Disqus for ومضات إيمانية

الأربعاء، 5 مارس 2014

النعمة التى ألفت بين القلوب


النعمة المسداة
النعمة المسداة
النعمة المسداة
النعمة التي ألفت بين القلوب ، وجعلت القلوب القاسية إخوانا متحابين , حتي أن الواحد منهم يفضل أخاه في الإيمان علي أخية من الأب والأم ، فهذا سيدنا مصعب بن عمير كان قائدا للمسلمين في غزوة أحد ، وفي غزوة بدر وكان أخوه ما زال كافرا ، فأحد المسلمين أخذه أسيرا ، فمرَّ علي أخيه الذي من الأب والأم ، فقال لأخية المسلم : أمسك به جيدا ، لأن أمة ثرية ، وستدفع فيه أموالا كثيرة ، فأغضب هذا أخاه , وقال : أهذا وصاتك بأخيك ؟ قال له : لست أخي ، ولكن هذا أخي ، والإسلام فرق بيننا ؛ فلم تعد هناك إخوة إلا التي قال فيها ربنا {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} الحجرات10

هؤلاء القوم الذين ألف بينهم ، وجعلهم أحبابا ، وجعل أنصار المدينة يقابلون أهل مكة ، وياخذ أحدهم أخاه ويقول له : هذا بيتي نقسمه نصفين ، وإذا كان غير متزوج ، وعنده زوجتان ، يقول له : انظر أيهما أجمل؟ حتي أطلقها ، وبعد عدتها تتزوجها انت , وهذا المال نصفين , وهذه الأرض نصفين , ما الذي جعلهم يفعلون ذلك؟ رسول الله فهو النعمة التي يذكرنا بها ربنا ويقول لنا : تذكروا بهذه النعمة نعمة الهداية , ونعمة الإيمان , ونعمة الإسلام ونعمة القرآن ، لان سببها النبي العدنان صلى الله عليه وسلم 

ولذلك استمعوا الي الامام الشافعي وهو يصف هذه النعمة فيقول {لم تُمْسِ بنا نعمة ظاهرة ، أو باطنة ، ننتفع بها في الدنيا أو في الاخرة ، أو يدفع بها عنا مكروه فيهما ، أو في واحدة منهما ؛ الا وكان سببها رسول الله صلى الله عليه وسلم}

فلا توجد نعمة أرسلها لنا الله في الدنيا ، أو نعمة جهزها لنا في الآخرة ، أو مصيبة منعها الله عنا في الدنيا والآخرة ؛ إلا بسبب وبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو نعمة لا يستطيع أحد منا أن يعدها ، أو يحصيها ، ولذلك أمرنا أن نتذكرها ، فاذكروا يعني افتكروا هذا الرجل ، وانظروا العطايا التي جاء بها إليكم ، والنعمة التي جاء بها إليكم

ويكفي أن تعرفوا أن كل واحد من الأنبياء السابقين ، ربنا قال له : أنت لك دعوة تدعوها وربنا يستجيب لها في الحال ، وأعطي رسول الله هذه الدعوة فأخذها واحتفظ بها وقال {إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلاَّ وَلَهُ دَعْوَةٌ قَدْ تَنَجَّزَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِني اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي ، شَفَاعَتِي لأمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[1]

فحتي أهل الكبائر يريد أن يشفع فيهم يوم القيامة صلى الله عليه وسلم ، وليس المستقيمين ، فالمستقيمون والحمد لله علي الجنِّة مباشرة ، بعضهم يدخل الجنة بغير حساب ، وبعضهم له سؤال خفيف ويسير ، وأيضا علي الجنة ، لكنه ادخر وخبأ دعوته ليشفع لهؤلاء القوم يوم القيامة ، فشفاعته هنا لأهل الكبائر ، وليس لاهل الصغائر ، أو حتي أهل المعاصي الصغيرة ، بل قال {شَفَاعَتِي لاِهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَتِي}[2]

حتي أن الله سبحانة وتعالي تعجب من رحمة هذا الرسول بنا ، وقال لنا : انتبهوا وأعلموا ان هذا الرجل يحبكم أكثر من آبائكم ، ومن أمهاتكم ، ومن أنفسكم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} الأحزاب6

حتي أنه يحبك أكثر من نفسك ، فلا أحد يحبك أكثر من نفسك الا رسول الله ، ولذلك كان دائما يقول : أمتي أمتي ، لما نزل عليه القرآن ورأي العذاب الذي نزل علي الأمم السابقة {فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبَكَىٰ ، فَقَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَسَأَلَهُ ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللّهِ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ ، فَقَالَ الله: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ}[3]

أي لا نخزيك فيها أبدا ، وكأنه قال له : أريد ضمانا فقال له { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} التحريم8

أي ليس النبي وحده ، مع أن هذا المطلب أخذ سيدنا إبراهيم يدعو ربنا فيه سنين ، ويقول {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} الشعراء87

لم يقل " أمتي " بل أنا وحدي فقط {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89} الشعراء

لكن رسول الله قال له : أنت والذين معك من غير طلب { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} التحريم8



{1} جامع المسانيد و المراسيل ، رواه ابن عباس رضي الله عنهما
{2} مسند أحمد و صحيح ابن حبان عن أنس رضي الله عنه والترمذى عن جابر رضي الله عنه
{3} صحيح مسلم و صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص

http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...DE&id=49&cat=4

منقول من كتاب {حديث الحقائق عن قدر سيد الخلائق}
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً

رحمة الله للعالمين


الرحمة المهداة
لا شك أنه صلى الله عليه وسلم مرسل رحمة للعالمين أجمعين ، سر قوله سبحانه وتعالي {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء107

وأكبر مثل علي تلك الرحمة ، هو أنه صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى سدرة المنتهي ، وكان بصحبته جبريل ، فقال له : آلك حاجة ؟ ، قال: نعم . قال له ماذا تريد ؟ ، قال له : يا رسول الله منذ خلقني الله وأنا أبكي خوفا من غضبه وسخطه ، فأرجو أن تطلب من الله لي الأمان - فهؤلاء القوم الذين لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون ، لماذا يخافون من غضب الله؟ لانهم رأوا واحدا كان طاوسا لهم ، وقد عبد الله إثنتين وسبعين ألف سنة ، فقد ورد فى الأثر {مَا مِنْ مَوْضِعِ شِبْرٍ فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ، إلا وَلإبْلِيسَ فِيهِ سَجْدَةٌ للهِ تَعَالَيَ}

فلا يوجد شبر في السموات ، إلا وسجد فيه سجدة لله ، وبعد عبادة الإثنين والسبعين ألف سنة هذه ، قدَّر الله له أن يعصي الأمر ، فكان عاقبته أن صدر علية القرار الإلهي {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} الأعراف18

وفي الآية الأخري {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ص78

فلما رأي الملائكة هذا المنظر ، خافوا ؛ فهذا رئيسهم وفي لحظة ، عصي أمر الله فطرد من فضل الله ، ومن رضوان الله ، ومن رحمة الله ، فقال له : أنا أريد الأمان ، فأنا منذ هذه الحادثة ، وأنا أبكي ، فأريد أن تطلب لي من الله الأمان ؟ ، فطلب له الرسول صلى الله عليه وسلم الأمان من الله في هذه الليلة ، وفورا نزل قول الله تعالي {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ{195} الشعراء

فعندما نزلت كلمة " أمين " ؛ أخذ الأمان من الله سبحانه وتعالي ؛ فأحبَّ أن يشكر رسول علي هذا الجميل ، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : سأضع جناحي علي الصراط يوم القيامة لتعبر عليه أمتك فلا يتساقطون في النار ، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للكلِّ ، حتى الحيوانات وللطيور ، فلكلِّ شئ نصيب في رحمة رسول الله ، ولذلك قال {إنَّمَا أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ}[1]

فهو رحمة شاملة ، وربنا أمرنا أن ناخذنا نصيبنا من هذة الرحمة ولا نتركه ، فكل واحد منا له نصيب من رحمة رسول صلى الله عليه وسلم ، جزء من هذه الرحمة في الدنيا ، والباقي في الآخرة ، حتي أن الرسول قال {إنَّ اللَّهَ تَعَالىٰ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طِبَاقُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض فَأَهْبَطَ رَحْمَةً مِنْهَا إلىٰ الأَرْضِ ، فَبِهَا تَرَاحَمَ الْخَلْقُ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلىٰ وَلَدِهَا- حتي الحيوانات المتوحشة تجد لها شفقة ورحمة علي أولادها من هذة الرحمة -، وَبِهَا تَشْرَبُ الطَّيْرُ وَالْوُحُوشُ مِنَ الْمَاءِ ، وَبِهَا تَعِيشُ الْخَلائِقُ ، وَإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ إنْتَزَعَهَا مِنْ خَلْقِهِ ، ثُمَّ اقْتَصَرَهَا عَلىٰ النَّبِيِّين ، وَزَادَهُمْ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً}[2]

وفى الحديث {وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً مَا خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً يَتَطَاوَلُ بِهَا إِبْلِيسُ رَجَاءَ أَنْ يُصِيبَهُ}[3]

وهذة الرحمة بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال لنا الله في القرآن تذكروا هذه النعمة ولا تنسوها {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} آل عمران103

نعمة ماذا يارب؟ الاكل؟ أو الشرب؟ أو العينين؟ أو اليدين؟ أو الرجلين؟ أو العقل؟ قال لا ، هذة النعمة {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} آل عمران103


{1} رواه البخاري في التاريخ والأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه
{2} عن سليمان رضى الله عنه فى جامع المسانيد و المراسيل و له روايات عدة بأسانيد مختلف
{3} حامع المسانيد حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

مقام الرسل ومهام الرسالة


مقام الحبيب الله عليه وسلم 13_cur.gifمقام الحبيب الله عليه وسلم 13_cul.gif
أنزل الله تعالي أمة حبيبه وُمصطفاه صلى الله عليه وسلم ببركته وبسببه ، منزلة الرسل في كل مقاماتهم , فكأنه قال تعالي للرسل {إعملوا ولا حرج} لعصمتهم ، وقال لنا {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج78

وأثبت للرسل الشهادة علي الناس يوم القيامة ، و أثبتها لنا {وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} الحج78

وواثق الرسل له صلى الله عليه وسلم ، وأثبت أنه بايعنا بنفسه ، وبين للرسل بطريق الوحي ، وأبقي فينا هذا المقام ، مقام البيان بطريق الالهام{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} النساء83

وأثبت الخيرية للرسل ، وأثبتها لنا {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران110

وهي وظيفة الرسل , فكما أقامهم صلــوات الله عليهم مقامه صلى الله عليه وسلم ، وأقامنا نحن مقامه ، جمل الله الرسل من جماله ، وقد ظفرنا والحمد لله بنسبتنا إليه مباشرة ، فنحن أمته ، وهو رسول الله إلينا ، وبه شرفنا وفضلنا ، وإن قصرت أعمارنا وقلت أعمالنا ، وقد أظهر الله سر قوله تعالي للملائكة {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فينا نحن أمته صلى الله عليه وسلم ، حيث وفقنا لطاعته ، وأشهدنا خفي مشاهد التوحيد ، فنحن نصلي ونستغفر كما أمرنا صلى الله عليه وسلم ، والملائكة أثبتوا لأنفسهم التسبيح والتقديس {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} البقرة30

ونحن نخشي من نسبة القربات إلينا فنستغفر الله منها ، إقرارا بأنه الفاعل المختار ، وأنه تفضل علينا فوفقنا لما يحبه ، فله المنَّة والشكر في أن أقامنا مقام محابه ومراضيه ، ونسب إلينا ما خلقة لنا ، فنخشي أن نغفل عن هذا المشهد ؛ فنستغفر الله تعالي رجوعا إليه ، وطلبا منه أن يستر علينا نقائصنا وجهلنا ، ولم يكن ذلك للملائكة ، وهذا المقام من المقامات التي لا يُنْزِل الله فيها إلا خاصة أحبابه ، من المقربين فوق أهل اليمين ، لم يكن ذلك بجهودنا ولا بكدنا ، ولكن ذلك فضل الله علينا بحبيبه وسيدنا صلى الله عليه وسلم

أما مهام الرسالة فهي تبدأ من وقت نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم ، وهذا المقام يظل محفوظا في أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لقوله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر9

فقد انتسخت شرائع الرسل ، وشريعته باقية لم تنسخ ، ولن تنسخ إن شاء الله تعالي ، وهذا يدل علي بقائه محفوظا فينا , ونعوذ بالله من زمان نفقد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا وتعليما وعملا وحالا ، لقوله سبحانه وتعالي {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} الحجرات7

أما قوله تعالي {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} آل عمران144

فالإشارة بالموت أو القتل هنا ، إلي محمد صلى الله عليه وسلم ، أي الجسد الشريف , أما مقام الرسالة فباق ببقاء الرسالة ، وقد جمعت هذة المهام الآية الكريمة {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} البقرة151

وهي التي دعا له بها سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} البقرة129

فاستجاب الله له ، وزاد الحَبيب صلى الله عليه وسلم صفة خامسة من عنده ، وهي{وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} البقرة151

وسننقل توضيح هذه المهام باختصار وهي كما يلي :

1. علم الآيات :

ويقصد به العلامات الدالة علي قدرة الله ، في الأكوان ، وفي الإنسان , وهي المشار إليها بقول الله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فصلت53

وفي ذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكر لنا عنه علما

2. علم تزكية النفوس :

وهو العلم الذي به تصفو النفس من شوائب الرياء , وعلائق الحقد , وأدران الحسد , وبواعث الحظ والهوي , حتى تنال مقام الإخلاص , ولا تحقق العبادة الغاية منها ؛ إلا بعد تزكية النفس وتصفيتها ، لقول الله {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى{15} الأعلى

وهذا هو الطور الهام الذي جاهد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصحاب ، حتى فطرت نفوسهم علي الصفاء والوفاء , وذلك لمدة إثني عشر سنة , حتى تأهلت النفوس لعبادة حضرة القدوس , فبدأ نزول العبادات بالصلاة في العام الثاني عشر من بعثته صلى الله عليه وسلم ، ثم توالت بعد ذلك بقية العبادات

3. علم الكتاب :

وهو علم الأحكام الشرعية في العبادات ، والمعاملات ، والأخلاق ، والأسر ، والمجتمعات ، والسلم ، والحرب ، وهو ما يسمي الآن بعلم {الفقه}

4. علم الحكمة :

وهو العلم الذي يلهمه الله للإنسان ، فيكون حكيما في تصرفاته بليغا في أحواله وهيئاته , مسددا في أقواله وتحركاته ، حتى يكاد الناس غير الحاسدين والحاقدين ، لا يرون فيه عيبا في أحواله وأفعاله , وهذا نتيجة التوفيق, ولانه عزيز لم يذكر في القرآن كله إلا مرة واحدة وعلي لسان نبي من انبياء الله في قوله تعالي {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود88

وقد أخبر الله أن صاحب الحكمة قد أعطاه الله البر والفضل الكبير ، في قوله {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} البقرة269

5. العلم اللدني أو الوهبى :

وهو ما ينتج عن الإخلاص في تنفيذ الأعمال , والصدق في المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , حيث يفاض علي صاحب هذا القلب علوم وهبية , وأسرار روحانية , لم ولن تسجل في كتاب , وهي من باب قول الله {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} البقرة282

أو من كنز فضل الله المرموز إليه بقوله سبحانه {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} الكهف65

أو فتح وفيض من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ}[1]

وهذا العلم الذي يقول فيه أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه لعلماء الظاهر {أخذتم علمكم ميتا عن ميت , ونأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت ، فنأخذه في أي وقت شئنا} وهذا العلم حقائق صادقة ، تجيش في صدور العارفين ، فينقلونها بأفواههم إلي خاصة المحبين ، كما يقول الإمام علي رضي الله عنه {يحفظونه في صدورهم , حتى يودعونه في قلوب أشباههم وأمثالهم}


{1} رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله عنه
مقام الحبيب الله عليه وسلم 13_cdr.gifمقام الحبيب الله عليه وسلم 13_cdl.gif

شرط التوبة

شرط التوبة أولاً : أن يندم على ما فعل ويشعر قلبه بالوجل والخوف من الله ، وأن يقلع عن الذنب فوراً ، لكن يتوب ثم يرجع للذنب ، إن هذا استهزاء بحضرة الربوبية ، لكن عليه أن يقلع فوراً عن الذنب ويعزم عزماً أكيداً أن لا يرجع إلى هذا الذنب مرة أخرى إذا كان هذا الذنب بينه وبين مولاه

أما إذا كان هذا الذنب حقاً من حقوق العباد فلا بد أن يرده إلى صاحبه إن كان مالاً ، وصاحبه حي أو له ورثة فعليه أن يرده له أو لورثته وإن كان لا يعرف أين ذهب ولا يعرف له ورثة فيتصدق عنه ، وإن كان اغتابه في مجلس فلا بد أن يمدحه ويثني عليه في نفس المجلس حتى تُذهب الحسنات السيئات مصداقاً لقول الله {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} هود114

فكل مجلس قدحه وذمّه فيه يسارع إلى مدحه والثناء عليه فيه ، ليكفر هذا الذنب الذي فعله، وكان الإمام الشبلي رضي الله عنه حاكماً لولاية من ولايات العراق ورزقه الله نضرة الصالحين وأسرار المقربين ، وعندما وافته المنية أخذ يبكي بكاءاً شديداً فسألوه لم تبكي؟ قال : والله ما أبكي لذنب فما فعلت ذنباً قط ، قالوا: إذاً لم تبكي؟...قال: لأني أخذت درهماً غصباً من رجل وأنا في ولايتي ، فبحثت عنه سنين فلم أجده ، فتصدقت عنه بألوف ، ولكني أخــاف أن يطالبني صاحب هذا الدرهم بدرهمه يوم القيامة

وهذه هي أحوال العارفين ، فهل تريد أن تكون من الصالحين و العارفين ، وأنت تأكل حقوق العباد والمساكين هنا وهناك؟ لا يجوز هذا يا إخواني، ولكن يجب أن نمشي خلف رسول الله فإن الحَبيب صلى الله عليه وسلم بذاته وقف قبل المعركة بين أهله وأحبابه وأتباعه وقال لهم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِني قَدْ دَنَا مِني حُتُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرَاً فَهذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِني ، أَلاَ وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضَاً فَهٰذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِني ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالاً ، هذَا مَالِي لِيَسْتَقِدْ مِني}[1]

إذا كان رسول الله الأعظم صلى الله عليه وسلم والذي كان يقول في حديثه الآخر { اللهم إني أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْداً لَنْ تُخْلِفْنِيهِ إنَّما أنا بَشَرٌ فأيُّ المؤمِنِينَ آذيْتُهُ أوْ شَتَمْتُهُ أوْ جَلَدْتُهُ أوْ لَعَنْتُهُ فاجْعَلْهَا لَهُ صَلاَةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ}[2]

ودعاؤه مستجاب ومع ذلك يطلب من إخوانه أن يتحلل وأن يحللوه وأن يسامحوه فما بالنا نحن؟ إن الإقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم في ذلك أوجب علينا لأن حقوق العباد شرط لمحبة رب العباد عز وجل {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة222

وما قلناه الآن هو تفسير الصالحين وهو التفسير الذي ارتضاه الإمام أبو العزائم لقول الله {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} الفرقان70

ما تفسيرهم لهذه الآية؟ هو كل ما قلناه الآن ، فكل سيئة يرجو المرء غفرانها فعليه أن يعمل الحسنة التي بها يتم غفران الله له ، وذلك كما قلنا فإذا اغتاب رجلا في مجلس فعليه أن يثني عليه ويمدحه في نفس المجلس ، ولا يكون ذلك كما يفهم البعض أن يبدل الله السيئات بحسنات دون أن يرد حقوق العباد، فهذا لا يكون ولكن عليه إذا أخذ حقاً من إنسان أن يرد هذا الحق لهذا الإنسان لكي يبدل الله سيئاته بحسنات ، وإذا شتم عبداً يطلب منه أن يصفح عنه وأن يعفو عنه ويسامحه

فعلى الإنسان عند كل ذنب يريد أن يتوب منه أن يحدث له عملا صالح يجعل الله يعفو عن هذا الذنب فيبدل الله سيئاتهم حسنات، لأن البعض يفهم خطأ أن الله يأتي بالصحيفة إذا كان فيها مثلا خمسمائة سيئة يبدلها بخمسمائة حسنة، كيف يكون ذلك؟ لكن أنت الذي تغير {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد11

فإذا أغضبت واحداً واشتكى لحضرة الواحد وتبت وأنبت إلى الله وحججت بيت الله لكنك لم تصلح هذا العبد ولم ترجع إليه ليسامحك ، كيف يبدل الله هذا الذنب بحسنة وهو مصر على حقه؟ لا بد أن تعمل له حسنة تجعله يصالحك ويسامحك والله ينظر إليك فيبدل الذنب بحسنات، لأنك فعلت الحسنات التي بها يتم غفران هذا الذنب عند الله

وعندما يلاحظ التوابون هذه المعاني يلاحظ الواحد منهم نفسه وحركاته وسكناته ، فيعقل كلماته ويقنن أفعاله وحركاته حتى لا يقول كلاماً يغضب الأنام فيتحير في هذا الأمر في الدنيا ويوم الزحام ، ولا يفعل فعلاً لا يستطيع رده ولا مراجعته ، ما الذي يجعل الصالحين يمشون على الصراط المستقيم ؟ أن الرجل منهم يحاسب نفسه على الأقوال وعلى الأفعال وعلى النوايا وعلى الطوايا لأنه إذا استحدث نية سيئة فهذا ذنب ولكي يتوب إلى الله من هذا الذنب {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} البقرة284

فلا بد أن يستحدث نية طيبة لكي يغفر الله النية السيئة الأولى بالنية الطيبة ، وهذا هو حال الصالحين لكن هل بمجرد أن يقول تبت إلى الله ورجعت إلى الله وندمت على ما فعلت تتم التوبة؟ لا ، ولكنها تتم عندما يكون ملف أعماله خالي من أي قضية أو جنحة أو جناية أو ما شابه ذلك

والمؤمنون الصادقون يحاولون دائماً أن يغيروا ما بأنفسهم ، ولذلك إذا نظرت إلى مجاهدات الصالحين تجد فيه العجب العجاب ، لماذا؟ لأنهم يجاهدون في مراجعة الذنوب والعيوب ويحاولون أن يفعلوا الأحكام والأفعال التي يستوجبون بها رضى علام الغيوب عز وجل فيحكموا على أنفسهم بهذه الأعمال لكي يستوجبوا رضا الواحد المتعال عز وجل

وكذلك لكي أتجمل بأحوال الصالحين لا بد على الفور أن أترك أحوال الجاهلين والبطالين والعصاة والمذنبين والغافلين جملة واحدة واقبل على الله بالكلية ، فالعبد الذي يريد أن يحبه الله عليه أن يحاسب نفسه أولاً ويتوب من الذنوب ثم يطهر نفسه من العيوب ويجمل نفسه بجمال الحبيب المحبوب ومن ينظر لعيوبه فلن ينظر لعيوب غيره: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس" ويقيس نفسه بالحبيب

ولذلك فلن يجلس في أي مجلس ويفتش في عيوب إخوانه ، ويقول الإمام أبو العزائم في ذلك: "تبصرك فيما فيك يكفيك" فإذا تاب من العيوب ، وتجمل بجمال الحبيب المحبوب، يحاسب نفسه على الغفلات ، واللحظة التي تمر عليه وهو في غفلة يحاسب نفسه عليها حساباً شديداً ثم يحاسب نفسه على الخطرات ، والخاطر الذي يمر بغير ذكر الله ، يقول فيه ابن الفارض رضي الله عنه :

وإن خطرت لي في سواك إرادة على خاطري نفساً حكمت بردتي

والردة هنا معناها : أن يرجع مرة أخرى لأول الطريق ، فشتان بين مريد يتوب من زلاته ، وبين مريد يتوب من رؤية التقصير في طاعاته ، وبين مريد يتوب من نسبة الطاعات إلى ذاته، وبين مريد يتوب من غفلاته ، ومريد يتوب من خطراته ، وكل هذه اسمها توبة لكن هذه غير هذه


{1} جامع الأحاديث و المراسيل، وَالأَوْسط بنحوِهِ ، وَأَبُو يعلٰى بنَحْوِهِ عَنِ الْفضل بن عبَّاس رَضِيَ الله عَنْهُمَا وإكماله {لاَ يَقُولَنَّ رَجُلٌ إِني أَخْشٰى الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ الله ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي وَلاَ مِنْ شَأْنِي ، أَلاَ وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ ، أَوْ أَحْلَلَنِي فَلَقِيتُ الله وَأَنَا طَيبُ النَّفْسِ ، أَلاَ وَإِني لاَ أَرٰى مُغْنِيَاً عَني حَتىٰ أَقُولَ مِرَارَاً ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ ، وَلاَ يَقُلْ فُضُوحُ الدُّنْيَا ، أَلاَ وَإِنَّ فُضوحَ الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ فُضُوحِ الآْخِرَةِ
{2} مسند الإمام أحمد عن هَمّام بن منبِّه قال: هٰذا ما حدثنا به أبو هريرة

http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...%E5&id=5&cat=2

منقول من كتاب {كيف يحبك الله}
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً


شروط التوبة

توبة الصالحين


التوبة التوبةالتوبة التوبة
من الصالحين من يتوب من نسبة الطاعات إلى نفسه ، لأنه لو رأى نفسه أنه عبد أو فعل ولم ينظر إلى توفيق الله ومعونة الله وحول الله وطول الله ، فهذا ذنب يحاسب عليه الله لأنه أمرنا أن نقول في كل ركعة من ركعات الصلاة مقرين ومعترفين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة5

نستعين على العبادة بقوة الله وحول الله وطول الله فلو تخلى الله بعنايته ومعونته عنا طرفة عين هل يستطيع واحد منا أن يقول سبحان الله؟ من يستطيع بدون معونة من مولاه ، هل يستطيع أن يكيف جهازه ونفسه ويقف بين يدي الله ويتجه إلى القبلة ويستحضر ألفاظ الصلاة وكلمات الحمد لله رب العالمين ويناجي بها مولاه؟ كيف بغير معونة من الله وحول من الله وقوة من الله؟ ولو تُرك الإنسان ومهارته وشطارته وتخلت عنه القوة الإلهية والمعونة الربانية ، ماذا يفعل؟

لن يستطيع أن يفعل قليلاً ولا كثيراً بل إنه لن يستطيع أن يحرك قدماً أو يرفع إصبعاً أو يطرف طرفة أو ينطق اللسان منه بكلمة لأن كل ذلك لا يتحرك إلا بأمر من يقول للشيء كن فيكون ، ولذلك فإن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يعبدون الله بأنفسهم وأنهم هم الذين يعبدون ويطيعون ربما يختبرون يوم الدين في قول الله {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} القلم42

لأنه لا معونة هناك فكيف يسجد؟ وكيف يعبد الله؟ ويلزم للإنسان الذي وصل لأعلى درجات العبادة ، أن يتوب من نسبة العبادة إلى ذاته ومن المباهاة بها ومن الفخر بفعلها لأنه يرى أن الفاعل هو الله ويكفيه شرفاً وفخراً أن الله أجرى عليه حركات العبادات وجعله محلاً للوقوف بين يدي الله فيكفيني فخراً أن يوقفني بين يديه ويوجهني لمناجاته بكلامه أو يأخذني إلى بيته ويهيئ لي الأسباب لأطوف حول حضرته وأنا أطوف حول بيته المبارك ، ماذا لي في ذلك كله إلا معونة الله وتوفيقه ،كل ما ذكرناه هي مقامات في التوبة يتوب منها الصالحون

ومنهم كذلك من يتوب من وجوده بالكلية ، لأن الإنسان إذا رأى لنفسه وجود مستمد من ذاته فقد وقع في شرَك في التوحيد لله ، فنحن نستمد منه القوة ونستمد منه الحياة ونستمد منه القدرة ونستمد منه الإرادة ونستمد منه العلم ، ولولا ذلك ما استطاع واحد منا أن يصنع بنفسه أو بجسمه شيئاً قليلاً أو كثيراً

ولذلك يروى أن رجلاً من العارفين دخل ساحة فضله فوجد إخوانه السابقين في العبادة والطاعة يرون أنفسهم على غيرهم فوقف بينهم عند إقامة الصلاة وقال بصوت ليسمعهم الحقيقة : "بك... لك.... أصلي" ، وبك يعني بقوتك ومعونتك وتوفيقك ، لك أصلي :

علمت نفسي أني كنت لا شيء فصرت لا شيء في نفسي وفي كلي
به تنزه صرت الآن موجـوداً به وجودي وإمدادي به حـولي
ومن أنــا عدم الله جملنيى فصرت صورته العليا بلا نيل


فهناك من يتوب من طاعاته ، وهناك من يتوب عن وجوده ، وهناك من يتوب من شهوده.

وهناك حتى من يتوب من التوبة إذا رأى نفسه هو الذي تاب ومثل هذا يحتاج أن يراجع نفسه بين يدي الكريم الوهاب – ويقول في ذلك رجل للسيدة رابعة العدوية : إني إرتكبت ذنوباً كثيرة فهل لو تبت يتوب الله عليَّ ، قالت: لا بل لو تاب الله عليك لتبت ، قال : وما الدليل؟ قالت: قول العزيز الحكيم { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} التوبة118

كيف يتوب عليهم ليتوبوا؟ وما الذي يجعل الإنسان يتوب إلى الله؟ إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ، فالخواطر التي تتوارد على القلب من الذي يرسلها ويمررها عليه؟ هو الله فإذا مرر على قلبي خواطر طيبة شعرت بها أنني قصرت أو أنني أخطأت أو أنني غفلت هنا تتحرك نفسي ويتحرك جسمي للرجوع إلى الله والتوبة إلى الله ، إذاً الفضل في هذه التوبة لمن؟ لمن أورد عليَّ الخواطر الإلهية التي أشعرتني وجعلتني أجزم أنني غير طبيعي وأنه يجب عليَّ أن أرجع إلى الله

إذاً البداية من الله ، لكن هل أنا الذي آتي بالخواطر إلى قلبي وأمررها عليه ، إن الخاطر من الله وكم في الوجود من يرتكب الذنوب ويفتخر بها بين أقرانه ويرى أنها ليست عيوب بل أحياناً يتباهى بها ويتفاخر بها بين الأنام وهذا لشدة غضب الله وسخطه عليه، ولذلك قال حبيبي وقرة عيني صلى الله عليه وسلم{يَا أَبَا ذَرَ إِنَّ المُؤْمِنَ يَرٰى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ تَحْتَ صَخْرَةٍ، يَخَافُ أَنْ تَقَعَ عَلَيْهِ، وَالْكَافِرُ يَرى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ ذُبَابٌ يَمُرُّ عَلى أَنْفِهِ}[1]

فالثاني لم يتوب؟ فإنه لا يرى ذنبه أما الأول قد لا ينام ولا يذوق طعام ولا يشعر بأي حلاوة على مدى الأيام ، إذا قال كلمة أحزنت شخصا حتى يعلم أن هذا الشخص قد رضي عنه ، أو أخذ حقاً من عبد من عباد الله ولم يرده إليه ، ما الذي يشعر القلب بالوجل والخوف؟ الله عز وجل هو الذي يقول {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس8
هو الذي يورد هذه الموارد على النفس



{1} جامع الأحاديث و المراسيل والديلمى عن أَبي ذَرَ رضى الله عنه ، وتمامه ((يَا أَبَا ذَرَ كُنْ لِلْعَمَلِ بِالتَّقْوٰى أَشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكَ بِالْعِلْمِ، يَا أَبَا ذَرَ إِنَّ الله إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً جَعَلَ الذُّنُوبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُمَثَّلَةً ._ الحديث أعلاه._ ، يَا أَبَا ذَرَ لاَ تَنْظُرْ إِلٰى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَلٰكِن انْظُرْ إِلٰى عِظَمِ مَنْ عَصَيْتَ، يَا أَبَا ذَرَ لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ أَشَدَّ مِنْ مُحَاسَبَةِ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، فَيَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ، وَمِنْ أَيْنَ مَشْرَبُهُ، وَمِنْ أَيْنَ مَلْبَسُهُ؟ أَمِنْ حِلَ ذٰلِكَ، أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟».
التوبة التوبةالتوبة التوبة

ما معنى :إنه ليغان على قلبى ؟

معنى ليغان قلبىمعنى ليغان قلبى
احتار أحد الصالحين في أمر النبي المختار لما تحدث عن نفسه وقال {إنَّهُ لَـيُغَانُ علـى قَلْبِـي، وإنِّـي لأَسْتَغْفِرُ الله فـي الـيومِ مِائَةَ مَرَّةٍ}[1]

قال: نمت وأنا في حيرة من هذا الحديث وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه في المنام ويقول له :غين الأنوار لا غين الأغيار يا مبارك

ما هو غين الأنوار؟ سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم في كل نفس له درجات ومقامات لا يعلمها إلا رفيع الدرجات عز وجل فكلما ارتقى إلى مقام رأى أن المقام الذي كان فيه كان غواش أو حجاب حجبه عن الله أو عن جمال من جمالات الله أو عن كمال من كمالات سيده ومولاه فيتوب من المقام الذي كان فيه عندما يدخل هذا المقام الذي يقيمه مولاه عز وجل فيه

إذاً فإنه لا يتوب من الذنوب أو من الأوزار أو من الغفلة ، وهل غفل عن الله طرفة عين أو أقل؟ لم يحدث ، حتى ما حدث له في الصلاة لم يكن نسياناً أو سهوا بمعنى النسيان والسهو المتعارف عليه والموجود في أذهان كثير من الخلق، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في شأنه {إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ}[2]

لماذا؟ ليسَّن لنا سجود السهو لأنه لو لم يحدث فممن سنتعلم سجود السهو إذا لم يفعله سيد الأولين والآخرين؟ وهو الذي قال {صلُّوا كما رَأَيْتُـمُونـي أُصَلِّـي}[3]

فسهوه ليس كسهونا وإنما كما قال الرجل الصالح :

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل لاه
قد غاب عن كل شيء سره فسهى ... عما سوى الله فالتعظيم لله


سها عما سوى الله – سها بجمال مولاه عن جميع خلق الله وهو العبد الأكمل الذي لا يغيبه الجمال ولا الكمال عن الخلق طرفة عين ولا أقل لأنه مقام الحبيب الأكمل ، ومثلنا قد يغيب عن الله لحظات ، وليس هناك ما يمنع ذلك ، لكن رسول الله مقامه مقام العبد الأكمل الفارق الجامع فمع الخلق يرونه في وسطهم كأنه أحدهم ، ومع الحق لا يغيب عن حضرته طرفة عين ولا أقل ، لأنه صاحب المشهدين وصاحب المقامين وصاحب العينين ، ولذلك يقول [COLOR="SeaGreen"]صلى الله عليه وسلم[/COLOR] {مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّـمُ عَلَـيَّ إِلاَّ رَدَّالله عَلَـيَّ رُوحِي ، حَتَّـى أَرُدَّ عَلَـيْهِ السَّلاَمَ }[4]

من أين يردها؟ من الحضرة ، لأنها في السدرة مشغولة بالحضرة ، ولا يوجد نفس إلا وهناك مسلمين يسلمون على سيد الأولين والآخرين إذاً هو في حضور تام مع الحق وفي تواصل تام مع الخلق لأنه الإمام الجامع الأعظم صلى الله عليه وسلم لا يبغي هذا على ذاك ولا ذاك على هذا {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ{19} بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ{20} الرحمن

فهو البرزخ الذي جمع الله فيه البحرين ، بحر الحقيقة وبحر الشريعة فهو في اكمل التواصل مع مولاه وهو كذلك مع خلق الله يرونه كأحدهم حتى يقول قائلهم {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} الفرقان7

{أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ} القمر24

إنه لا يختلف عنا في شيء في حين أنه لا يغيب عن مولاه وعن جمال وكمال مولاه بعين بصيرته طرفة عين ولا أقل وهذا هو الكمال الأعظم الذي كان عليه الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم والكمال لانهاية له وكلما ارتقى في درجات الكمال وفي مقامات الوصال من لدن الواحد المتعال ينظر إلى الدرجة التي كان فيها فيستغفر الله منها ويتوب إلى الله من رؤيتها أو الوقوف عندها عن حضرته عز وجل لأنه كما قال الله في شأنه {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} النجم17

وبمعنى بسيط فلم يشغله مقام عن الله طرفة عين ولا أقل ، فيتوب إلى الله ويستغفر الله تنزيهاً لله أن يكون المقام الذي كان فيه شغله عن مولاه طرفة عين لأنه لا ينشغل إلا بالله في الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم


{1} سنن البيهقى الكبرى عن الأَغَرِّ الـمُزَنِـيِّ ورواه مسلـم فـي الصحيح عن يحيـى بن يحيـى وأبـي الربـيع الزهرانـي
{2} موطأ الإمام مالك (222)
{3} رواه البخاري فـي الصحيح عن مـحمد بن الـمُثَنَّى عن عبد الوهاب ، و عن أبي سلـيـمانَ مالكُ بن الـحويرث فى سنن البيهقى الكبرى
{4} الفتح الكبير ، عن أبـي هريرة. و أبو داوود و البيهقى فى الدعوات المبير
معنى ليغان قلبىمعنى ليغان قلبى

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك

مقام المحبة



خرج صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يتحدثون عن أنبياء الله السابقين ، وكان أصحابه ملهمين ، فما تحدثوا به هو الحقيقة التي اختارها الله ونزلت في كتابه المبين فقال بعضهم {عَجَباً إنَّ الله عز وجل اتّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلاً اتَّخَذَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَليِلاً وَقالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلاَمِ مُوسَى كَلَّمَهُ تَكْلِيما وقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَة الله وُروحُهُ. وَقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ الله - فسمع الحبيب وهو في داره هذا الحوار فانشرح صدره وارتاح فؤاده لأنه علم أنهم يستكنهون الغيوب ويستلهمون العلوم من حضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ وهذا هو المطلوب فخرج عليهم فَسَلَّمَ وقال صلى الله عليه وسلم : وَقالَ: «قَدْ سَمِعْتُ كَلاَمَكُمْ وَعَجَبَكُمْ. إنَّ إِبْرَاهِيمَ خَليلُ الله وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ الله وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ الله وَكَلِمتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وآدَمُ اصْطَفَاهُ الله وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلاَ وَأَنَا حَبِيبُ الله وَلاَ فَخْرَ}[1]

فمقام المحبوبية أغلى ما نحرص عليه ، وأثمن ما نقدم كل غالٍ وكل ضنين في سبيله ، لأننا نتمنى جميعاً أن نفوز بمحبة الله حتى نكون من أهل وراثة حبيب الله ومُصطفاه صلى الله عليه وسلم ومن فضل الله علينا ومن كرم الله لنا أجمعين أن الله فتح لنا أبواباً لا عد لها ، كل باب منها إذا دخله الإنسان وصدق فيه يكون نصيبه أن يحبه الله والذي يريد أن يحبه الله ، ماذا يفعل؟

هناك أبواب كثيرة لذلك ، لكن الباب الأعظم والذي عليه المدار والذي هو أُسّ حياة الصالحين والأخيار والأبرار فلا يستغني عنه واصل ولا يستطيع أن يتركه عارف أو متمكن ، هذا الباب يقول فيه الكريم الوهاب عز وجل {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة222

هذا هو الباب : أن يكون من التوابين أو من المتطهرين لأنه كلام الله وقد بدأ الله كلامه بـ "إن" للتأكيد وإن كان كلام الله كما نعلم جميعاً هو كلام أكيد لأنه كلام الحميد المجيد عز وجل " التوابين والمتطهرين" ومن لطف الله بنا وإكرامه لنا أنه لم يقل أن الله يحب التائبين لأن كلمة التائبين تعني أن التوبة مرة واحدة ويُغلق الباب ، لكن " التوابين" بصيغة المبالغة معناها أن باب التوبة مفتوح

فكلما أذنب العبد ورجع إلى الله وجد الله فرحاً به ويخلع عليه ثياب محبته ، المهم أن يدّثر دائماً بلباس التوبة ، والظالم لنفسه هو الذي يظن أنه تجاوز مقام التوبة ولم يعد له نصيب في التوبة فيشتغل بأمر آخر ولا يرجع للتوبة ، والتوبة لا تفارق أي مقام ولا أي درجة ومنزلة لأن الحبيب الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول فيها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَغْفِرُوا الله وَتُوبُوا إِلَيْهِ ، فَإني أَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ}[2]

وأرجو أن يلفت إخواني أنظارهم إلى هذا الحديث ويفهموه بعقل حثيث ، فإن أغلب الخلق فهموا من الحديث أن يستغفر الله في اليوم مائة مرة ، والحديث لم يشر إلى ذلك فقط ماذا قال حبيبي وقرة عيني صلى الله عليه وسلم؟

اسمعوا وعوا : أيها الناس توبوا إلى الله – وهذا شق- واستغفروه – وهذا شق آخر- ثم بين فعله وحاله فقال : فإني أتوب إلى الله – وهذا شق- وأستغفره في اليوم مائة مرة ، فالتوبة غير الاستغفار ، لأن الاستغفار عمل من أعمال الجوارح أو من أعمال القلب يتوجه به العبد إلى مولاه ، يستغفر الله وله بكل استغفار عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ويزيد الله لمن يشاء ، لكن التوبة لها أركانها ولها أحوالها ولها جمالاتها التي يجب على التائب أن يتجمل بها ليحبه الله ، فإن الله لم يقل إن الله يحب المستغفرين وإنما قال {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} البقرة222

صحيح أن التوبة في كل مقام من مقامات السير والسلوك إلى حضرة الله لها معناها ولها أحوالها ولها متعلقاتها لكنها توبة ، فمن الناس من يتوب من سيئاته ، ومن الناس من يتوب من طاعاته ، ومنهم من يتوب من غفلاته ، ومنهم من يتوب من وجوده ، ومنهم من يتوب من شهوده ، أحوال عالية ومقامات راقية ، والتوبة لا تفارق كمل العارفين طرفة عين ولا أقل ، حتى المقام الأعظم الذي فيه الحبيب الأكرم يبين سر هذه التوبة التي يتوبها فيقول صلى الله عليه وسلم في مقامه {إنَّهُ لَـيُغَانُ علـى قَلْبِـي، وإنِّـي لأَسْتَغْفِرُ الله فـي الـيومِ مِائَةَ مَرَّةٍ }[3]

وهذا حديث آخر غير الحديث الأول يبين لماذا يتوب ، إني ليغان على قلبي فاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة: أحد الصالحين قال: تحيرت في هذا الحديث وقلت في نفسي وما الغين الذي يغان به على قلب رسول الله؟ وكلمة الغين يعني الغطاء ، فنحن قد يغطي على قلوبنا الشهوات أو الحظوظ والأهواء أو الأوزار فقد بين الحبيب حالنا وقال في شأننا {إِنَّ الـمؤمنَ إِذَا أَذْنَبَ ذنباً كانتْ نُكْتةً سوداءَ فـي قَلْبِهِ ، فَإِنْ تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ مِنْهَا قَلْبُهُ ، فَإِنْ عادَ زَادَتْ حَتَّـى يَعْلَقَ بِهَا قَلْبُهُ ، فذلكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ الله فـي كِتَابِهِ }[4]
يعني الغطاء ، ثم تلى قول الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ{14} كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ{15}المطففين

فالران أو الغطاء الذي على قلوبنا سببه الذنوب كلما أذنب العبد ذنباً كان نكتة سوداء على قلبه ، ونكتة مع نكتة مع نكتة يكون الران أو الغطاء فيحجب العبد عن أنوار ذي الجلال والإكرام ، فيكون في الغفلة أو في وادي التيه أو في أرض القطيعة أو في مهاوي العصيان ، المهم أنه يكون في بعد عن حضرة الرحمن ، لأن الوصلة التي بينه وبين مولاه غطاها بالذنوب التي ارتكبتها نفسه ولم يتب منها إلى حضرة الله في هذه الحياة ، لكن رسول الله ليس له ذنوب والله هو الذي شهد بذلك وقال في كلامه المكتوب {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الفتح2

فاحتار الرجل الصالح ما الذي سيتوب منه رسول الله؟ فالصغار يتوبون من الذنوب ، ومن تاب وأناب وسلك طريق الأوبة إلى حضرة التواب وأخذ يتعبد ويتقرب بالنوافل لمولاه ، قد يتوب من تقصيره في الطاعات ، فلا يوجد من يستطيع أن يعبد الله حق عبادته حتى الملائكة الذين خلقهم الله فمنهم الراكع أبدا ومنهم الساجد أبدا ومنهم الذاكر سرمداً ، يقوم الساجدون يوم القيامة من سجدة واحدة منذ أن خلقهم الله وهم سجود فيها ، فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فمن منا يا إخواني من يعبد الله حق عبادته؟

إذا فهو يتوب من التقصير كحال أصحاب البشير النذير صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عنهم وقال في شأنهم {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ{17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{18} الذاريات

يستغفرون من رؤية التقصير في الطاعات لأنهم رأوا أنفسهم لا يستطيعون الإخلاص كل الإخلاص ولا الصدق كل الصدق ولا التوجه بالكلية بحضور الأرواح والقلوب والأجسام والهمم كلها في مناجاة رب البرية عند طاعته وعبادته عز وجل ومن يستطيع ذلك

أحد الصالحين وقع في ذنب فخرج سائحاً في صحراء المقطم وهو يردد ويقول :

من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط

فسمع قائلاً يقول:

محمد الهادي الذي ... عليه جبريل قد هبط

فلا يوجد غيره صلى الله عليه وسلم لكن الباقين كلهم ذنوب وعيوب وظلمات وأوزار



{1} سنن الترمذى ، عن ابن عباس .وتمامه (وأنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ الله لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ وَلا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ وَلاَ فَخْرَ )
{2} جامع الأحاديث و المراسيل ، عن أَبي بردةَ عن الأَغر
{3} سنن البيهقى الكبرى عن الأَغَرِّ الـمُزَنِـيِّ ورواه مسلـم فـي الصحيح عن يحيـى بن يحيـى وأبـي الربـيع الزهرانـي
{4} صحيح ابن حبان عن أبي هريرة