إخواننا وقد سمعنا الله يقول لنبينا {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران159 حتى بلغ من معاملته الطيبة صلى الله عليه وسلم هذه الشهادة التي شهدها خادمه أنس بن مالك الذي خدمه عشر سنين وقال في نهاية المدة: {خَدَمْتُ رَسُولَ الله عَشْرَ سِنِينَ فَما قَالَ لِي أُفّ قَط ، وَمَا قَالَ لِشَيءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَه؟ وَلاَ لِشَيءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ؟}{2} ولما أشتد عليه زوجاته في المطالبة بحقوقهن، جمعهن وأمسك بالسواك وقال: {لَوْلاَ الْقِصَاصُ لَأَوْجَعْتُكِ بِهذَا السِّوَاكِ}{3} وهل يوجع السواك في ضربه؟ ومع ذلك فلم يثبت أنه ضرب واحدة منهن مرة واحدة في حياته كلها ، وعندما رأى جارية واقفة تبكى أخذته الشفقة عليها فذهب نحوها وقال: ما يبكيك؟ فقالت: أرسلني أهلى بإناء فوقع من يدي فانكسر ، فأخاف منهم أن يضربوني ، فأخذها صلى وذهب معها إلي أهلها ، وقال لهم: {لاَ تَضْرِبُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى كَسْرِ إِنَائِكُمْ فَإِنَّ لَهَا آجَالاً كَآجَالِكُمْ}{4} آداب عالية وأخلاق راقية ليتنا في هذه الأيام نطالع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنى أعجب لمن يدرسّون علم الاتيكيت ، كيف غاب عنهم هذه الأحوال في سلوك رسول الله؟ وهل يجدون مثله أو ما يشابهه أو ما يقاربه عند غيره؟ كلا ، إنه كما قال حسان بن ثابت رضى الله عنه وأرضاه في شأنه: وأجمل منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء خُلقت مُبرّءاً من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء قال صلى الله عليه وسلم: {أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ ، آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إلاّ تَحْتَ لِوَائِي ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ وَلاَ فَخْرَ}{5} وقال صلى الله عليه وسلم: {مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ}{6} علينا في هذه الأيام أن نطالع الأخلاق المحمدية والأوصاف النبوية ، كلنا والحمد لله قد حفظ سيرته وقد علم مسيرته لكننا جميعاً نحتاج إلى هيئته وإلى حلمه وإلى حنانه وإلى عطفه وإلى شفقته وحنانته وإلى معاملاته صلى الله عليه وسلم للآخرين حتى نحتذى حذوه ونكون خلفه صلى الله عليه وسلم فيكرمنا الله بما أكرمه به من العزة والتمكين {1} رواه الترمذي عن أبي ذر وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي الدرداء {2} رواه أحمد والشيخان والخرائطى عن أنس {3} خرّجه ابن سعد عن أم سلمة {4} أحمد عن كعب عن عجرة {5} رواه أحمد والترمذى وابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى {6} رواه البيهقي من رواية الحسن بن قتيبة، ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة | ||
بداية السير والسلوك
{إذا تقرَّب العبد إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذِراعاً وإذا تقرب إلي ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً وإذا أتاني مشياً أتيتُهُ هَرْوَلَةً}
{1}
كل ما فى الأمر أن تنوى وتبدأ وتستمر وتداوم ولا تكسل فتفتر فتتوقف وربما أوشك الفضل أن يتنزل إليك ولكن النفس تثبط همتك وتقول لم يأتك شيىٌ ولن يأتك فتعود أدراجك من حيث بدأت ، فالله لا يبادئ الكسالى ولا يبادئ القاعدين لكن يبادئ المتذكرين والحاضرين والمتنبهين والمواصلين ، البادئين بداية جد وإيقان رغبة فى الوصول إلى رضاء الكريم الحنان وإلى كمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكمال معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بداية الولاية الخاصة ولا أقول الولاية العامة لماذا؟ لأن المسلمين أجمعين فى مقام الولاية العامة ، فكل مسلم يقول: {لا إله إلا الله محمد رسول الله} له نصيب فى الولاية العامة لكن الولاية الخاصة بدايتها أن يتعرف الإنسان المعرفة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب رجل إلى سيدى أبى الفتح الواسطى فى العراق وقال: يا سيدى: أريد أن أتربَّى على يديك ، فنظر الشيخ إلى الأرض وأطال ، ثم رفع رأسه وقال: أنت لست تلميذى وإنما تلميذ أخى عبد الرحيم القنائى فى قنا فى بلاد مصر - وكانوا صادقين لا يريدون جمع مريدين وإنما يريدون القيام بالكشف الذى سلمه لهم سيد الأولين والآخرين ، وهذا يكفيهم عند الله لأن الله أقامهم فى هذا المقام فسعى الرجل حتى جاء إلى قنا فى صعيد مصر ، ولما وصل إلى سيدى عبد الرحيم القنائى رضي الله عنه - وكان سيدى عبد الرحيم من أصحاب الأحوال الخاصة إذ كان يقول: {لى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتان كلَّ أسبوع ، يأتينى ليلة الإثنين وليلة الجمعة فأعرض عليه كلَّ ما استشكل علىَّ من الأسئلة فيجيبنى عنها جميعاً صلى الله عليه وسلم} وقد ذكر رضي الله عنه هذه الأسئلة فى كتاب مخطوط - نسأل الله أن يُخرجه للنور قريباً إن شاء الله رب العالمين – فلما وصل إليه مريده قال له: يا بنى هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: لا ، قال: فاذهب إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية ، فرجع المريد بلا تكاسل ولا تململ وبعزيمة وإصرار إلى بيت المقدس – من قنا إلى القدس ولم يراجع شيخه بكلمة واحدة- ورجع متعرِّضاً لفضل مولاه ، وفى ذات يوم نام هناك تحت الصخرة – والموجودة الآن بأسفل القبة المعروفة بقبة الصخرة{2} وهى الصخرة التى تعلقت بقدم النبى عندما كان عارجاً إلى السماء فأشار إليها فوقفت بين السماء والأرض لا يسندها شئ حتى بنى تحتها اليهود الأعمدة ليخفوا تلك المعجزة عن الأبصار– قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نوراً وقد أخذ هذا النور يتسع حتى ملأ ما بين السماء والأرض ، فلما أن كان ذلك وبعد هذه الرؤيا رجع إلى شيخه رضي الله عنه فى قنا بصعيد مصر، فقال: يا بنى هل عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم المعرفة الحقيقية؟ قال: نعم، قال: إذاً نبدأ معاً السير إلى الله إذاً فبداية السير والسلوك لخاصة الصالحين هى رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لماذا؟ لأن الطريق إلى الله طريق باطنى وإن شئت قلت طريق معنوى وإن شئت قلت طريق خفى لا يطلع عليه إلا كل صفى ، إذ إلى أين تمشى؟ فإن الله لا تحيزه جهات ولا تشير إليه عبارات ، ومن أين تمشى؟ وما محطة السفر؟ وما محطة الوصول؟ وما بين ذلك؟ وما العقبات التى تواجهك فى خلال ذلك؟ لا يطلع على ذلك إلا من سلك هذا السبيل ، والذى يقول فيه الله وهو نِعم الدليل: {وَأَنَّ هَـذَا} ، صلى الله عليه وسلم ، {صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} الأنعام153 ولذلك لم يقل فامشوا عليه لو كان معناه الطريق المعروف وقد قال الله فى هذا الشأن: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} الأعراف56 ورحمة اسم مؤنث فى اللغة ولكن الله فاجأنا وأدهشنا فقال: {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} فلم يقل "قريبة" ولكن قريب صلى الله عليه وسلم من المحسنين الذين بلغوا مقام الإحسان ؛ فقريب بالمذكر أى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قريب من المحسنين ولكى يمشى الإنسان إلى طريق الفتح الإلهى وطريق الغيب النورانى لابد وأن يأتم بالنبى وأن يأخذ النبى صلى الله عليه وسلم بيده ليسلك به فى هذه الغيوب وإلا فإنه سيتعثر من أول خطوة فى الطريق ولن يستطيع أن يصل إلى أى شئ، وإنما سيقف مع حظه وهواه ، فكانت رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحققين هى بداية السير والسلوك إلى الفتح الإلهى النورانى من ربِّ العالمين عز وجل أما أهل الولاية العامة فإنهم ربما لا يستطيعون الوصول إلى هذا المقام ولكنهم إذا أحبوا بإخلاص حضرة النبى فإن الله يوافيهم بالنبى عند خروجهم من الدنيا ودخولهم إلى البرزخ فيشهدونه صلى الله عليه وسلم عند الختام ، فيكون ختامهم مسك ويختم الله لهم بخير ، ويكون النبى صلى الله عليه وسلم هو المعنى بقول الله: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} إبراهيم27 وحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل التحقيق فى الطريق يعنى الإنشغال بكمالات حضرته وليس إنشغال العوام عندما يتغنون هياماً بالمصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ولا يستحضرون بقلوبهم أوصافه وجمالاته وكمالاته التى جمله بها الملك العلام ، لكن حقيقة الحب للنبى يجعل الإنسان الصادق منا يستحضر الجمالات التى جمل الله بها النبى ويحاول جاهداً أن يتجمل بها فى نفسه وهذا هو سر بلوغ مقام الولاية العظمى {1} صحيح البخارى عن أنس رضي الله عنه {2} مسجد قبة الصخرة هى التى نشر اليهود صوره المشهورة من الخارج على أنها صور المسجد الأقصى ليلفتوا المسلمين عن المسجد الأقصى وهذا خطأ بدأ الناس فى تداركه مؤخراً فمسجد بيت المقدس أو المسجد الأقصى يقع بجوار مسجد قبة الصخرة والمنطقة كلها تسمى بيت المقدس وبها مئات الآثار | ||
السبت، 3 يناير 2015
حقيقة رؤية رسول الله صل الله عليه وسلم
يقول الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: {إن فى القلب طاقة لا يسدها إلا حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم} جعل الله فى قلب كل مؤمن طاقة لا تُسد إلا بحب رسول الله فمن بددها فى حب الدنيا والأهواء والشهوات والحظوظ والملذات تعب فى دنياه وكان غير موفق فى أُخراه لأنه يدخل فى قول الله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الزخرف36
وذِكْر الرحمن فى الحقيقة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول فى كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة9 أى المذكِّر الذى يذكركم بالله وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل الله:(فاسعوا إلى الصلاة) وإنما قال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فذِكْر الله فى الحقيقة هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو المذكِّر الذى يذكرنا بالله وبأيام الله ويذكرنا بما علينا نحو الله ، وبالأيام التى نحن مقبلون عليها من أيام البرزخ والآخرة والسعادة الأبدية فى جوار الله ، هذا المُذكر لابد أن يكون له النصيب الأعظم فى القلوب. وقد حكم صلى الله عليه وسلم - وحكمه نافذ – أنه لا يتمُّ الإيمان إلا إذا كان هذا الحب الموجود لحضرته فى قلوبنا أغلى عندنا وأنفس من نفوسنا ومالنا وأولادنا وكل شئ لنا أو حولنا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم فى ذلك: {لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}{1} ولا يؤمن هنا معناها لا يؤمن الإيمان الكامل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لسيدنا عمر وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِه: {أَتُحِبُّني يَا عُمَر؟ قَالَ: لأنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُل شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبيُّ: الآْنَ يَا عُمَرُ}{2} أى الآن قد وصلت إلى تمام الإيمان وتمام الإيمان يصل إليه الإنسان إذا كان حب النبى العدنان صلى الله عليه وسلم كما وصفنا أغلى عليه من كل غالى فى هذه الدنيا ، وقد ذكر الله ما يشغل الإنسان فى دنياه فى آية عظيمة قال فيها: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ} التوبة24 أى لابد وأن يكون حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب الله أغلى من كل ذلك ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سره قال فيه صلى الله عليه وسلم: {أَحِبُّوا اللّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللّهِ ، وَأحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بحُبِّي}{3} فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزينة التى زيَّنه بها الله والأخلاق الكريمة التى جمَّله بها مولاه والمنن العظمى التى لا تُعد ولا تحد والتى أفاضها عليه مولاه ، فحبه فى الحقيقة هو حب لله وذلك لأننا نحب الأوصاف التى جمَّله بها الله والمنن التى أكرمه بها الله والكمالات التى كمَّله بها مولاه ، إذاً حبه فى الحقيقة حب لله لأن لله المنَّة فى الأولى وفى الآخرة هذا الحب لابد أن ينمو ويزيد حتى يصل الإنسان إلى كمال الإيمان ، فما الدليل على كمال الإيمان: الدليل أن يأتيه النبى العدنان ليبشره بأنه قد استكمل الإيمان ، فرؤية النبى صلى الله عليه وسلم هى البرهان لأهل الإيمان على استكمال الإيمان وعلى بلوغ الإنسان تمام الإيمان إما إذا كانت رؤية رسول الله والإنسان على حال غير مرضية لله ، فرؤية رسول الله فى هذه الحالة هى رؤية هنا منبهة ومذكرة للإنسان لأنه فى حالة معصية أو سهو أو غفلة ، ولكن مثل هذا الإنسان يكون له نصيب من تمام الإيمان مادام أن الذى نبَّهه وأيقظه وأخذ بيده هو رسول الله ، وهذا دليل على أنه سيبلغ كمال الإيمان إن شاء الله. فإذا رأى الإنسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليل على كمال الإيمان ، ولذلك كان من وظيفته التى ذكرها الله فى القرآن: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً{45} وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً{46} وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً{47} الأحزاب وتبشير المؤمنين لم يحدده الله بأنهم المؤمنين فى زمانه وفى عصره وأوانه ولكن المؤمنين إلى يوم الدين ، يبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان ، وقد يتحمل الرجل منا هذا المقام ويبشره حضرة النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو بيننا يمشى ويسعى على الأقدام وقد يتحمل الرجل مقاماً أعظم من ذلك ، فبعد أن يكرمه النبى صلى الله عليه وسلم برؤياه فى المنام يلوح له فى العيان ولكن ذلك لصنف مخصوص خصهم الله بالصفاء الكبير ، وأذكر فى هذا المقام سيدى إبراهيم المتبولى رضي الله عنه - وكان من أهل الجذب الشديد وكانت أمه من الصالحات – وقد حكى لها ما رآه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام ، فماذا قالت له؟ اسمعوا ، قالت له: {يا بنى لا تبلغ مقام الرجولية حتى ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليقظة وليس فى المنام} فما زال يتعرض لفضل الله حتى رآه صلى الله عليه وسلم فى اليقظة عياناً بياناً ، فقالت له أمه عندها: {الآن قد بلغت مقام الرجولية} ولا أقول يجد ويكد ويسعى ، لأن هذا مقام لا يُنال بالجد ولا بالسعى ولا بالكد ولكنه فضل من الله ، والله ذو فضل عظيم وإنما كل ما عليك أن تتعرض لفضل الله ، والتعرض لفضل الله يكون كما قلنا آنفاً - ونعيد بإيجاز لأن هذا الأمر يضل فيه الكثيرون يقولون نوالها بالفضل وليس بالجد أو الكد فيتكاسلون وينامون وينتظرون فضل الله والسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ولكن نوالها بالتعرَّض لسحائب الفضل الهاطلة من سماوات الكرم الربانى والفيض الإلهى: فالتعرض لفضل الله يكون بوضوح ، بتطهير السريرة وتنقية البصيرة حتى تصلح لنزول هذه الأنوار المضيئة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلُّ فى قلب فيه عيب ولا يحلُّ فى روح عبد تعلقت بالفانى ولكن يحل فى القلوب التى خلت من العيوب ويحل فى الأرواح التى تعلقت بطلعة المنعم الفتاح عز وجل ، هل هناك وضوح أكثر من ذلك إذاً التعرض هو أن أطهِّر السريرة وأطهِّر القلب وأجعله صالحاً لهذه الأنوار ونوال الطهارة الكلية على الله ، لكن الله لا يرجو منا إلا النيَّة ، والبداية النيَّة ، والبداية: {إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات}{4} المهم أن ينوى الإنسان نيَّة صادقة وبعد النيَّة الصادقة عليه أن يبدأ ، والباقى يكمله الله ، ويكفينا فرحاً وفخراً وتيهاً وشرفاً قول الله فى الحديث القدسى: {إذا تقرَّب العبد إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذِراعاً ، وإذا تقرب إلي ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً ، وإذا أتاني مشياً أتيتُهُ هَرْوَلَةً}{5} {1} صحيح مسلم عن أبى هريرة {2} عن أَبي عقيلٍ عن جَدهِ، الحاكم فى المستدرك ، جامع المسانيد والمراسيل {3} سنن الترمذى عن ابن عباس {4} صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب ونص الحديث: «إِنَّما الأعْمَالُ بالنِّيات وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى: فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلى دُنْيَا يُصِيبُها أَوْ إِلى امْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إِلى ما هاجَرَ إِلَيه» {5} صحيح البخارى عن أنس http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...D1&id=42&cat=4 منقول من كتاب {السراج المنير} اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً | ||
الحب مفتاح إصلاح المجتمعات
في معمعة هذه الحياة التي نحن فيها الآن والتخبط الذي ساد هذا الزمان والتنكب عن القصد السوي والصراط المستقيم الذي حاد عنه كثير من أهل هذا العصر والزمان ، أصبحنا لا ملجأ لنا ولا منجأ لنا لنخرج من الذل والهوان إلا بالاقتداء والاهتداء والتخلق بأخلاق النبي العدنان صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب21
والله قد خصَّ النبي العدنان بمعجزة باقية على مدى الزمان وهي معجزة القرآن وأعطاه صلى الله عليه وسلم معجزة صالحة لأن يأخذ بها ويتشكل بها ويتخلق بها كل إنسان ، وهي التخلق بأخلاقه الكريمة فإذا كان القرآن معجزة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما سُئلت عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت للسائل: {كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، قَوْلَ اللَّهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}}{1} إذاً خُلُقُه معجزة ، وهذا ما أريد أن أقوله كما أن القرآن معجزة ، فخُلُقُه معجزة ، خُلُقه معجزة تُصلح جميع الأزمنة وجميع الأمكنة وجميع بني الإنسان أفراداً ومجتمعات، وهذا ما نحتاجه الآن ، احتفائنا برسول الله وسرورنا بميلاد سيدنا رسول الله أن نقبل على أنفسنا ونحاول أن نُصلح سبورة إنسانيتنا وننزع منها ونمسح منها الأخلاق التي لا تُناسب أخلاق حضرته ، ونُجملها بالأخلاق والكمالات التي كان عليها صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان ونحن نعلم جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم منه الأقدام وكان يصوم صيام الوصال وكان لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، لا يقوم إلا على ذكر ولا يجلس إلا على ذكر ولا يدخل إلا على ذكر ولا يخرج إلا على ذكر لله ، حتى كانت تنام عيناه وقلبه لا ينام شُغلاً بذكر الله ، ومع ذلك عندما أثني عليه ومدحه الله لم يمدحه بجده واجتهاده في العبادات ، وإنما كما قال الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4 وكما قال ساداتنا الصالحون: فهو أعلى من الخُلُق العظيم، {لَعَلى} أعلى وأرقى وأسمى وأبهى من أي خُلُق عظيم لأي إنسان قويم من بدء البدء إلى نهاية النهايات ، وكما قيل في القراءة القرآنية الأخرى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقِ عَظِيمٍ} خلُق مضاف ، وعظيم مضاف إليه ، أى أنك على خلُق عظيم ، والعظيم هو الله ، أى أنك على خُلُق الله ، فهو صلى الله عليه وسلم كان على خُلُق مولاه ، ولذا ما حلَّت أخلاقه صلى الله عليه وسلم على أقوام إلا وذهبت عنهم الشحناء والبغضاء والخصام وصاروا إخوة متآلفين في مودة ورحمة ووئام على الدوام فنحن نحتاج أولاً إلى التخلق بأخلاق رحمته ثم ننشر بعد ذلك فيمن حولنا أسرار أخلاقه ، وندعوهم إلى ذلك وخاصة أنه لا مخرج لنا من المضايق التي نحن فيه إلا بذلك ، وضرب الله لنا مثالاً في القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم في ضيق مما أحاط به الكافرون دعوته ، ويريدون القضاء عليه وإنهاء دعوته وهو في مكة فهيئ الله له مجتمع الأنصار فتخلص من المضائق ، وبدأت أشعة الدين تخترق قلوب الخلائق ، وبدأ الناس يميلون إلى فضل الله ويدخلون في دين الله أفواجاً ، ما السر؟ وضَّحه الله في أخلاق الأنصار ، بِمَ أثنى عليهم الله؟ وبِم مدحهم الله في كتاب الله؟ مدحهم الله بالنسبة لموقفهم من حَبيبه ومُصطفاه ومدحهم بالنسبة لأخلاقهم فيما بينهم ومدحهم الله في أخلاقهم مع إخوانهم المسلمين أجمعين ، بِم مدحهم؟ {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الحشر9 مدحهم بالحب ، وهل هناك عمل يصلح للقبول عند الله إلا بالحب؟ الكل يعمل والكل يكد والكل يجتهد لكن بِم ينال المرء القبول؟ والمهم القبول وليس العمل ، ولذا قالوا: {العالم يهتم بالقبول ، والجاهل يهتم بالإقبال} القبول يحتاج إلى الحب ، فأي عمل يقدمه الإنسان لله أو لخلق الله أو لنفسه أو لدنياه أو لآخرته أو لزوجه أو لوطنه لا بد أن يكون هذا العمل ناتجاً عن حب قلبي حتى ينال شرف القبول من الله وشرف القبول عند خلق الله: {إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ}{2} لماذا؟ نتيجة الحب ، فالعمل لا يصلح إلا بالحب لله ولرسول الله ولجميع خلق الله ، أما بالنسبة لبعضهم فهذه الغاية التي نرجوا أن يحققها الله لنا وبنا الآن: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} الحشر9 فكان أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم مع بعضهم كما قال الله في شأنهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47 لا يوجد في القلوب بغض ولا حقد ولا حسد ولا حرص ولا شح ولا أثرة ولا أنانية ولا رغبة في شر ولا شماتة في مؤمن ؛ لكن يوجد في القلوب المحبة والمودة والشفقة والعطف والحنان، وحب الخير لجميع الناس، والإيثار الذي مدح الله به الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9 وهذا باب إصلاح المجتمعات {1} مسند أحمد وسنن ابن ماجة. {2} البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه | ||
الجمعة، 2 يناير 2015
أرق وأجمل الأشعار فى فى حب ومناجاة العزيز الغفار
على أبوابكم عبد ذليل ... كثير الشوق ناصره قليل
له أسف على ماكان منه ... وحزن من معاصيه طويل
يمد إليكم كف افتقار ... ودمع العين منهمل يسيل
يرى الأحباب قد وردوا جميعا ... وليس له إلى ورد سبيل
أكون نزيلكم ويضام قلبي ... وحاشا أن يضام لكم نزيل
فإن يرضيكم طردي وبعدي ... فصري في محبتكم جميل
وحق ولائكم وشديد شوقي ... سلوِّي عن هواكم مستحيل
قضيت بحبكم ايام عمري ... فلا أسلوا وهل يسلى الجميل
إلهـي لا تعذبنـي فإنـي ... مقـرٌّ بالذي قـد كـان منـي
ومالي حيلـة إلا رجائـي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظني
فكـم من زلة لي في البرايا ... وأنـت عليَّ ذو فضـل ومنّ
إذا فكرت في قِدمي عليهـا ... عضضت أناملي وقرعت سنـي
يظن الناس بي خيـراً وإني ... لشر الخلـق إن لم تعفُ عنـي
أجن بزهرة الدنيـا جنونـاً ... وأفني العمـر فيهــابالتمنـي
وبيـن يدي محتبـس ثقيـل ... كأنـي قـد دعيـت لـه كأني
ولو أني صدقت الزهد عنهـا ... قلبت لأهلهـا ظهـر المجـنّ
ومالي حيلـة إلا رجائـي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظني
فكـم من زلة لي في البرايا ... وأنـت عليَّ ذو فضـل ومنّ
إذا فكرت في قِدمي عليهـا ... عضضت أناملي وقرعت سنـي
يظن الناس بي خيـراً وإني ... لشر الخلـق إن لم تعفُ عنـي
أجن بزهرة الدنيـا جنونـاً ... وأفني العمـر فيهــابالتمنـي
وبيـن يدي محتبـس ثقيـل ... كأنـي قـد دعيـت لـه كأني
ولو أني صدقت الزهد عنهـا ... قلبت لأهلهـا ظهـر المجـنّ
( أبو العتاهية )
أيا من ليس لي منه مجير ***** بعفوك من عذابك استجير
أنا العبد المقر بكلّ ذنب ***** وأنت السيّد المولى الغفور
فإن عذّبتني فبسوء فعلي ***** وأن تغفر فأنت به جدير
أفر إليكم منك وأين إلاّ ***** إليك يفرّ منك المستجير
( أبو نواس )
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ***** فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يدعوك إلاّ محسن ***** فمن الذي يرجو ويدعو المجرم
أدعوك ربّي كما أمرت تضرّعاً ***** فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلاّ الرجا ***** وجميل عفوك ثمّ إنّي مسلم
( أبو نواس )
إِلـهَنَا: مَا أعْدَلَكْ ***** مِلِيكُ كُلِّ مَنْ مَلَكْ
لَبَّيْكَ، قَدْ لَبَّيْتُ لَكْ ***** لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ
وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكْ ***** مَا خَابَ عَبْدٌ سَأَلَكْ
أَنْتَ لَهُ حَيْثُ سَلَكْ ***** لَوْلاَكَ يَا رَبِّ هَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ ***** وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ
كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَكْ ***** وَكُلُّ مَنْ أَهَلَّ لَكْ
وَكُلُّ عَبْد سَأَلَكْ ***** سَبَّحَ أَوْ لَبَّى، فَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ ***** وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ
وَاللَّيْلَ لَمَّا أَنْ حَلَكْ ***** وَالسَّابِحَاتِ فِي الْفَلَكْ
عَلى مَجَارِي الْمُنْسَلَكْ ***** يَا مُخْطِئاً مَا أَغْفَلَكْ
عَجِّلْ وَبَادِرْ أَجَلَكْ ***** وَاخْتِمْ بِخَيْر عَمَلَكْ
لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ ***** وَالْعِزَّ لاَ شَرِيكَ لَكْ
وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكْ ***** وَالْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكْ
( قيل أن أبو نواس لبى بها في الحج )
إليك إلـه الخلـق أرفــع رغبتي **وإن كنتُ يا ذا المن والجود مجرما
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبـي ** جعلت الرجا منـي لعفـوك سلمـا
تعاظمنــي ذنبــي فلما قرنتـه ** بعفوك ربي كان عفــوك أعظمــا
فما زلت ذا عفو ٍعن الذنب لم تـزل ** تجـود وتعفـو مـنـة ً وتكـرمـا
فلولاك لـم يصمـد لإبليـس عابـدٌ ** فكيف وقـد أغـوى صفيـك آدمـا
فيا ليت شعري هل أصيـر لجنـّــة ** أهنى و أمّا للسعيــر فأندمـا
فإن تنتقم مني فلست بآيس ٍ ** و لو أدخلت روحي بجرم جنّهم
و إن تعف عني تعفوا عن متمرد ً ** ظلوم غشموما قاسي القلب مجرما
ويذكر أيامـا ً مضـت مـن شبابـه ** وما كـان فيهـا بالجهالـة أجرمـا
فصار قريـن الهـّم طـول نهـاره ** أخا السهد والنجوى إذا الليل أظلمـا
يقيـم إذا مـا الليـل مـد ظلامـه ** على نفسه من شدة الخـوف مأتمـا
يقول حبيبي أنـت سؤلـي وبغيتـي ** كفى بك للراجيـن سـؤلا ًو مغنمـا
ألسـت الـذي غديتنـي وهديتنـي ** ولا زلـت منانـا ً علـيّ و منعـمـا
عسى من له الإحسان يغفر زلتـي ** و يستـر أوزاري و مـا قـد تقدمـا
من روائـع الإمام الشافعــي - رحمه الله تعالى
يافاطر الخلق البديــع وكافــلا ... أرزاق من هو صامت أو سائــل
أوسعتهم جوداً فيا مـن عنــده … رزق الجميع سحاب جودك هاطل
يامسبغ البر الجزيــل ومسبــل … العفو العظيم عظيم فضلك وابـل
يا صاحب الإحســان يا مــرخ … لنا الستر الجميل عميم فضلك وابل
ياعـالـم السر الخفي ومنجـز الــ … ــميعاد صدق قد حكاه الفاصــل
يامن على العرش أستوى ياصادق الـ … ـوعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفـاتك ياعظيـم فجـلّ أن … يأتي المشبّه ظالمـا ويشاكــل
حلّت فضائلك العظام فلم تجــد … يحصي الثناء عليك فيها قائــل
الذنب أنت له بمنك غافـر … ما لم يكن شركاً ففضلك حا صــل
يعصيك جم ثم تصفح عنهـــم … ولتوبة العاصي بحلمـك قابــل
رب يربـي العالميــن ببــره … ويزيدهم من فضلـه ويواصـــل
يعطيهمـوا ما أملـوا مـن جـوده … ونوالـه أبـدا إليهـــم واصــل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائمــاً … نعماً وعن شكر لها أنت غافـل
ستر الذنوب وزاد في بذل العطا … مالا تكون لبعضــه تستاهــل
متفضـل أبـداً وأنـت لجــوده … تنسى وتغفـل هـل تعـي ياغافــل
يدنـو وتبعـد ثـم أنــت لفضلــه … بقبائـح العصيـان منـك تقـابـــل
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمـت … طرق السلامة بل قلاك النـازل
وعلمت أن لا منجى ثم تلاحمت … سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست مـن وجـه النجـاة فمالهــا … طرق وقد عظم البلا المتنازل
وقنطت من ضعف اليقين ولم يكن … سبـب ولا يدنـو لهـا متنـاول
يأتيـك مـن ألطافـه الفـرج الـذي … فيه نجاتك ليس يشغـل شاغـل
فـي لحظـــة يأتيـك لطـف فـارج … لـم تحتسـه وأنـت عنـه غافـل
يامـوجـد الأشيـاء مـن ألقى إلـى … أحـد سـواك فــإن ذلـك باقــل
يا طيب الأسماء من يقصــد إلى … أبواب غيرك فهو غر جاهــل
ومن أستراح بغير ذكرك أو رجا … من غيركم فضلا فذاك المائل
ومــن استظـل بغير ظلك راجيـا … أحـداً سـواك فـذاك ظـل زائـل
عـمـل أريـد بـه ســـواك فـإنـــه … عمل يرد على الذي هو عامل
لو صلى ذاك وصام حج فإن ذا … عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيــت فكــل شـئ هـيــن … حسبـي رضاك فـل شئ زائـل
أنت المنى ورضاك سؤلي في الدجى … وإذا حصلت فكل شئ حاصل
أنا عبـد ســوء آبــق كـلٌّ علـى … معبـوده يابئـس مـا أنـا فاعـــل
ولقـد أتى العبـد المســئ ميممـاً … مولاه أوزار الكبائـر حامـــل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسودت … وجهي المعاصي ثم ذا أنا سائل
ما لي سواك ولست أرجو غافراً … صحف العيوب وسترعفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعـي … إذ لم يكن عمـل لـدي يقابــل
ولبست ثوب الخوف منك مع الرجى … ووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو … بة مقلع فيها الشروط كوامل
وارزقـه علمـاً نافعـاً وارزقـه تـو … فيقـاً لما ترضى ففضلك كامل
وافعـل بـه ما أنت أهـل جميلــه … يامـن له اسما حسـان فواضــل
فإذا فعلـت فحسـن ظني صائـب … والظـن كل الظنّ أنك فاعــل
( نسبت للأصمعي ونسبت لغيره )
وأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عَمَّرتُ في الناس أشهد
تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلها أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد
تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلها أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد
( حسان بن ثابت رضي الله عنه )
يامن تحل بذكره ... عقدالنوائب والشدائد
يامن إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
ياحي ياقيـوم يـا ... صمدٌ تنزه عن مضاد
أنت الرقيب على العباد ... وأنت فيالملكوت واحد
أنت العليم بما ابتليـ ... ـتُ به وأنت علي شاهد
إنالهموم جيوشها ... قد أصبحت قلبي تطارد
فرج بحولك كربتي ... يامن له حسنالعوائد
فخفي لطفك يستعان ... به على الزمن المعاند
أنت الميسروالمسبـ ... ـب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجا قريـ ... ـباً يا إلهي لاتباعد
كن راحمي فلقد يئست ... من الأقارب والأباعد
وعلى العدى كنناصري ... لاتشمتن بي الحواسد
يـاذا الجـلال وعافنـي ... مما من البلوىأكابد
وعن الورى كن ساتراً ... عيبي بفضل منك وارد
يارب قد ضاقت بيالأحـ ... ـوال واغتال المعاند
فامنن بنصرك عاجلاً ... فضلا على كيدالحواسد
هـذي يدي وبشدتـي ... قد جئت يارباه قاصـد
فلكم إلهي قد شهدت ... لفيض لطفك من عوائد
يامن إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
ياحي ياقيـوم يـا ... صمدٌ تنزه عن مضاد
أنت الرقيب على العباد ... وأنت فيالملكوت واحد
أنت العليم بما ابتليـ ... ـتُ به وأنت علي شاهد
إنالهموم جيوشها ... قد أصبحت قلبي تطارد
فرج بحولك كربتي ... يامن له حسنالعوائد
فخفي لطفك يستعان ... به على الزمن المعاند
أنت الميسروالمسبـ ... ـب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجا قريـ ... ـباً يا إلهي لاتباعد
كن راحمي فلقد يئست ... من الأقارب والأباعد
وعلى العدى كنناصري ... لاتشمتن بي الحواسد
يـاذا الجـلال وعافنـي ... مما من البلوىأكابد
وعن الورى كن ساتراً ... عيبي بفضل منك وارد
يارب قد ضاقت بيالأحـ ... ـوال واغتال المعاند
فامنن بنصرك عاجلاً ... فضلا على كيدالحواسد
هـذي يدي وبشدتـي ... قد جئت يارباه قاصـد
فلكم إلهي قد شهدت ... لفيض لطفك من عوائد
الخميس، 1 يناير 2015
التآسى بأخلاق رسول الله صل الله عليه وسلم
أراد أحد أحبار اليهود واسمه زيد بن سعنة أن يمتحن النبى صلى الله عليه وسلم ، فذهب إليه كما تحكى الرواية ، فعن عبدُ الله بنُ سَلام قال:
{إنَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى لمَّا أَرَادَ هُدَى زَيْدِ بْنِ سَعْنَةَ ، قَالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إلا وَقَدْ عَرَفْتُهَا في وَجْهِ مُحمَّدٍ حِين نَظَرْتُ إلَيْهِ ؛ إلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ وَلا يَزِيْدُه شِدَّةُ الجَهْلِ عَلَيْهِ إلا حِلْماً ، فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لأنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الحُجُرَاتِ وَمَعَهُ عَليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ، فَأَتاهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كالبَدَوِيِّ ، فقال: يا رَسُولَ الله، قَرْيَةُ بَنِي فُلانٍ قَدْ أَسْلَمُوا، وَدَخَلُوا في الإِسْلامِ، وَكُنْتُ أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا، أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَداً، وَقَدْ أصابهم شِدَّةٌ وَقَحْطٌ مِنَ الغَيْثِ، وَأَنَا أَخْشَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الإِسْلامِ طَمَعاً كما دَخَلُوا فِيهِ طَمَعاً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَنْ يُغِيثُهُمْ بِهِ فَعَلْتَ، قالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إلى رَجُلٍ إلى جَانِبِهِ، أُرَاهُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ سَعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مُحمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْراً مَعْلُوماً مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلانٍ إلى أَجِلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: «لا، يَا يَهُودِيُّ، وَلكِنْ أَبيعُكَ تَمْراً مَعْلُوماً إلى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلَانٍ»، قُلْتُ: نَعَمْ، فَبَايَعَنِي، فَأَطْلَقْتُ هِمَيَانِي، فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالا مِنْ ذَهَبٍ في تَمْرٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلِ كَذَا وَكَذا، قالَ: فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ، وقال: «اعْجَلْ عَلَيْهِمْ وَأَغِثْهُمْ بِهَا» قالَ زَيْدُ بنُ سَعْنَةَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ في جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، ونَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الجِنَازَةِ، دَنَا مِنْ جِدارٍ، فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ، وَنَظَرْتُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ غَليظٍ، ثُمَّ قُلْتُ: ألا تَقْضِينِي يَا مُحمَّدُ حَقِّي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُم بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ بِمُطْلٍ، وَلَقَدْ كَانَ لي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ، قالَ: وَنَظَرْتُ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَعَيْنَاهُ تَدُورَانِ في وَجْهِهِ كالفَلكِ المُستَدِير، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، وقالَ: أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَتَقُولُ لرَسُولِ اللَّهِ ما أَسْمَعُ، وَتَفْعَلُ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ لَوْلا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي هذَا عُنُقَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ إلى عُمَرَ في سكُونٍ وتُؤَدَةٍ، ثُمَّ قالَ: «إنَّا كُنَّا أَحْوَجَ إلى غَيْرِ هذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يا عُمَرُ، فاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صاعاً مِنْ غَيْرِهِ مَكانَ مَا رُعْتَهُ» قَالَ زَيْدٌ: فَذَهَبَ بِي عُمَرُ، فَقَضَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ: ما هذِهِ الزِّيادَةِ؟ قَالَ: أَمَرنِي رَسُولُ اللَّهِ أنْ أزِيدَكَ مَكانَ ما رُعْتُكَ. فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟ قَالَ: لا. فَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سَعْنَة . قَالَ: الحَبْرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، الحَبْرُ، قَالَ: فَمَا دَعاكَ أَنْ تَقُولَ لِرَسُولِ اللَّهِ ما قُلْتَ وتَفْعَلَ بِهِ مَا فَعَلْتَ. فقُلْتُ: يا عُمَرُ، كلُّ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُهَا في وَجْهِ رَسولِ اللَّهِ حِينَ نَظَرْتُ إلَيْهِ إلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْتَبِرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الجَهْلِ عَلَيْهِ إلا حِلْماً، فَقَد اخْتَبَرْتُهُمَا، فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قد رَضيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبالإِسلامِ دِيناً، وَبِمُحمَّدٍ نَبِيّاً، وَأُشْهِدُكَ أنَّ شَطْرَ مَالي - فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالا - صَدَقَةٌ على أُمَّةِ مُحمَّدٍ}{1} ما أحوج الأمة جميعها إلى أخلاق رسول الله الآن ، لو عملنا يا جماعة المؤمنين بقول الرحمن لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب21 لو تأسينا برسول الله فى لغة الخطاب وفى لغة التعامل فى المنزل مع الزوجة والأولاد وفى لغة التعامل مع الجيران وفى البيع والشراء فى الأسواق وفى لغة التعامل حتى مع الأعداء لن يكون بين المسلمين مشكلة واحدة لا فى منزل ولا مجتمع ولا عمل ولا فى سوق لأنه لن ينهى هذه المشاكل إلا الأخلاق النورانية التى كان عليها خير البرية صلى الله عليه وسلم ولذلك لما تولى سيدنا أبو بكر الخلافة عَيَّنَ قاضياً للمسلمين وهو سيدنا عمر – قاضياً واحداً لكل المسلمين فى دائرة واحدة ، ومجلس القضاء فى مسجد رسول الله وليس معه كتبة ولا محامين ولا جهاز من أجهزة القضاء الموجودة الآن وكان الراتب يُدفع من بيت المال فى كل عام مرة ، وبعد عام أراد أبوبكر أن يدفع الراتب للقاضى عمر ، فقال له: أنا لا أستحقه لأنه لم تُعرض علىَّ قضية واحدة طوال العام ، فقال له كيف؟ قال: {إن قوماً آمنوا بربهم واتبعوا نبيهم وجعلوا كتاب الله حَكماً بينهم لا يحتاجون إلى قاضٍ بينهم} وهنا يأتى حديثٌ قصير من أحاديث البشير النذير صلى الله عليه وسلم لو عملنا به لحُلت كل مشاكلنا على مدار أى مكان أو زمان ، قال صلى الله عليه وسلم: {لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأِخِيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ}{2} لو طبق المسلمون هذا فإنه لن يحدث بينهم مشكلة، لأنى لن أرضى لجارى بما لا أرتضيه لنفسى ولن أرضاه لزميلى فى العمل ولن أرضاه للتاجر فى السوق ولن أرضاه لأى أحد من المسلمين وهذا هو أساس الإسلام وهو التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم والتخلق بأخلاقه ، فليس التأسى به فى ظاهر العبادات وفقط أو فى الشكليات ، {قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةً تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا ، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ}{3} مع صلاتها وصيامها هى فى النار ، كيف؟ نعم ، لأن العبادة أدخلتها من الباب وأخرجها آذاها لجيرانها من الباب الآخر إلى النار ، أما باب العبادة الأعظم الذى يحفظ معه العبد من النار ويرقيه العزيز الغفار ، هو : {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} العنكبوت45 إذا لم تنه الصلاة عن الفحشاء والمنكر فتكون كما قال الحَبيب صلى الله عليه وسلم:{مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الله إِلاَّ بُعْداً}{4} فديننا ليس دين عبادات ظاهرة أو شكليات فقط ، وإنما العبادات مع الأخلاق مع المعاملات لابد منهم جميعاً لأن ديننا دين الكمال ، فلا يجب أن نأخذ جانباً ونترك بقية الجوانب بل نأخذ كل الجوانب حتى نكون متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسائرين على هداه وأعظم ثمار العبادات الأخلاق الكريمة ، فإذا لم تؤدِ العبادات إلى الأخلاق الكريمة فهى ليست مقبولة عند الله ، لأنه لو قُبلت العبادات لتغيرت العادات والأخلاق والمعاملات وصارت تبعا لكتاب الله وسنة حَبيب الله ومُصطفاه {1} صحيح بن حبان {2} الصحيحين البخارى ومسلم عن أنس{3} ابن النَّجَّار ، جامع الأحاديث والمراسيل عن أَبي هُريرةَ وتكملة الحديث: {قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةً تُصَلي المَكْتُوبَةَ وَتَصَّدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأُقْطِ وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا ، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ} {4} رواه الطبراني في الكبير | ||
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)