Disqus for ومضات إيمانية

الأحد، 8 ديسمبر 2013

طعام أهل الكتاب


بسم الله الرحمن الرحيم

يجدر بنا أن نشير إلى أن قول الله {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} المائدة5
كلمة عامة تشمل كل طعام لهم : ذبائحهم وحبوبهم وغيرها فكل ذلك حلال لنا ما لم يكن محرّما لعينه كالميتة والدم والمسفوح ولحم الخنزير فهذه لا يجوز أكلها بالإجماع سواء أكانت طعام كتابي أو مسلم

وقد ذهب الدكتور/ يوسف القرضاوى إلى قاعدة عظيمة في هذا الأمر فقال {قاعدة : ما غاب عنا لا نسأل عنه وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه : كيف كانت تذكيته؟ وهل استوفت الشروط أم لا؟ وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر؟ بل كل ما غاب عنّا مما ذكّاه مسلم ولو جاهلا أو فاسقا أو كتابي فحلال أكله

وقد ذكر من قبل حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا {إِنَّ قوماً يَأتونَنا باللحمِ لا نَدْري أذَكَروا اسمَ الله عليهِ أم لا؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : سَمُّوا الله عليهِ وكُلوهُ}

وقال العلماء في هذا الحديث هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حال الصحة والسلامة حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان}[1]

حكم المضطر

للمضطر أن يأكل من الميتة ولحم الخنزير وما لا يحلّ من الحيوانات التي لا تؤكل وغيرها مما حرّمه الله محافظة على الحياة وصيانة للنفس من الموت والمقصود بالإباحة هنا وجوب الأكل لقوله تعالى {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} النساء29

وحدّ الضرورة أن يبقى يوما وليلة لا يجد فيهما ما يأكل أو يشرب ولو كان مملوكا للغير فإن كان مضطرا ووجد طعاما مملوكا للغير فله أن يأكل منه ولو لم يأذن صاحبه به غير أن المضطر لا يتناول من الميتة إلا القدر الذي يحفظ به حياته ويقيم أوده

أكل الحيات والأفاعي والحشرات

يحكى صاحب الفقه الواضح عن مالك وابن أبى ليلى والأوزاعى جواز أكل الحيات والأفاعي والعقارب والفأر والقنفذ والضفدع إذا ذكّيت وحجتهم في ذلك قول ابن عباس وأبى الدرداء {مَا أحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وقالت عائشة في الفأرة: ما هي بحرام وقرأت {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} الأنعام145[2]

وإن كان الشافعي وأبو حنيفة وابن شهاب وعروة من علماء المدينة لا يجيزون أكل كل شيء من خشاش الأرض وهوامّها مثل الحيّات والأوزاغ والفأر وما أشبهه وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله ولا تعمل الذكاة عندهم فيه} ويستندون إلى قوله صلى الله عليه وسلم {خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: العَقْرَبُ وَالحِدَأَةُ وَالغُرَابُ وَالفَأْرَةُ وَالكَلْبُ العَقُورُ}[3]

أكل الطيور

ما أنواع الطيور التي يحلّ أكلها؟ والتي لا يحل أكلها؟

الطيور التي يجوز أكلها كثيرة: كالحمام والدجاج والبط والأوز والسمان والقنبر والزرزور والقطا والكركى والكروان والبلبل وما إلى ذلك ويحرم أكل كل ذي ظفر يصطاد به كالصقر والنسر والعقاب والباز والشاهين ونحو ذلك وذلك لما روى عن ابن عباس قال{نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَعنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ}[4]

المحلل والمحرم من البهائم

يجوز أكل جميع أنواع البهائم كالإبل والبقر والجواميس والضأن والماعز والظبي وبقر الوحش والأرنب وما إلى ذلك كالحمر الوحشية وغيرها ويحرم أكل كل ذي ناب يسطو به على غيره من سباع البهائم كالأسد والنمر والذئب والدب والفيل والفهد والنمس والكلب والهر {القط} وذلك لما يرويه مالك في الموطّأ عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {أَكْلُ كُلِّ ذي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ}[5]

وكذلك يحرم أكل الحمر الأهلية والبغال لما ورد عن جابر رضي الله عنه قال
{فَنَهَانَا رسولُ الله يومَ خَيْبَرَ عن البغالِ والحميرِ ولم يَنْهَنَا عن الخيلِ}[6]

حكم الجلاّلة

والجلاّلة هي التي تأكل العذرة من الإبل والبقر والغنم والدجاج والأوز وغيره حتى يتغير ريحها وقد ورد النهى عن ركوبها وأكل لحمها وشرب لبنها وتناول بيضها إذا تغيّر ريحها لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {نَهَى رسولُ الله عن الجَلاَّلَةِ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا ويُشْرَبَ لَبَنُهَا ولا يُحْمَلَ عَلَيْهَا} وفى رواية {نهى عن ركوب الجلاّلة}[7]

وذلك إلا حبست بعيدة عن العذرة وعلفت طاهرا فطاب لحمها وتزول الكراهة بحبسها أربعين يوما في الإبل وثلاثين يوما في البقر وسبع في الشّياه وثلاثة في الدجاج

حكم الأكل والشرب ماشيا وقائما 

يباح للمسلم أن يأكل ويشرب قاعدا وقائما وماشيا ويكره له أن يأكل متكأ أو مضجعا أو مستلقيا على ظهره أو على بطنه إلا إذا كان مضطرا إلى ذلك كأن يكون مريضا أو نحوه وذلك لما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما {أَنَّ النَّبِيَّ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ مِنْ دَلْوٍ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ}

وفى البخاري عن علىّ أنه {ثُمَّ أُتِىَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهْوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا وَإِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ}

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال {رأيْتُ رَسولَ الله يَشْرَبُ قَائِماً وقاعداً}[8]

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال {كُنَّا نَأَكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ الله وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ}[9]


[1] الحلال والحرام صـ64 [2] الفقه الواضح (الجزء الثاني) صـ396 [3] رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها [4] سنن أبى داوود عن ابن عباس رضي الله عنهما [5] صحيح ابن حبان عن أبي هريرة [6] مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه [7] الأول رواه الخمسة إلا ابن ماجه والحديث الثاني رواه أبو داود [8] رواه الترمذي [9] رواه أحمد وابن ماجه والترمذي 


http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...2&id=128&cat=2

منقول من كتاب [مائدة المسلم بين الدين والعلم]
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً


من هو الداع الحكيم ؟

إن الداعي إلى الله عزوجل
 على حكمة من أمره وبصيرة من ربه، هو الذي يجمِّله الله بلسان البيان، وأخلاق القرآن، ورحمة النبي العدنان
 وعلوم أهل الأذواق والعرفان،
 وفي هؤلاء الدعاة الحكماء يقول أبو العزائم رضى الله عنه :
{ لهم حال مع الله يجذب الكافر والنافر، فما بالك بالمؤمن المطيع ! }
ويقول الإمام أحمد ابن عطاء الله السكندري رضى الله عنه  في حكمه:
{ تسبق أنوارهم أقوالهم، فتجذب القلوب، وتؤهّلها للسماع المطلوب.}،
ويقول أيضاً: { حالُ رجلٍ في ألف رجلٍ؛ خيرٌ من كلام ألف رجلٍ في رجلٍ واحد }،
 ويضيف أيضاً  مبيناً سبب إقبال الخلق عليهم:
{ كُلُّ كلام يَبْرز وعليه كسوةٌ من نور القلب الذي خرج منه }
وفي هذا أيضاً يقول الإمام أبو العزائم رضى الله عنه : { إذا كان الكلام عن النور حدثَ لسامعيه السرور }،
 والمنهج الذي يبنى عليه هذا الداعي الحكيم دعوته من بعد تحصيل العلوم الأساسية اللازمة له من علوم الشريعة،
 وعلوم القرآن الكريم ، وعلوم الحديث النبوى والسيرة النبوية ولغة العرب؛ يبنيها على أمور:

أولاً: ... أن يجعل الإخلاص لله رائده في كل قول أو حركة أو سكنة؛ فيطلب العلم أولاً ليعمل به في نفسه؛ رغبة فيما عند الله عزوجل ، ويَجعل نَصب عينيه قوله صل الله عليه وسلم  :
{ مَنْ غَدَا يُرِيدُ الْعِلْمَ يَتَعَلَّمُهُ لِلَّهِ، فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بَاباً إلَى الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ أَكْنَافَهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلاَئِكَةُ السَّموَاتِ،
 وَحِيتَانُ الْبَحْرِ، وَلِلْعَالِمِ مِنَ الْفَضْلِ عَلَى الْعَابِدِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ،
وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، وَلكِنَّهُمْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ،
 فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةٌ لاَ تُجْبَرُ وَثُلْمَةٌ لاَ تُسَدُّ وَهُوَ نَجْمٌ طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ }  .
وليحذر مما حذَّر منه الرسول صل الله عليه وسلم فى قوله :
{ لا تَتَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ العُلَمَاءَ وَلِتُهَادُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ } 
ثانياً: .. أن يبدأ الداعى الحكيم البصير بنفسه أولاً ثم بأهله  ثانياً، ثم الأقرب فالأقرب،
عملاً بقوله صل الله عليه وسلم: { إبْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } ،
 وأن يجعل الداعية الحكيم ديدنه دائماً وأبداً ، قول الإمام علىّ رضى الله عنه  ،
 وقيل قول أبى الأسود الدؤلى تلميذه، ونسب بعضهم لإبن السماك
 وفى ذلك لطيفة وردت أن ابن السماك وعظ يوماً فأعجبه وعظه، ولما رجع إلى منزله ونام،
 سمع قائلاً يقول هذه الأبيات، فانتبه! وأقسم على نفسه أن لا يعظ شهراً، وهى:
يَأَيُّهَا الرَّجُلُ المُعَلِّمُ غَيْرَهُ
            هَلاَّ لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي الْسِّقَامِ وَذِي الْضَّنَى
            كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأنْتَ سَقِيمُ

وَنَرَاكَ تُصْلِحُ بِالْرَّشَادِ عُقُولَنَا
               أَبَدَاً وَأَنْتَ مِنَ الْرَّشَادِ عَدِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا
    فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ يُسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيُشْتَفَى
            بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ

لاَ تَنْهُ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ
           عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

ثالثاً: أن يقصد بتعليمه الخلق وجه الله تعالى عملاً بقوله صل الله عليه وسلم لسيدنا أبى ذرٍ رضى الله عنه  :
{ يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَاباً مِنَ الْعِلْمِ
 عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ}    
وقوله صل الله عليه وسلم:
{ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْـــلِمُ عِلْماً، ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ الْمُسْـــلِمَ } 
رابعاً: ... ألاَّ يطلب الدنيا بعلمه!، وذلك عملاً و حذراً مما ورد من حديثه صل الله عليه وسلم أنه قال فى الحديث الشريف منبها ومحذراً: { مَنْ طَلَبَ عِلْماً مِمَّا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ } 
ومما روى عنه صل الله عليه وسلم أيضاً قوله :
{ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَعْضِ الأَنْبِـيَاءِ: قُلْ لِلَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَيَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ العَمَلِ وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيا بِعَمَلِ الآخِرَةِ يَلْبَسُونِ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الكِباشِ وَقُلُوبُهُمْ كَقُلُوبِ الذِّئَابِ. أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ وَبِـي يَسْتَهْزِئُونَ لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الحَلِيمَ حَيْرَانَ } .
فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا !وخستها! وكدورتها!! وزوالها!، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ولذلك قال الحسن رحمه الله: { عقوبة العلماء موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة } ،
 وقال يحي بن معاذ رضى الله عنه  أيضاً: { إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا }،
 وقال عمر رضى الله عنه : { إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يخوض فيما أحب } ،
 وقال مالك بن دينار رضى الله عنه :
{ قرأت في بعض الكتب السالفة أن الله تعالى يقول:
 إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا
 أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه }. 

وفي أخبار داود عليه السلام حكاية عن الله تعالى: { إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي.
 يا داود لا تسأل عني عالماً قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي.
 يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً. يا داود من رد إلي هارباً كتبته عندي جهبذاً ومن كتبته جهبذاً لم أعذبه أبداً } 
وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله صل الله عليه وسلم: { عُلَمَاءُ هذِهِ الأُمَّةِ رَجُلاَنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَناً فَذلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ، وَدَوَابُّ الْبَرِّ، وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَشَرَى بِهِ ثَمَناً فَذلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: هذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَناً، وَكَذلِكَ حَتَّى يَفْرُغَ الْحِسَابُ } 
وأشد من هذا ما روي فى الأثر: { أن رجلاً كان يخدم موسى عليه السلام ، فجعل يقول: حدَّثني موسى صفي الله، حدَّثني موسى نجيِّ الله، حدَّثني موسى كليم الله، حتى أثرى وكثر ماله، ففقده موسى عليه السلام، فجعل يسأل عنه ولا يحسّ له خبراً، حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى عليه السلام: أتعرف فلاناً؟ قال: نعم، هو هذا الخنزير، فقال موسى: يا ربَّ أسألك أن تردَّه إلى حاله حتى أسأله بما أصابه هذا؟ .. فأوحى الله عزوجل إليه: لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه!، ولكن أخبرك لم صنعت هذا به؟  لأنه كان يطلب الدنيا بالدين !}  
خامساً: ... أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة، المرغِّب في الطاعات ..، مجتنباً للعلوم التي يقلّ نفعها.. أو التى يكثر فيه الجدال! والقيل والقال ...!!. وخير مثال لذلك ما روى عن حاتم الأصمَّ تلميذ شقيق البلخي رضي الله عنهما، أن شقيق البلخى قال له: منذ كم صحبتني؟ .. قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة.، قال: فما تعلمت منّي في هذه المدّة؟، قال: ثماني مسائل.، قال شقيق له: إنّا لله وإنا إليه راجعون، ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل!، قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، وإني لا أحب أن أكذب، فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها.
قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً فهو مع محبوبه إلى القبر فإذا وصل القبر فارقه، فجعلت الحسنات محبوبي، فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي، فقال: أحسنت يا حاتم، فما الثانية؟ ... فقال: نظرت في قول الله عزوجلوَ (أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [ (النازعات) فعلمت أن قوله سبحانه هو الحق،
 فأجهدت نفسي في دفع الهوى  حتى استقرت على طاعة الله تعالى،
أما الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شئ له قيمة ومقدار رفعه وحفظه
ثم نظرت إلى قول الله تعالى (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ/ (96 النحل) فكلما وقع معي شئ له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظاً.
والرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب، فنظرت فيها فإذا هي لا شئ، ثم نظرت إلى قول الله تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [ (13 الحجرات) فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً، أما الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً وأصل هذا كله الحسد، ثم نظرت إلى قول الله تعالى ( نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (32 الزخرف) فتركت الحسد واجتنبت الخلق، وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه، فتركت عداوة الخلق عني.
السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضاً، فرجعت إلى قول الله  عزوجل  { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا )6 فاطر) فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه، لأن الله شهد عليه أنه عدو لي، فتركت عداوة الخلق غيره، أما السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذلّ فيها نفسه، ويدخل فيما لا يحلّ له، ثم نظرت إلى قوله تعالى   (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (60العنكبوت) فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها، فاشتغلت بما لله تعالى علي، وتركت ما لي عنده، والثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق: هذا على ضيعته، وهذا على تجارته، وهذا على صناعته، وهذا على صحة بدنه، وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله، فرجعت إلى قوله تعالى: ] ` {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(3الطلاق) فتوكلت على الله عزوجل  فهو حسبي.
عندها قال شقيق رضى الله عنه : يا حاتم وفقك الله تعالى، فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، فوجدت جميع أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه الثمان مسائل، فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة ( إنتهى) .
سادساً: ... أن يحدِّث بالأحاديث الصحيحة، ويروي القصص القرآنية والنبوية الثابتة ويحذر من ذكر الروايات الإسرائيلية في قصص الأنبياء والتي امتلأ بها الكثير من الكتب، وخاصة كتاب قصص الأنبياء المسمى "بالعرائس للثعالبي"، ولذا عليه أن ينتقي من قصص السلف الصالح ما يقبله العقل ويوافق النقل، ويركز في سرده للقصص على ذكر العظة والعبرة منها عملاً بقوله تعالى{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ (111يوسف).
سابعاً: .... أن يتبحر في علم الشريعة، ويلم بالفتاوي التي يحتاجها العصر، على أن يأخذها من العلماء أهل الخشية الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في التشريع، وشهد لهم علماء العصر بذلك، ومن أبرز الكتب التي يرجع إليها في عصرنا في المسائل الفقية العصرية كتاب "فتاوي فقهية عصرية" للشيخ جاد الحق وقد طبع مجمع البحوث الإسلامية منه خمسة مجلدات، وكتاب "الفتاوي العصرية" للدكتور يوسف القرضاوي و"الفتاوي للشيخ الشعراوي"، و"الفتاوى" لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة، ومما يعين على الإحاطة بذلك أيضاً الاطلاع على الأسئلة الفقهية والشرعية والردود عليها ومن أبرز الكتب في هذا المجال كتاب "أحسن الكلام في الفتاوي والأحكام" للشيخ عطية صقر.
على أن يراعي في ذلك ألا يكون مسارعاً إلى الفتيا إذا سُئل، بل يكون متوقفاً ومتحرزاً ما وجد إلى الخلاص سبيلاً، فإن سئل عن ما يعلمه تحقيقاً بنص كتاب الله أو بنص حديث أو إجماع أو قياس جلي أفتى، وإن سئل عن ما يشك فيه قال: لا أدري، وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال إلى غيره إن كان في غيره غنْية. هذا هو الحزم لأن تقلد خطر الاجتهاد عظيم.
وفي الخبر:{ العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنَّة قائمة، ولا أدري }  ، وقال الشعبي رضى الله عنه : { لا أدري نصف العلم }
ثامناً: ... أن يراعي في تفسير الآيات الكونية ربطها بالنظريات العلمية الحديثة التي ثبتت مصداقيتها علمياً وتجريبياً على ألا يلوى الآيات القرآنية أو يتعسَّف في معانيها لتحقيق ذلك، ويطالع في سبيل ذلك كتب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ككتب جمال الدين الفندي والدكتور منصور حسب النبي والدكتور كارم غنيم وغيره ويمكن الاقتصار على كتاب تفسير الآيات الكونية للدكتور عبد الله شحاته، ولا ننسى بالطبع أن ننوه بقيمة مواقع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة الموجودة على الإنترنت والتى أنشأها ثلة من العلماء المسلمين المتخصصين والثرية بالمادة العلمية القيمة والقائمة على المبادى للعلمية الصحيحة.
وننبه أيضا إلى وجوب ملاحظة الداعى عند مطالعته لكتب التفسير التراثية أن يتوقف عند تفسير السابقين للظواهر الكونية وأسبابها كالزلازل والمطر والرياح وغيرها فما وافق النظريات العصرية الثابتة قبله وتحدَّث به، وما كان غير ملائم للعصر أعرض عنها ولم يشر إليها، وذلك لأن السابقين اجتهدوا في تفسير تلك الظواهر بحسب ما وصل إليه العلم في عصرهم فهذه طاقتهم، وعلينا أن نكمل مسيرتهم فنلغي أو نعدِّل آراءهم بحسب ما وصل إليه العلم اليقيني في عصرنا الحديث.
كما يجب علينا أيضاً أن نتحرز من الأخذ بالفروض والملاحظات قبل كمال تحقيقها؛ لأنها تعدّ أثناء ذلك مجرد افتراضات وليست قوانيناً ولا نظريات، وألا تكون رغبة الداعى الحكيم فى الحديث عن إعجاز القرآن أو السنة العلمى دافعا للخوض فيما لم يثبت باليقين العلمى، وأن يتعود النقل فى ذلك عن المصادر الموثوقة وأن يفهم ويعى جيداً ما يتناوله باحديثه وإلا فلا.
تاسعاً: ... عليه أن يُضْفي على العبادات والأحكام الشرعية عند ترغيب الناس في القيام بها الحكم الطبية والعلمية التي تصاحب أداءها، لماذا؟ ... لأن ذلك يشدَّ الناس شدّاً شديداً للقيام بها، فيذكر مثلاً مع الصلاة الأمراض النفسية والجسدية التي يعالجها الانتظام في أداء الصلاة، وكذلك مع الصيام يوضح الحكم الطبية والنفسية والاجتماعية للصيام وهكذا، وقد ألمحنا إلى هذا المنهج في كتابنا "مائدة المسلم بين الدين والعلم".
عاشراً: .. أن يركز في حديثه عن النبي صل الله عليه وسلم  على شمائله وأخلاقه وصفاته، ويستطيع تحصيل ذلك من كتاب "الشمائل المحمدية للترمذي" و"أخلاق النبي للأصفهاني" و"المواهب اللدنية للقسطلاني"، وأجمع كتاب في هذا الباب "سبيل الهدى والرشاد في هدى خير العباد" للحافظ الشامي وقد طبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ولنا في ذلك أيضاً كتب عدة وهى (حديث الحقائق عن قدر سيد الخلائق)، (الرحمة المهداة) ، (الكمالات المحمدية) ، و ( إشراقات الإسراء) جزءان، وكتاب (واجب المسلمين المعاصرين نحو رسول الله صل الله عليه وسلم).
حادى عشر : .. وإذا كانت الدعوة فى أوساط النساء تقوم بها إمرأة داعية حكيمة..متفقهة وملتزمة ، فيلزمها إضافة لكل ماتقدم من منهج الدعاة الحكماء:
ألا تقصر في حق زوجها ولا بيتها ولا أولادها بحجة أنها مشغولة بتبليغ الدعوة، وأن تكون على دراية كاملة بفقه النساء وما يخصهنَّ من الكتاب والسنة مع معرفة الحكم الشرعي المناسب لمقتضيات مستجدات العصر، وأن ترتكز في طريقتها في الدعوة إلى الله على التبشير لا التنفير، كما أمر البشير النذير ، وعليه هذه الأيام أن تلم بالإجابات الشافية على الشبهات التى يثيرها أعداء الأسلام فى شأن علاقة الإسلام بالمرأة والميراث وغيرها.


 

أوصاف الداعي الحكيم

أوصاف الداعي الحكيم
للداعي الحكيم أوصاف وعلامات كثيرة  يُعرف بها، أشار إلى بعضها الإمام الغزالي رضى الله عنه في إحياء علوم الدين
 فقال: ( وقيل خمس من الأخلاق هي من علامات علماء الآخرة مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عزوجل  "الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد"، فأما الخشية فمن قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  (28 فاطر)، وأما الخشوع فمن قوله:  خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ199 آل عمران)، وأما التواضع فمن قوله: ] { واخفض جناحك للمؤمنين }  [ (88 الحجر)، وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى:  {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ (159 آل عمران)، وأما الزهد فمن قوله (  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) (80القصص)).

ويمكن إجمال أوصاف الداعي الحكيم فيما يلي:

أولاً: ... التواضع لله تعالى في كل حال، وخصوصاً عند رواية العلم أو بيانه بالكتابة أو الدراسة ... فالتواضع أكمل علامة للعلماء، لأنها تدل على حقيقة الخشية من الله تعالى، وقد حصر الله تعالى خشيته في العلماء، لأن شأن العالم العارف لنفسه بنفسه الممتلئ من معرفة ربه، المتحلي بواردات قدسه ألا يرى لنفسه حالاً ولا مقالاً، بل يرى نفسه أقل من كل شئ، وهذا هو النظر التام، كما قيل:

إذا زاد علم المرء زاد تواضعاً
                     وإذا زاد جهل المرء زاد ترفُّعاً
وفي الغصن من حمل الثمار مثاله
                  فإن يعزُّ عن حمل الثمار تمنّعاً

ثانياً: ... الحلم والأناة:
لأنهما خصلتان يحبهما الله تعالى، وإذا تجرد منهما العالم هلك، لأنه يتصف بالحماقة والعجلة، فالعجلة توقعه في الخطأ، والحماقة تنفر منه الخلق والحق، فيكون ضاراً وقد يُبْتلى إذا لم يتصف بالحلم والأناة بالإعجاب برأيه، والتعصب له، فيجادل من خالفه، ويؤيّد رأيه بالحجج ولو كان باطلاً.
ثالثاً: من أكمل صفات العلماء أن يُعلِّموا كل فريق من الناس ما لابد لهم منه، ويخفوا الحكمة إلا عن أهلها، كما قيل:{ لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعلموها غير أهلها فتظلموها } ، ومن علّم الحكمة لغير أهلها فتح على نفسه باباً من الشر، وعلى المسلمين باباً من الفتنة، فالعالم الرباني يُعلِّم الناس على قدر عقولهم ويداريهم كما قالصل الله عليه وسلم : { كلَّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون!، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟ } .
رابعاً: ... السكينة والرحمة:
فإن السكينة دليل على التمكين، وبرهان على الرسوخ في العلم والرحمة من أخص صفات العلماء بحكم الوراثة عن رسول الله صل الله عليه وسلم ، وأجمل صفاته صلوات الله وسلامه عليه ما أثبتها الله تعالى له بقوله: [ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. ] (128 التوبة)، وقدَّم الله عز شأنه الرحمة في الإيتاء على العلم للعالم الرباني فقال[ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏ ](65 الكهف).
خامساً: ... من أجلّ علامة العلماء الربانيين:
العمل بالعلم في السر والجهر؛ خشية من الله تعالى، والأخذ بالعزائم، ولو كان في ذلك ما تكرهه نفوسهم، أو تتألم منه أبدانهم إرضاء لله تعالى ولا يأخذون بالرخص من غير أسبابها، وذلك لكمال اقتدائهم برسول الله r فقد كان فيما يروى عنه صلوات الله وسلامه عليه يأخذ نفسه بالأشد ويأمر غيره بالأيسر ولذلك كان كُمَّل أصحابه رضوان الله عليهم يقتدون بفعاله قبل أقواله، لأن الإقتداء بأفعاله عزيمة.
سادساً: ... التحفظ من أن يرى رأياً فيحكم به من غير أن يتثبت من أنه حكم الله تعالى، وحكم رسوله صل الله عليه وسلم  ، أو أنه مأخوذ بالاستنباط من الكتاب والسنة، أو من عمل أئمة السلف، أو له نظير أو شبيه من أعمال السلف رضوان الله عليهم.
سابعاً:...  الاجتهاد في سدّ باب الذرائع والفتن،
وإراحة أفكار المسلمين من الاشتغال بما يضر ولا ينفع، الأمر الذي سبَّب فرقة المسلمين، ووقوع العداوة والشحناء بينهم، وجعل غير المسلمين يظنّون أن الدين الإسلامي مؤسس على تعصب لأشياء لا حقائق لها..
ومثال ذلك فتح باب التفاضل بين الصحابة والعلماء، أو في الآراء والمذاهب والاعتقادات، وكذلك فتح باب الفتن بالتكلم فيما سكت الله عنه، وسكت عنه رسوله رحمة بالمسلمين، فلم يحرّمها، فيقوم هؤلاء الذين تحصَّلوا على قشور من أحكام الشريعة المطهرة، وينصبّوا بكليتهم على فتح أبواب الشُّبَه، وشغل المسلمين بما يضر ولا ينفع ..!! ناهيك عن الفظاظة في الأخلاق والغلظة في الطباع، والسخف في القول عند الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر!، متذرعين بحجة أن هذا من الدين وأن هذه نصيحة، وأن هذه الطريقة الشرعية التي أمر الله بها.. ويجهلون أنهم بذلك وقعوا في كبائر لا تحصى؛ منها مخالفة رسول الله صل الله عليه وسلم  في أخلاقه، ومخالفة سنته في الدعوة ، وتنفير عباد الله، ووقوعهم في بغض الدين وبغض أهله، وظنوا أنهم أحسنوا! وربما كان الذي يدعون إليه من الأمور المرغّب فيها خلاف الأولى، أو كان الذي ينهون عنه أيضاً خلاف الأولى..  وذلك في مثل نهيهم عن الاجتماع على ذكر الله، أو قراءة سورة الكهف في المساجد يوم الجمعة، وما شابه ذلك.
ثامناً: ... أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال، وعما يفسدها ويشوش القلب، ويهيج الوسواس، ويثير الشر، فإن أصل الدين التوقي من الشر ولذلك قيل:
عرفت الشَّرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقِّيه..    
       .    . ومن لا يعرف الشَّرَّ من الناس يقع فيه
ولأن الأعمال الفعلية قريبة، وأعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة، 
ولقد كان الحسن البصري رحمه الله أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقربهم هدياً من الصحابة رضي الله عنهم، وكان أكثر كلامه في خواطر القلب، وفساد الأعمال ووساوس النفس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس.
{ وقد قيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك فمن أين أخذته؟ .. قال: من حذيفة بن اليمان }.
وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال:{ خصَّني به رسول الله صل الله عليه وسلم : كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه}، وقال مرة: { فعلمت أن من لا يعرف الشَّر لا يعرف الخير } ، وفي لفظ آخر:
{ كان يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول يا رسول الله ما يُفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم } .
وكان حذيفة رضى الله عنه أيضاً قد خُص بعلم المنافقين، وأفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضى الله عنهم  يسألونه عن الفتن العامة والخاصة. وكان عمر رضى الله عنه  إذا دعى إلى جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلى وإلا ترك.
 وكان يسمى صاحب السر.
فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة،
لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى، فيهتمون بمعرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة.
تاسعاً: .. أن يكون اعتماده في علومه بعد تحصيل ما يلزم كما أشرنا آنفاً على حكمته وبصيرته وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره..وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضى الله عنه  يقول لأتباعه مادحاً أهل علوم الإلهام رضى الله عنهم أجمعين:
{ حدثونا بما فتح الله عليكم، لا بما نقلتموه عن غيركم }.
فإذا قلَّد صاحب الشرع صل الله عليه وسلم  فيما أمر به وقاله، فينبغي أن يكون حريصاً على فهم أسراره، فإن رسول الله  صل الله عليه وسلم ما فعله إلا لسرّ فيه، ولا يكون عالماً إلا إذا كان شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإن اكتفى بحفظ ما يُقال كان وعاءاً للعلم، ولا يكون عالماً.
عاشراً: ... أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور!، وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنَّه إطباق الخلق على ما أحدث بعض الصحابة رضى الله عنهم ، وليكن حريصاً على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم، وما كان فيه أكثر همهم، فقد كان ذلك في الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة، ومراقبة الظاهر والباطن، واجتناب دقيق الإثم وجليله، والحرص على إدراك خفايا شهوات النفس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن.
واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أُخذ الدين.
ولذلك قال الإمام علي رضى الله عنه  لَمَّا قيل له: خالفت فلاناً!، قال كرم الله وجهه :
{ خيرنا أتبعنا لهذا الدين }.
وما أجمل حديث التستري رضى الله عنه  عن العلماء العاملين والأولياء المحققين ومكانتهم حيث يقول : { قال الله لآدم:
يا آدم إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي، وخاف غير عدلي لم يعرفني، يا آدم إن لي صفوة وضنائن وخيرة من عبادي أسكنتهم صلبك، بعيني من بين خلقي، أعزهم بعزي، وأقربهم من وصلي، وأمنحهم كرامتي، وأبيح لهم فضلي، وأجعل قلوبهم خزائن كتبي، وأسترهم برحمتي، وأجعلهم أماناً بين ظهراني عبادي، فبهم أمطر السماء، وبهم أنبت الأرض، وبهم أصرف البلاء.
هم أوليائي وأحبائي، درجاتهم عالية،
 ومقاماتهم رفيعة، وهممهم بي متعلقة.
صحّت عزائمهم، ودامت في ملكوت غيبي فكرتهم، فارتهنت قلوبهم بذكري، فسقيتهم بكأس الأنس صرف محبتي، فطال شوقهم إلى لقائي، وإنِّي إليهم أشد شوقاً.
يا آدم من طلبني من خلقي وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فطوبى يا آدم لهم ثم طوبى، ثم طوبى لهم وحسن مآب. يا آدم هم الذين إذا نظرت إليهم هان عليَّ غفران ذنوب المذنبين لكرامتهم عليَّ }  
وقال أيضاً: إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام:
{ يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، فكان داود يقول في مزاميره: وَاهَا لهم! يا ليتني عاينتهم!!، يا ليت خدّي موطأ نعلهم! } ...
قال سهل بن عبد الله ذلك ثم اصفرَّ لونه وجعل يقول:
{ جعل الله نبيه وخليفته خادماً لمن طلبه لو عقلت - وما أظنَّك تعقل - قدر أولياء الله وطلابه، ولو عرفت قدرهم لاستغنمت قربهم ومجالستهم، وبرَّهم وخدمتهم وتعاهدهم }  


السبت، 7 ديسمبر 2013

الحب والصدق سر ازدهار دعوة النبى صلى الله عليه وسلم للشيخ/ فوزى محمد أبو...

الحمد لله رب العالمين .. أكرم عباده المؤمنين بإرسال سيِّد المرسلين رحمةً عظمى لنا وللخلق أجمعين، جَمَّله الله عزَّ وجلَّ بأوصافه، وخلَّقه بأخلاقه، وجعله رحمةً مهداة، ونعمةً مُسْدَاة، رءوفاً ورحيماً بالمؤمنين في الدنيا، وشفيعاً للخلق أجمعين، وخاصة المذنبين يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يحدُّه حدّ، ولا يحيط به أحد. ليس له مكانٌ يحيط به، ولا زمانٌ يختص به، لأنه خلق الزمان وخلق المكان، وهو عزَّ وجلَّ تعالى عن الزمان، وتعالى عن المكان والإمكان، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (11الشورى).
وأشهد أن سيدنا محمدًا عَبْدُ الله ورسولُه، اختاره الله عزَّ وجلَّ لشريعته، وأمره بإبلاغ رسالته، ووعد مَنْ أطاعه واتَّبع هُداه بدخول جنته، وتوعَّد مَنْ عصاه وخالف هديه بالخلود في دار شقوته الله. صلَّى وسلم وبارك على سيدنا محمد خير النبيِّين، وإمام المرسلين، الفاتح لفضل الله، والخاتم لتشريعات الله، والقائم بحمل لواء الحمد والشفاعة يوم لقاء الله. صلَّى الله عليه وعلى آله الهداة، وأصحابه التُّقَاة، وكل من مشى على هديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين يا رب العالمين.
أيها الأخوة جماعة المؤمنين:
وقد استمعنا قبل الصلاة إلى آيات من: (سورة النجم) تتحدث عن معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يسعنا الوقت لإبراز هذه الحادثة وذكر هيئاتها وكيفياتها، ولكن أريد أن أقف معكم عند أمر واحد حدث فيها. هذا الأمر يبيِّن سرَّ ازدهار دعوة النَّبِيِّ وظهور رسالته في الآفاق، وهو الأساس الذي إن أردنا أن نسعد في الدنيا أن نتمسك به، ونسير على هديه في هذه الأيام.
عندما أُسْرِيَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وكان نائماً في هذه الليلة عند ابنة عمه السيدة أم هانئ بنت أبي طالب، وكان بيتها في جوار الكعبة المشرفة، وبعد رجوعه أخبرها بما حدث، فقالت يا ابن عمي لا تحدث القوم بما رأيت فيكذبونك، فقال: لابد من ذلك تنفيذاً لأمر الله، فذهب إلى الكعبة المشرفة يطوف حولها، وكان أهل مكة جلوس بالقرب منها ومعهم أبو جهل، فقال: يا محمد هل من جديد؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: أُسْرِيَ بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ذهبتَ إلى بيت المقدس وعُدْتَ في هذه الليلة!!! إنا نضرب أكباد الإبل إليها شهرًا ذهاباً وشهرًا إيابًا!!! فهل لو جمعتُ لك قومك تحدِّثهم بذلك؟ قال: نعم.
فانطلق أبو جهل يدعو جموع الكفار ليستمعوا إلى حديث النَّبِيِّ المختار صلى الله عليه وسلم، فذهب جماعة منهم إلى أبي بكر الصديق وقالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في هذه الليلة. ماذا كان رده؟ وهذا ما أريد أن أوضحه اليوم - معبِّراً عن حُبِّه للحبيب!! عن حُبِّه الذي انطوى في قلبه لهذا النَّبِيّ!! قال: (إن كان قد قال فقد صدق).  قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلة واحدة؟ قال: وأصدقه في أبعد من هذا، أصدقه في خبر السماء ينزل به أمين الوحي جبريل من فوق سبع سموات في لحظة، أفلا أصدقه في هذا!! ثم ذهب إلى هؤلاء القوم وهم مجتمعون حول النَّبِيّ، وأراد أن يبرهن لهم على صدق هذا النَّبِيِّ، فقال: يا قوم هل تعلمون أن محمدًا ذهب إلى بيت المقدس من قبل؟ قالوا: لا، قال: فنسأله عن وصفه، فإنْ صدق في وصفه فقد صدق فيما قال. ثم قال: يا رسول الله، أنبأني عن بيت المقدس، قال صلى الله عليه وسلم: فكربتُ كربًا شديدًا، وتوجهَّتُ إلى الله عزَّ وجلَّ، وإذا بأمين الوحي جبريل يهبط ويحمل بيت المقدس على كفِّه، ويديره لي حتى أصفه وأنا أراه.
سألوه: كم له من الأبواب؟ قال: له كذا وكذا من الأبواب، باب هيئته كذا، وباب هيئته كذا، حتى انتهى من وصفها جميعًا. فسألوه عن هيئته الظاهرة .. فأخبرهم، سألوه عن هيئته الداخلية .. فأنبأهم، فقالوا: أما الوصف فقد صدق!! وكان كلما وصف شيئاً، قال له الصديق: صَدَقْتَ، فلما انتهى من جملة الوصف قال: وأنت يا أبا بكر الصديق. فَسَمَّاهُ صلى الله عليه وسلم الصِدِّيق.
هؤلاء القوم الذين التَّفوا حول حضرة النَّبِيِّ - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغَيْرُهُمْ - أحَبُّوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حُبًّا أعظم من حُبِّهم لآبائهم ولأبنائهم، ولأزواجهم ولعائلاتهم، ولأموالهم ولأي شيء لهم في هذه الحياة الدنيا!!! وكان كلُّ رجل منهم يقول: (فداك رسول الله أبي وأمي)، (بأبي أنت وأمي يا رسول الله)، وكانوا يفدونه بكلِّ ما يستطيعون، حتى عجبتْ الخلائق من شدَّة حُبِّهم لحضرة النَّبِيّ!!!
يتقدمون أمامه في الأخطار ليمنعونه ويتعرضون هم لهذه الأخطار، ويحفونه بصدورهم لئلا يصيبه شيء من سهام أعدائهم. هذا الحبُّ الذي كان في صدورهم وقلوبهم لنبيِّهم، هو السرُّ وراء نجاح هذه الدعوة، وهو السبب وراء انتشار الإسلام، وهو الذي أدَّى إلى ظهور دين الله على الأنام، لأن النَّبِيَّ كان معه قومٌ يحبُّونه حُبًّا لا يضاهيه حُبّ، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لهم، مبيِّنًا لهم الحُبَّ الذي ينبغي أن يكون لحضرته في قلوبهم: (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله ونفسه وولده والناس أجمعين) (رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه بلفظ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين").
وجاءه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم مُظِهَرًا عدم رضاه عن هذا القول، وقال: والذي نفسي بيده لأنت أحب إليَّ من كل شيء حتى نفسي التي بين جنبي، قال: (الآن تم إيمانك يا عمر) (رواه البخاري بلفظ: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلاّ من نفسي. فقال:" والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك "، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إليَّ من نفسي. فقال:" الآن يا عمر "). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال.
بل إن ملائكة السماء وَقَفُوا ذات يوم يشاهدون المحيطين بالنَّبِيِّ ويعجبون!! وأنزلوا أمين الوحي جبريل يسأل النَّبِيَّ عن هذه الأحوال - وكان ذاك في غزوة أحد ويومها، عندما أحاط المشركون بالنَّبِيِّ - فقال الأمين جبريل: يا رسول الله، مَنْ هذا الرجل الذي كان يقف أمامك ويتلقى سهام الأعداء بصدره حتى لا تقع في نحرك؟ قال: ذاك طلحة الخير بن عبيد الله، قال: بَشِّرْهُ بالجنَّة. ثم قال: يا رسول الله، مَنْ هذا الرجل الذي كنت تعطيه السهام بيدك، ويمسك بالسهم ويقذفه ويقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله، بأبي وأمي أنت يا رسول الله؟ قال: ذاك سعد بن أبي وقاص، قال: فَبَشِّرْهُ بالجنَّة. ثم قال: يا رسول الله، مَن ْهذا الرجل الذي عندما دخل السهم بين أسنانك اقتلعه بأسنانه حتى سقطت أسنانه، وعندما رأى الدم نازلاً من فمك رفع ثوبه وتلقاه حتى لا يقع على الأرض؟ قال: ذاك أبو عبيدة عامر بن الجراح، قال: بَشِّرْهُ بالجنَّة، وهو أمين هذه الأمة.
كانوا كلُّهم يُفْدُون رسول الله صلى الله عليه وسلم!!! حتى أنه من العجب أن امرأة خرجت من المدينة - وقد خرج زوجُها وأخوها وابنُها لمشاركة النَّبِيِّ في هذه الغزوة - لتطمئن عليهم، وعندما اقتربت من الواقعة قالوا لها: لقد مات زوجك، قالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بخير، ثم بعد ذلك قالوا لها: لقد مات أبوك، قالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بخير. ثم سارت فقيل لها: لقد مات ابنك، قالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بخير، قالت: أروه لي، فأوقفوها على صخرة وقالوا: انتظري هنا يا أمة الله، فإن رسول الله سيمُرُّ من أمامك في هذا الموضع، فلما اقترب النَّبِيُّ منها قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت وأخذت تمسك ثيابه بيديها وتقول: (كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَل) أي صغيرة (رواه ابن هشام في السيرة (3/ 43) والبيهقي في الدلائل (3/ 302)). ما دام رسول الله بخير فهي بخير.
هكذا كان حبُّهم الذي قال فيه الله - مثنياً عليهم: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) (9الحشر). كانوا يحبون هذا النبيَّ حبًّا لا يستطيع أحدٌ وصفه ولا عدَّه، ومع ذلك يبشرنا حضرة النَّبِيِّ أننا في وسط هذه الظلمات، وفي وسط هذه الفتن والكوارث والنكبات، وفي شدة الأزمات التي نمر بها ويمر بها وطننا والمسلمون جميعًا الآن: أن هناك رجالٌ بيننا ـ ونسأل الله أن نكون منهم أجمعين ـ في قلوبِهِمْ حبٌّ للنبيِّ يضاهي حبَّ أصحاب النبيِّ، وإن لم يكونوا على قدرهم فهم على آثارهم، يقول فينا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (إن من أشد أمتي لي حُبًّا رجالٌ يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله) (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه). يصف رجالاً في هذا الزمان .. يحبُّون النبيَّ ويودُّون رؤيته أو زيارته، ولو كلفهم ذلك كل ما يملكون من مال!!! ولو كلفهم ذلك مفارقة الأهل والعيال!!
ولعلكم تلحظون ذلك جميعاً في هذه الأيام، فمصر مع أنها بلد فقيرة وأهلها فقراء إلا أن التنافس فيها في الحجِّ وزيارة حبيب الله ومصطفاه لا تجده في بلد من بلاد الله جلَّ في علاه!! أفقر بلاد الله .. وأغلى حج ينظم في كل دول العالم ينظم في هذه البلدة لشدة التنافس إلى الذهاب لِحَجِّ بيت الله وزيارة رسول الله، حتى أن الذي يفوز بذلك يكون هذا خيراً له من أعلى الشهادات العلمية، ومن أرقى المناصب الدنيوية، ويهنئه الجميع ويقيمون له الحفلات، لماذا؟ هل يذهب للحصول على الأموال؟ هل يذهب لزيادة الدخل؟ يذهب لزيارة الله في بيته!! وزيارة الحبيب في روضته!! وهذا يدل على مكنون المحبَّة التي جعلها الله عزَّ وجلَّ في قلوبنا جماعة الأحبة، وهي دليل على رضاء الله، وعلى حُبِّ حبيبِ الله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في شأننا: (وشوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد. فقال سيدنا عمر: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون في آخر الزمان، آمنوا بي ولم يروني، عمل الواحد منهم بسبعين منكم. قال: بسبعين منا أو منهم يا رسول الله؟ قال: بسبعين منكم، أنتم تجدون على الحق أعواناً، وهم لا يجدون) (روى الإمام مسلم في معناه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وددت أني رأيت إخواني ، قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد)).
فأبشروا يا أحباب حضرة النبيِّ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ أكرمكم ببشارات النبيِّ، وجعل لكم أعمالاً مضاعفة، وأجورًا لا تعدّ، ودرجاتٍ لا تحدّ. يكفينا شرفًا وفخرًا أننا سنكون يوم القيامة مع حبيب الله ومصطفاه!!! فإن خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبان، مرض يومًا وظهر عليه الذبول والنحول، فقال صلى الله عليه وسلم: ما تشتكي يا ثوبان؟ فقال: يا رسول الله ليس بي شيء، إلا أني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة، فتذكرت الآخرة والجنة، وأنك تكون في درجة النبيين، وأنا مع عوام المؤمنين فلا أراك، فهذا الذي أسقمني وأمرضني. فما كان من ربِّ العزَّة عزَّ وجلَّ، إلا أن أَمَرَ أمين الوحي جبريل أن ينزل ببرقية عاجلة لكل محبٍّ للحبيب إلى يوم الدين، يقول فيها مبشرًا لنا رب العالمين: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا) (69، 70النساء) (روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق، وعكرمة، وعامر الشَّعْبي، وقتادة، وعن الربيع بن أنس، قال ابن كثير: وهو من أحسنها سندًا (تفسير ابن كثير:2/354)).
بل إن أكبر بُشرى للمُحبِّين تُريح قلوبهم، وتجعلهم يتوقون دومًا إلى اللحاق بالحبيب، والعمل بسنَّته وتطبيق شريعته، قال سيدنا أنس رضي الله عنه: (يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها كثيرَ صلاةٍ ولا كثيرَ صيام، ولكنِّي أحبُّ الله ورسوله قال: أَبْشِرْ، يحشر المرء مع من أحب يوم القيامة) (رواه الإمام مسلم وغيره عن أنس). أو كما قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أكرمنا بهدايته، ولاحظنا بعنايته، وتوَّجنا بتاج طاعته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، يقيم عباده وأحبابه في ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وحُسْنِ عبادته، ويحفظهم ويصونهم من معصيته ومخالفة شريعته. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، أرسله الله عزَّ وجلَّ داعيًا إلى جنته، وجعل من أطاعه من أهل جنته، ومن عصاه من أهل شقوته. اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وارزقنا هداه، ووفقنا للعمل بشرعه وحسن متابعته في سنته أجمعين يا ألله، وارزقنا زيارته في روضته، واجعلنا تحت لواء شفاعته، واجمعنا جميعاً في جواره في الجنة أجمعين، آمين يا ربَّ العالمين.
أيها الأخوة جماعة المؤمنين:
إن الحبَّ الذي يُبَلِّغُ أهله هذا الذي ذكرناه، والذي عبَّر عنه حبيب الله ومصطفاه - هو الحبُّ الذي يدفع المُحبَّ إلى إتِّباع الحبيب، ويجعله يمشي دائماً على هداه، ويتبع سنَّته ويعمل بشرعه في كل أطواره في هذه الحياة، لا يخالفه في قضية، ولا يخلفُ أمره في أي أمر، وإنما دائماً وأبداً يطيع الرسول، (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) (80النساء)
وقد وعد الله عزَّ وجل الأمة إذا أطاعت الرسول بالنصر والعزَّة والتمكين، والخير والسرور والحياة الهانئة الآمنة في الدنيا، والعلوّ على الكافرين والمشركين أجمعين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (55النور). وحذَّر الله عزَّ وجلَّ من مخالفة هذا النبيِّ ومن خلاف شريعته، فجعل مخالفته وخلاف شريعته سبب كلِّ المصائب والمشكلات لنا في الدنيا، وسبب كل العقوبات لنا في الآخرة، فقال الله عزَّ وجل لنا محذرًا: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (63النور).
فكل الفتن التي تحدث فيما بيننا أو في بلادنا ما أسبابها؟  مخالفة النَّبِيّ، ترك سُنَّةَ النَّبِيّ، ترك العمل بشريعة النَّبِيّ، لكننا لو عملنا بكتاب الله، وطبقنا سُنَّة رسول الله، وحكَّمنا شرع الله في كل أحوالنا؛ فإن الله عزَّ وجلَّ - وهو القادر - سيغيِّر حالنا إلى أحسن حال، وسيجعل أحوالنا كلها يعجب منه القاصي والداني، لأن الله عزَّ وجلَّ صُنعه عجيب، وأمره ليس بغريب لكل حبيب مشى على هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم.
واعلموا علم اليقين أن حُبَّ النَّبِيِّ ليس أقوال لا تطابقها أفعال، وليس بالأناشيد التي لا يطبقها سلوك حميد، وليس بخطب منبرية لا يوازيها بعد ذلك سلوكيات عملية، وإنما حبُّ رسول الله - الذي يعلمنا إياه الله – فيقول: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي) (31آل عمران).
علامة الحُبِّ متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متابعته في كلِّ أمر .. في العبادات، والأخلاق، والمعاملات، والسلوكيات. ليس متابعته في العبادات فقط، وإنما الذي مدحه به الله عزَّ وجلَّ على الملأ، مدحه على الأخلاق وقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4القلم). وقد بيَّن لنا سرَّ هذه المكانة العظيمة فقال: (أوصاني ربِّي بتسع أوصيكم بهنّ، أن أعفو عمَّنْ ظلمني، وأن أصل مَنْ قطعني، وأن أُعطي مَنْ حرمني) (رواه رزين)
من الذي يستطيع أن يطبق ذلك؟!! الذي يعلن حبَّ النَّبِيّ. والذي يتغنى بمحبَّة النَّبِيّ علاماته أن يتابع النَّبِيّ، فيعفو عمَّن ظلمه، ويصل مَنْ قطعه، ويعطي مَنْ حرمه، ويمشي في الأرض بالأخلاق المحمدية والآداب القرآنية، ويتعامل مع الخَلْقِ جميعاً في معاملاته بموجبات الشريعة المحمدية، فلا يغش في كيل ولا وزن، ولا سِعْرٍ ولا غيره، ولا يطفف كيلاً ولا ميزان، ولا يحتكر سلعة على المسلمين، ولا يرضى لخلق الله ما لا يرضاه لنفسه، بل إنه يحبُّ لخلق الله ما يحبه لنفسه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لإخوانه ما يحبه لنفسه) (متفق عليه عن أنس رضي الله عنه).
هذه هي المحبة التي تكلَّم عنها رسول الله، والتي نحن بأمسِّ الحاجة إليها الآن في هذا الزمان. ما أعلى الأصوات التي تتكلم عن شريعة الله!! إن كان في الفضائيات والإذاعة، أو في الصحف والمجلات، أو على المنابر وفي المساجد!! ولكن أين السلوكيات التي نراها مطابقة سلوكيات حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام؟!!.
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُصْلِحَ أحوالنا، وأن يقوِّم أخلاقنا، وأن يطهِّر نفوسنا، وأن يذهب الأحقاد والأحساد والغلَّ والشح والحرص من قلوبنا، وأن يملأ قلوبنا بالمحبَّة لنبيِّنا، والمودَّة لبعضنا، والصفاء فيما بيننا، وأن يجعلنا جميعاً أخوة متآلفين متكاتفين متعاونين، وأن يجعلنا نتعاون أجمعين على البرِّ والتقوى، ونتعاون على طاعة الله وذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتوب على العُصاة والمذنبين، وأن يأخذ على أيدي المقصرين والمخالفين ويردَّهم ن يجعلنأ
إلى شريعة النَّبِيِّ ودينه تائبين، وأن يجعلنا جميعاً في هذا البلد الأمين في رخاء وسخاء وخير متواصل إلى يوم الدين. اللهم أصلح الراعي والرعيَّة واجمعنا جامعة إسلامية، وأصلح أحوال أولادنا وبناتنا، وزوجاتنا وأخواتنا، وإخواننا المسلمين أجمعين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، والمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين. اللهم أهلك الكافرين بالكافرين، وأوقع الظالمين في الظالمين، واقْضِ على المنافقين والمتربصين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين، واجعل ديار الإسلام ديار الأمن والسلام، ووفقنا جميعاً لما تحبُّه وترضاه يا أكرم الأكرمين.
عباد الله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90النحل).

اذكروا الله يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة. 

الأحد، 1 ديسمبر 2013

بدع الطعام والشراب



يجب على المسلم أن يتحرز من كثير من البدع التي انتشرت في هذا الزمان مثل أن يكون للرجل طعام خاص به وآنية خاصة به لقول السيدة عائشة رضي الله عنها {إِنْ كُنْتُ لآتِي النَّبيَّ بالإِناءِ فآخُذُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ فَيَأْخُذُ فَيَضَعُ فَاهُ مَوْضِعَ فِيَّ فَيَشْرَبُ وَإِنْ كُنْتُ لآخُذُ العَرْقَ مِنَ اللَّحْمِ فآكُلُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَأْكُلُهُ}[1] 

وإذا كان له طعام خاص به فهو يأكل بشهوة نفسه بينما المؤمن كما قال صلى الله عليه وسلم {الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ عِيَالِهِ}[2] 

وينبغي له أيضا أن يتحرّز من الأكل وحده لما ورد {أَلاَ أُنَبئُكَ بِشَر النَّاسِ: مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ}[3] 

إلا أن يكون معذورا في ذلك بسبب حمية أو مرض أو صوم أو غير ذلك من الأعذار الشرعية 

حكم استخدام آنية الذهب والفضة : 

يحرم على المسلم استعمال أواني الذهب والفضة وكذا مفارش الحرير الخالص وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم {الَّذي يَشْرَبُ في آنِيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ}[4] 

وكذلك ما رواه البخاري عن حذيفة قال {نَهَانَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَشْرَبَ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ وَقالَ هِيَ لَهُمْ [أي الكفار] فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ} 

حكم الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها : 

إن تحريم الميتة يعنى تحريم أكلها أما الانتفاع بجلدها أو قرونها أو عظمها أو شعرها فلا بأس به هو أمر مطلوب لأنه مال يمكن الاستفادة منه فلا تجوز إضاعته عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ فَقَالَ{هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابِهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟� فَقَالُوا : إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ �إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا}[5] 

وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الحل ّ يشمل كل أنواع الجلد استنادا إلى قوله صلى الله عليه وسلم {إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ}[6] 

فعلى هذا الحديث يعلّق الدكتور / يوسف القرضاوى فيقول {وهو عام يشمل كل جلد ولو كان جلد كلب أو خنزير وبذلك قال أهل الظاهر وحكي عن أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ورجّحة الشوكانى}[7] 

حكم السمن الذي ماتت فيه فأرة : 

إذا كان السمن جامدا وكذا كل ماشابهه كعسل ونحوه ووقعت فيه فأرة فماتت طرحت وما حولها منه إذا تحققنا أن شيئا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه وأما إذا كان مائعا فإنه يلقى كله وذلك لما رواه البخاري عن مَيمونةَ أَنَّ رسولَ اللّهِ صلي الله عليه وسلم سُئلَ عن فأْرةٍ سَقطتْ في سَمنٍ، فقال {ألْقُوها وما حَوْلَها وَكُلُوا سَمْنَكُمْ} 

أكل السمك المملح : 

ما حكم الدين في أكل السمك المملح كالسردين والفسيخ والرنجة والملوحة وغيرها؟ 

كل هذه الأنواع طاهرة ويحلّ أكلها ما لم يكن فيه ضرر فإنه يحرم لضرره بالصحة حينئذ وقد نقل الشيخ/ السيد سابق عن الشيخ / الدرديرى {وهو من شيوخ المالكية} قوله {الذي أدين الله به أن الفسيخ طاهر لأنه لا يملح ولا يرضخ إلا بعد الموت والدم المسفوح لا يحكم بنجاسته إلا بعد خروجه وبعد موت السمك إن وجد فيه دم يكون كالباقي في العروق بعد الذكاة الشرعية فالرطوبات الخارجية منه بعد ذلك طاهرة لا شك في ذلك}[8] 

وعقّب الشيخ/ السيد سابق على ذلك قائلا : إلى مذهب الأحناف والحنابلة وبعض علماء المالكية


ما حكم أكل اللحوم المستوردة والمعلبات؟


اللحوم المستوردة من خارج البلاد الإسلامية إذا كانت من بلاد أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فهي حلال لقول الله {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} المائدة5

وذلك بشرطين أن تكون من اللحوم التي أحلها الله وأن تكون قد ذبحت ذبحا شرعيا فإن لم يتوفر فيها هذان الشرطان بأن كان من اللحوم المحرمة مثل الخنزير أو كانت ذكاتها غير شرعية فإنها في هذه الحالة تكون محظورة لا يحل أكلها أما الدول الكافرة فلا يحل أكل لحومها إلا إذا تولىّ ذلك جماعة من المسلمين 

[1] صحيح ابن حبان عن عائشة رضي الله عنها [2] الديلمى عن أبي إمامة رضي الله عنه [3] ابن عساكر عن معاذ رضي الله عنه [4] رواه مسلم عن أم سلمه رضي الله عنها، والجرجرة : صوت وقوع الماء في الجوف [5] رواه الجماعة إلا ابن ماجه [6] رواه مسلم [7] الحلال والحرام صـ 52 [8] فقه السنة (الجزء الثالث) صـ 248 




الطعام والشراب

 


الموائد المسنونة فى الإسلام




بسم الله الرحمن الرحيم

سن رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع الطعام والدعوة إليه في عدة مناسبات وذلك ليتحلى المؤمن بصفة الكرم التي يحبها الله وتوسعة على الفقراء والمساكين وزيادة للمودة والمحبة بين المؤمنين ومواساة للمحزونين وأبرز هذه المناسبات ما يلي :

وليمة العرس أو النكاح :

وهى مستحبة لما رواه أنس رضي الله عنه قال {أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ «كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا» قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»}[1] والهدف منها إضفاء البركة على هذا النكاح والشكر لله على نعمة الزواج

العقيقة :

وتستحب في اليوم السابع من الولادة فيقوم والد الطفل أو من يسدّ مسدّه بذبح شاة ويطعم من لحمها الفقراء والمساكين والجيران وغيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم {كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى}[2]

والذبيحة عن الولد فيها معنى القربان والشكران والصدقة وإظهار الشكر لله على هذه النعمة ويجوز تأخيرها عن اليوم السابع هذا ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يجزئ في الأضحية والمستحب أن يفصل أعضاءها ولا يكسر عظمها لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت {السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنِ الغُلاَمِ وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ تُطْبَخُ جُدُولاً وَلاَ يُكْسَرُ عَظْمٌ وَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ وَيَتَصَدَّقُ} وذلك تفاؤلا بسلامة أعضاء المولود

يستحب أن يصنع الطعام ويحمل إلى أهل الميت وهو من السنة لما ورد أنه لما جاء نعى جعفر بن أبى طالب قال عليه السلام {إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ شُغِلُوا بِمَيِّتِهِمْ عَنْ صُنْعِ طَعَامِهِمْ فَاحْمِلُوا إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَ }[3]

الحج :

بعد عودته وقد استحسن له كثيرا من العلماء أن يصنع طعاما للفقراء بعدما يستقر في أهله شكرا لله على هذه النعمة الكبرى والمنة العظمى ولا مانع أن يطعم منه أهله ومعارفه

مائدة الإفطار في رمضان :

ويستحب للمسلم أن يصنع مائدة في رمضان ولو مرة في الشهر أو مرة في العمر يطعم منها الصائمون ليفوز بالأجر العظيم الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً كَانَ لَهِ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ يُعْطِي اللَّهُ تَعَالَى هذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى مُذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماً سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ}[4]

وبالجملة فإن المسلم كلما تفضل الله عليه بفضل في نفسه أو ولده أو ماله أو أهله شكر الله تعالى على ذلك بإطعام الفقراء وتوزيع الصدقات عليهم وذلك لقوله تعالي {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ{11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ{12} فَكُّ رَقَبَةٍ{13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ{14} يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ{15} أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ{16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ{17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ{18} البلد

[1] متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه [2] رواه أهل السنن كلهم عن سمرة رضي الله عنه [3] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما [4] رواه أصحاب السنن عن سلمان رضي الله عنه 


http://www.fawzyabuzeid.com/table_bo...2&id=128&cat=2

منقول من كتاب [مائدة المسلم بين الدين والعلم]اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً

[I][]